الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الاتحاد الاوروبي ـ الفيتو المجري وتداعياته على وحدة القرار الاوروبي

فبراير 24, 2026

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الاتحاد الاوروبي ـ الفيتو المجري وتداعياته على وحدة القرار الاوروبي

عد قرار المجر بعرقلة حزمة عقوبات جديدة من الاتحاد الأوروبي ضد روسيا أحد تلك اللحظات الفارقة. فهو يوضح، بدقة مقلقة، ما يقر به العديد من المسؤولين الأوروبيين سرا، لم تعد حكومة فيكتور أوربان مجرد حالة تقوض قرارات الاتحاد الأوروبي، بل أصبحت، عمليا، أكثر المدافعين موثوقية عن موسكو داخل التحالف الغربي. أعلن وزير خارجية المجر، في 22 فبراير 2026 أن بودابست ستستخدم حق النقض “الفيتو” ضد حزمة العقوبات الأوروبية المقبلة التي تستهدف المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا. وقد ربطت هذه الخطوة صراحة بنزاع حول توقف شحنات النفط عبر خط أنابيب دروجبا، الذي يزود مصافي النفط المجرية.

ما هو المبرر؟

كان المبرر الرسمي هو الضرورة الاقتصادية. فبعد أن ألحقت غارة جوية روسية بطائرة مسيرة أضرارا بالبنية التحتية في غرب أوكرانيا، لم تستأنف كييف عبور النفط، مما دفع بودابست إلى المطالبة بإعادة الأمور إلى نصابها قبل دعم أي إجراءات تصب في مصلحة أوكرانيا. لكن هذا التفسير لا يقنع سوى قلة من صناع القرار في أوروبا. فبعد ما يقرب من أربع سنوات من حرب شاملة، بات سلوك المجر نمطا متوقعا، فكلما اشتد الضغط الأوروبي الجماعي على روسيا، تجد بودابست مبررا لتأجيله. أصبح التسلسل التالي متكررا روتينيا “يستعد الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات، تتقدم المفاوضات، تقترب المواعيد النهائية، لا سيما تلك ذات الاهمية الكبيرة، ثم تتدخل المجر بعرقلة القرارات الأوروبية”.

عقبة قواعد الإجماع

هذه المرة كانت المخاطر واضحة بشكل خاص، كانت الحكومات الأوروبية تأمل في الموافقة على الإجراءات في الذكرى السنوية الرابعة لحرب أوكرانيا. لكن بدلا من ذلك، يواجه التكتل مرة أخرى عقبة مألوفة، قواعد الإجماع التي تمنح دولة عضو واحدة، دولة صغيرة في الواقع، نفوذا غير متناسب على السياسة الخارجية للقارة. يزعم المدافعون عن أوربان أن المجر تحمي مصالحها الوطنية فحسب. فالبلاد تعتمد اعتمادا كبيرا على واردات الطاقة الروسية، وأمن الطاقة هاجس مشروع لأي حكومة. إلا أن هذه الحجة فقدت مصداقيتها تدريجيا. فالاعتماد على الطاقة يفسر الحذر، لكنه لا يفسر التحالفات السياسية المتكررة.

المجر وإضعاف الاستراتيجية الجماعية الأوروبية

هذا التمييز مهم. لم تكتف المجر بالتردد، بل هددت بعرقلة حزمة مالية ضخمة من الاتحاد الأوروبي لدعم الدفاع الأوكراني، بل وانضمت إلى سلوفاكيا، وهي دولة أخرى مستهدفة، في التحذير من إمكانية قطع صادرات الكهرباء إلى أوكرانيا وسط النزاع. وردت وزارة الخارجية الأوكرانية باتهام بودابست ب”التهديدات والابتزاز”. قد تبدو اللغة مثيرة، لكنها تعكس قلقا أوروبيا أعمق، وهو أن إحدى الدول الأعضاء تعمل الآن بشكل منهجي على إضعاف الاستراتيجية الجماعية للغرب في زمن الحرب. بالنسبة للكرملين، يعد هذا الامر ذا قيمة استراتيجية بالغة. فروسيا لا تستطيع تقسيم حلف الناتو عسكريا، لكنها قادرة على تعقيد عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي سياسيا. يعتمد نظام العقوبات في الاتحاد الأوروبي على الوحدة، والوحدة بدورها تعتمد على الإجماع. إن استخدام حق النقض “الفيتو” من جانب واحد يؤخر الإجراءات، ويضعف تأثيرها، ويشير إلى التردد لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء.

تصر القيادة المجرية على سعيها للسلام، ويقدم أوربان نفسه باستمرار كوسيط براغماتي يقاوم المواجهة الأيديولوجية. إلا أن العواقب العملية لتصرفات بودابست قابلة للقياس. فكل تأخير في فرض العقوبات يخفف الضغط الاقتصادي على اقتصاد الحرب الروسي. وكل عقبة إجرائية تعقد تمويل الدفاع الأوكراني. وكل نزاع داخلي يضعف الردع. لا ينبغي أن يثير أي من هذا الدهشة. فقد أمضى أوربان أكثر من عقد من الزمن في بناء نموذج سياسي يختلف عن المعايير الديمقراطية الليبرالية للاتحاد الأوروبي. وهو يطلق عليه اسم “دولة غير ليبرالية”. أما النقاد فيطلقون عليه اسما آخر، نظام هجين يوازن بين عضوية الاتحاد الأوروبي والتقارب الاستراتيجي، بل قد يصفه البعض ب”التبعية”، لموسكو.

العلاقة ليست خفية، فقد حافظت المجر على علاقات دبلوماسية ودية بشكل استثنائي مع روسيا منذ حرب أوكرانيا، في حين قلص معظم القادة الأوروبيين الاتصالات بشكل كبير. هذه السياسة ليست مؤقتة، بل هيكلية. إذ تقدر حكومة أوربان أنها تستطيع في الوقت نفسه الاستفادة من أموال الاتحاد الأوروبي والحفاظ على قناة اتصال خاصة مع الكرملين. ما يجعل النزاع الحالي بالغ الاهمية هو توقيته. لم تكن حزمة العقوبات مجردة، بل كانت مرتبطة ارتباطا مباشرا بحرب أوكرانيا. في مثل هذه اللحظات، عادة ما تصاغ القرارات من منظور أخلاقي، السيادة، والسلامة الإقليمية، والقانون الدولي. أما المجر، فقد صاغتها من منظور عملي: النفط أولا، والتضامن لاحقا.

المجر تكشف “الهشاشة المؤسسية” داخل الاتحاد الأوروبي

بذلك، كشفت بودابست عن هشاشة مؤسسية أعمق داخل الاتحاد الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية عظمى، ولكنه في الوقت نفسه اتحاد جيوسياسي. وتعتمد سياسته الخارجية على الإجماع، وهو مبدأ مصمم للتعاون في أوقات السلم، ولكنه يتعرض لضغوط شديدة في ظل ظروف تقترب من الصراع القاري. لسنوات، تغاضت بروكسل عن اختلاف موقف المجر، ظنا منها أن الإقناع الداخلي سيعيد بودابست تدريجيا إلى التيار الأوروبي السائد. لكن ما حدث هو العكس تماما، فقد تحول هذا الاختلاف إلى استراتيجية تفاوضية. تسمح المعاهدات بتعليق حقوق التصويت بموجب المادة 7، وهو إجراء معقد لا يستكمل بالكامل، لكنها لا تتضمن أي آلية عملية لاستبعاد دولة عضو بشكل كامل.

يسود بين بعض المسؤولين شعور خفي بالإحباط، يكاد يكون سرا، وفي لحظات كهذه، يصبح جليا، فقد تصور المشروع الأوروبي الانسحاب طوعيا، لكنه لم يفكر قط في وضع قد يرغب فيه الأعضاء الآخرون في عدم حدوث ذلك. في جلساتهم الخاصة، بات المسؤولون الأوروبيون يتحدثون بشكل أقل عن الإقناع وأكثر عن التحايل، آليات لتجنب حق النقض، وقواعد تصويت جديدة، أو أطر عقوبات تتجاوز الإجماع. والنقاش بحد ذاته دال. لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت المجر ستعرقل العمل الجماعي، بل حول كيفية العمل رغم ذلك.

موسكو تعتمد على بودابست في مواجهة الاتحاد الأوروبي

قد تنظر حكومة أوربان إلى موقفها على أنه واقعية سيادية، لكن التصور الأوروبي الاوسع نطاقا يزداد وضوحا. فعندما تعرقل دولة عضو باستمرار إجراءات تهدف إلى كبح جماح قوة معادية، فإن القضية تتجاوز كونها خلافا سياسيا لتصبح تحالفا جيوسياسيا. ولهذا السبب، لم يحدث قرار المجر مفاجأة حقيقية في العواصم الأوروبية. فقد اعتبر الإعلان بمثابة تأكيد لحقيقة معروفة منذ زمن، أكثر من كونه خبرا عاجلا. ففي السياسة الحربية، لا تقل الاهمية المصداقية عن القوة. وقد اكتشف الاتحاد الأوروبي مرارا وتكرارا أنه لا يستطيع الاعتماد على بودابست في مواجهة موسكو، بينما يستطيع الكرملين ذلك. في العلاقات الدولية، تحدد الأنماط في نهاية المطاف السمعة، وقد رسخت المجر سمعتها بقوة.

النتائج

أصبح التوتر بين الاتحاد الأوروبي والمجر مرشحا للتفاقم لا للانفراج. ففي المدى القريب، ستسعى بروكسل إلى احتواء العرقلة المجرية عبر صيغ تفاوضية مرحلية، مثل تجزئة حزم العقوبات أو ربطها بملفات تمويلية، لتقليل كلفة “الفيتو” سياسيا. غير أن هذا النهج التكتيكي لن يعالج جوهر المشكلة المتمثل في قاعدة الإجماع، التي تمنح بودابست قدرة تعطيل تفوق وزنها النسبي.

من المتوقع أن يتسارع النقاش حول الانتقال إلى آليات تصويت بالأغلبية المؤهلة في بعض ملفات السياسة الخارجية، أو إنشاء أطر “تحالف الراغبين” خارج الإجماع الكامل. مثل هذا التحول، إن حدث، سيشكل سابقة مؤسسية تعيد تعريف توازن السيادة داخل الاتحاد. لكنه في المقابل قد يعمق الانقسام بين شرق وغرب أوروبا، ويغذي سرديات يتبناها فيكتور أوربان داخليا.

أما بالنسبة لروسيا، يمنح استمرار هذا النمط يمنح هامشا زمنيا واستراتيجيا. فكل تأخير في العقوبات أو التمويل الدفاعي لأوكرانيا يراكم مكاسب نسبية لموسكو، حتى وإن بقيت محدودة. ومع ذلك، من غير المرجح أن يتحول الخلاف إلى انقسام جذري داخل حلف شمال الأطلسي، نظرا لاختلاف آليات اتخاذ القرار وطبيعة الالتزامات الأمنية.

السيناريو الاكثر ترجيحا يتمثل في استمرار “إدارة الخلاف” بدلا من حسمه، اتحاد أوروبي يتكيف مؤسسيا لتقليل أثر التعطيل، ومجر تواصل توظيف موقعها التفاوضي لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية. لكن الخطر الحقيقي يكمن في التآكل البطيء للثقة. فإذا ترسخ الانطباع بأن التضامن الأوروبي مشروط وقابل للمساومة في لحظات الصراع، فإن الكلفة لن تكون إجرائية فقط، بل استراتيجية تمس صدقية الاتحاد كفاعل جيوسياسي موحد.

رابط مختصر…  https://www.europarabct.com/?p=115437

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...