المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ودبلوماسية الأزمات، أداة لإعادة التموضع في النظام الدولي
يستعد الاتحاد الأوروبي للحظة فارقة يناقش خلالها القادة بعضاً من أصعب القضايا الأمنية والاقتصادية التي تواجه القارة. ومهمتهم، إيجاد سبل لجعل أوروبا لاعباً عالمياً قوياً. وهذا يعني تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، ودعم أوكرانيا. سيُجري القادة جولاتٍ دبلوماسيةٍ لإدارة الأزمات، بدءاً من قاعة مؤتمرات في بروكسل، وصولًا إلى ميونيخ لحضور أكبر مؤتمرٍ دولي للأمن في العالم. كما سيجتمع أعضاء البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ لمناقشة رفع التجميد عن اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والموافقة على ميزانيته طويلة الأجل للفترة من 2028 إلى 2034، بينما سيعقد سفراء جميع الدول الأعضاء محادثاتٍ في بروكسل. يقول رئيس الوزراء الإيطالي السابق، إنريكو ليتا: “ستُظهر الأيام القادمة ما إذا كان بإمكان أوروبا أن تُعيد بناء نفسها وتصبح موحدة وناضجة ومستقلة حقاً”. وأضاف ليتا: “كما أن توقيع معاهدة ماستريخت عام 1992 صنع من أوروبا ما هي عليه اليوم على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية، فعلينا الآن أن نفعل الشيء نفسه مرة أخرى”.
اجتماع قادة الدفاع في الاتحاد الأوروبي في 11 فبراير 2026
هناك بند واحد فقط على جدول الأعمال عندما يجتمع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في بروكسل لحضور اجتماع مجلس الشؤون الخارجية، دعم أوكرانيا. من المقرر أن يحضر وزير الدفاع الأوكراني، ميخايلو فيدوروف، الذي عُيّن في يناير 2026 بعد أن شغل منصب وزير التحول الرقمي، اجتماعاً مع قادة الدفاع في دول الاتحاد الأوروبي لإطلاعهم على أهم احتياجات بلاده مع اقترابها من مرور أربع سنوات على حرب أوكرانيا. من المرجح أن يطلب فيدوروف أنظمة صواريخ دفاع جوي إضافية، بما في ذلك صواريخ باتريوت وناسامز، التي لطالما كانت على رأس قائمة أولويات كييف. وسيناقش الاجتماع “التعاون في مجال الابتكار الدفاعي”، وهو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الطائرات المسيّرة وغيرها من التقنيات العسكرية الحديثة. يوضح فابريس بوتييه، الرئيس التنفيذي لشركة راسموسن غلوبال الاستشارية، إن الاجتماع سيشهد “تفكير أوروبا بشكل عاجل في خطة بديلة حقيقية لأمنها” في ظل انسحاب الولايات المتحدة المتزايد من التحالف عبر الأطلسي. وأضاف: “يجب أن تكون أوروبا قادرة على الاعتماد على نفسها في حال تُركت وحيدة”.
أكدت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا إن البرلمان الأوروبي سيصوت في 11 فبراير 2026 على قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو لتمويل المجهود الحربي لأوكرانيا. أضافت المتحدثة باسم البرلمان دلفين كولارد قبل افتتاح الجلسة العامة: “هناك اتفاق بين المجموعات السياسية”. وافق حزب الشعب الأوروبي (يمين الوسط)، والاشتراكيون والديمقراطيون (يسار الوسط)، وحزب تجديد أوروبا (الليبرالي) على تسريع التصويتات التي تسمح للمفوضية بجمع الأموال من سوق الدين الدولية، بدعم من ميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل. ويعني دعم هذه الأحزاب الثلاثة أن التصويتات بما في ذلك التعديلات على ميزانية الاتحاد الأوروبي وآلية تمويل أوكرانيا الحالية ستحصل على الأغلبية اللازمة لإقرارها. لولا القرض، لكانت أوكرانيا قد واجهت خطر نفاد الأموال بحلول شهر أبريل 2026، الأمر الذي كان سيشكل كارثة لجهودها الحربية وسط محادثات السلام الجارية التي ترعاها الولايات المتحدة. كان من المقرر سابقاً إجراء التصويت في جلسة عامة خاصة دُعيت إليها في 24 فبراير 2026.
قمة اقتصادية في 12 فبراير 2026
ستُوضع أزمة أوكرانيا في المرتبة الثانية عندما يتوافد قادة الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي إلى قرية ريكوفن البلجيكية لمعالجة المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها التكتل. سيناقشون، كيفية جعل الاتحاد الأوروبي أكثر ثراءً؛ بدءاً من تبسيط التشريعات وصولاً إلى تعزيز السوق الموحدة وتقليل الاعتماد على المواد الخام الحيوية من أجزاء أخرى من العالم. ستشارك رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا في القمة، حيث ستقدم إحاطة للقادة حول عملية الموافقة على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من المرجح الآن أن يتم التصويت من قبل جميع أعضاء البرلمان الأوروبي على إزالة الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية في مارس 2026.
سيلقي كل من رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي ورئيس الوزراء الإيطالي السابق ليتا كلمة أمام القادة، وسيشاركان رؤيتيهما حول القدرة التنافسية الأوروبية، وذلك وفقًا لرسالة الدعوة التي أرسلها رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى القادة. وقد سبق لكل من دراجي وليتا أن أعدا تقارير حول كيفية تعزيز القدرة التنافسية لأوروبا. على الرغم من عدم ذكر الولايات المتحدة أو الصين بالاسم، إلا أن دعوة كوستا أكدت أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه الآن في “عالم من المنافسة الاقتصادية المتزايدة وغير العادلة دائماً والاختلالات التجارية”. وكما حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير 2026: “المسألة هي أن العالم قد تغير بشكل دائم. ونحن بحاجة إلى التغيير معه”. ستشهد المحادثات محاولة الاتحاد الأوروبي لرسم مسار عبر هذا العالم المتغير.
قبل قمة الاتحاد الأوروبي يدعو الرئيس الفرنسي إلى مبادرة حوار جديدة مع روسيا. وقد أبدت القيادة الروسية انفتاحاً مفاجئاً على هذه الفكرة. حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استئناف المحادثات مع روسيا . وقال إنه “اقترح ذلك على العديد من زملائه الأوروبيين”. قبيل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، حذر الرئيس الفرنسي من ضرورة استعداد أوروبا للتفاوض بشأن السلام والأمن في القارة. وقال ماكرون: “لن يتغير وضعنا الجغرافي”. لذا، من الضروري إعادة تنشيط قنوات الاتصال الأوروبية، دون ممارسة أي ضغوط على أوكرانيا .
أبدت القيادة الروسية رد فعل مفاجئ وصريح على عرض إجراء محادثات. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف: “لطالما قلنا إنه من غير المنطقي، بل ومن غير المجدي، أن نخفض علاقاتنا إلى الصفر”. لطالما دعا ماكرون إلى إحياء الحوار مع روسيا. وقد رد الكرملين بإشارات رمزية. فعلى سبيل المثال، في بداية العام 2026، أُطلق سراح المواطن الفرنسي لوران فيناتييه، الذي كان مسجوناً في روسيا بتهمة التجسس.
أشار ماكرون إلى أن حرب أوكرانيا قد دخلت مرحلة جديدة. فمن جهة، بلغت الخسائر والإرهاق لدى كلا الجانبين مستوىً يُبرر مسألة إنهاء الحرب. ومن جهة أخرى، أعربت الولايات المتحدة عن رغبتها في إنهاء الصراع. لا ينبغي لأوروبا أن تترك هذه المفاوضات لجهات أخرى فقط. وتساءل ماكرون: “هل تُفضلون أن يتفاوض السفراء والمبعوثون الأمريكيون نيابةً عنكم، نيابةً عن أوروبا؟”. كان هذا مسألة تتعلق باحترام الذات الأوروبي.
الهدف هو اتباع نهج أوروبي واضح المعالم ذي ولاية محددة. لا ينبغي أن يكون هناك عدد كبير من الأطراف المتحاورة، بل نحتاج إلى تمثيل أوروبي مشترك. وقال ماكرون إن بعض الشركاء يرون حتى الآن أنه من السابق لأوانه إرسال مستشاريهم الدبلوماسيين. أكد المتحدث باسم الكرملين، بيسكوف، إجراء محادثات على المستوى الفني. وقال: “لقد جرت اتصالات، وهذا ما يمكننا تأكيده، والتي ستساعد، إذا لزم الأمر ورغبنا، على استئناف الحوار على أعلى مستوى بسرعة كبيرة”.
ربط الرئيس الفرنسي مبادرته بشأن روسيا بتحذير جوهري حول التدهور الجيوسياسي لأوروبا. وقال ماكرون: “إذا لم نفعل شيئًا، فستُجرف أوروبا في غضون خمس سنوات”. تعاني أوروبا من صدمة مزدوجة سياسة الصين التجارية، وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة. في هذا الوضع، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقرر ما إذا كان سيبقى متفرجًا أم سيصبح مشاركًا فاعلًا.
دعا ماكرون أوروبا إلى “الاستيقاظ” والخروج من “لامبالاتها الجيوسياسية”. وشمل ذلك تبسيط القواعد الأوروبية، وتنويع العلاقات التجارية، وتحسين حماية صناعاتها. وأكد أن السوق الأوروبية هي الأكثر انفتاحاً في العالم حالياً، بينما تقوم قوى اقتصادية أخرى بدعم صناعاتها بشكل كبير.
يُعدّ الهجوم الاستثماري الأوروبي المشترك أمراً بالغ الأهمية كذلك. وقد دعا ماكرون إلى الاقتراض المشترك في قطاعات مستقبلية محددة بوضوح، تشمل الدفاع، والتقنيات الخضراء، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الكم. وأكد أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أوروبا الحفاظ على قدرتها التنافسية عالمياً وضمان قدرتها السياسية على العمل.
مؤتمر ميونخ للأمن في 13 فبراير 2026
يعود التركيز إلى الدفاع في مؤتمر ميونيخ السنوي، الذي سيحضره عدد كبير من الشخصيات البارزة بما في ذلك فون دير لاين، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. رسمياً، ستتناول هذه السنة مواضيع الأمن والدفاع الأوروبيين، ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي. أما على الصعيد غير الرسمي، فسيكون السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع هو: هل يملك الاتحاد الأوروبي أي أمل في الاعتماد على نفسه دون مساعدة واشنطن؟. لا يعتقد روتّه ذلك، إذ قال للمشرعين الأوروبيين في يناير 2026 أن “يستمروا في الحلم” إذا كانوا يعتقدون أن أوروبا قادرة على فعل ذلك بدون الولايات المتحدة. قال بصراحة: “لا يمكنك ذلك”.
النتائج
تبدو دبلوماسية الأزمات أداةً مركزية في محاولة الاتحاد الأوروبي إعادة التموضع داخل نظام دولي يتسم بتعدد مراكز القوة وتراجع اليقين الاستراتيجي، وذلك في ضوء الحراك السياسي والدبلوماسي المكثف، إن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة أوروبا على تحويل إدارة الأزمات من استجابة ظرفية إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد.
من المرجح أن يواصل الاتحاد الأوروبي الاستثمار في دعم أوكرانيا بوصفه اختباراً مباشراً لمصداقيته الجيوسياسية، ليس فقط عبر التمويل العسكري والاقتصادي، بل كذلك من خلال بناء سردية سياسية تُظهر أن أوروبا قادرة على تحمّل أعباء الأمن الإقليمي. غير أن هذا الالتزام سيصطدم بتحديات داخلية، أبرزها الضغوط الاقتصادية، وتباين أولويات الدول الأعضاء، وصعود تيارات سياسية تشكك في كلفة الانخراط الخارجي.
تشير التطورات إلى أن الاتحاد الأوروبي يتجه تدريجيًا نحو تقليص اعتماده الاستراتيجي على الولايات المتحدة، لكن دون القدرة الفعلية على الاستقلال الكامل عنها في المدى المنظور. سيظل التحالف عبر الأطلسي إطاراً لا غنى عنه، فيما تحاول أوروبا توسيع هامش حركتها الذاتية عبر تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وتطوير الصناعات العسكرية، وربط الأمن بالقدرة التنافسية الاقتصادية.
تمثل الاجتماعات الأوروبية المقبلة محاولة لإعادة صياغة نموذج النمو الأوروبي في مواجهة عالم أكثر حمائية وتنافسية. غير أن نجاح هذا التوجه سيتطلب قرارات صعبة تتعلق بتبسيط التشريعات، وتعميق السوق الموحدة، وإعادة النظر في سياسات التجارة، بما قد يثير خلافات سياسية داخلية حادة.
يقف الاتحاد الأوروبي أمام لحظة شبيهة بلحظات التأسيس، لكن من دون إجماع سياسي مماثل. ستبقى دبلوماسية الأزمات أداةً مهمة لإعادة التموضع، لكنها لن تتحول إلى مصدر نفوذ مستدام ما لم تُرفق بإرادة سياسية موحدة، وقدرة تنفيذية أسرع، ورؤية واضحة لدور أوروبا في نظام دولي لم يعد ينتظر ترددها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114771
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
