
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا
بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية
الاتحاد الأوروبي والهند: خطوة نحو استقلال اقتصادي عن أمريكا
توصل الاتحاد الأوروبي والهند إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة في ٢٧ يناير 2026 تُعد من أكبر الاتفاقيات في التاريخ بين كتلتين اقتصاديتين كبيرتين، بعد نحو 20 عامًا من المفاوضات. الاتفاقية، التي وصفها قادة الجانبين بأنها “أمّ الصفقات”، تشمل خفضًا أو إلغاءً تدريجيًا للرسوم الجمركية على ما يقارب 96.6% من قيمة التجارة بين الجانبين، وتفتح أسواق الهند الضخمة (التي يزيد عدد سكانها عن 1.45 مليار نسمة) أمام صادرات الاتحاد الأوروبي في قطاعات حيوية مثل السيارات والمعدات الصناعية والمنتجات الكيماوية والطبية، بينما تحصل الهند على تسهيلات واسعة لتصدير منتجاتها إلى السوق الأوروبية.
تشير البيانات قبل توقيع الاتفاق أن حجم التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي في السلع وحدها بلغ نحو 120 مليار يورو في 2024، فيما تُقدّر تجارة السلع والخدمات معًا بنحو 180 مليار يورو سنويًا، وهو ما يدعم مئات آلاف الوظائف الأوروبية ويشكل سوقًا ديناميكية ومتنامية.
ولا تعد الاتفاقية مجرد تحرير تجاري بل محاولة استراتيجية لتوسيع العلاقات الاقتصادية وتخفيف الاعتماد على الأسواق الأمريكية أو الصينية، خاصة في سياق تصاعد التوترات التجارية العالمية.
لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا الاتفاق قد يشكّل بديلًا حقيقيًا لأوروبا عن الاقتصاد الأمريكي، خاصة بالنظر إلى عمق العلاقات الحالية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
كما تعد التبادلات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأكبر في العالم من حيث العلاقات الثنائية، حيث بلغ حجم تبادلهما من السلع والخدمات نحو 1.5 تريليون دولار في عام 2024. هذا الرقم يتضمن صادرات أمريكية إلى الاتحاد الأوروبي وقيمتها نحو 370 مليار دولار، وواردات أمريكية من الاتحاد الأوروبي بنحو 606 مليارات دولار، بينما تجاوزت تجارة الخدمات بينهما 500 مليار دولار. في المقابل، يقدر حجم التجارة الأوروبية السنوي مع الهند قبل تنفيذ الاتفاق بنحو 136.5 مليار دولار (السلع فقط) في 2024-2025، مع خدمة تجارة متزايدة.
بالمقارنة بين هذين الرابطين، يتضح أن العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكبر بكثير من تلك بين الاتحاد الأوروبي والهند.
فلا تزال أمريكا الشريك التجاري الأكبر لأوروبا، خصوصًا في قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا المتقدمة، بينما الهند، رغم نموها السريع، تمثل حاليًا نحو 2.4% من تجارة السلع الأوروبية فقط، مقابل نحو 17.3% للولايات المتحدة و14.6% للصين.
لكن أهمية الاتفاق مع الهند تكمن في أنه يوسّع قاعدة الشراكات الأوروبية ويقلّص بعض المخاطر المرتبطة بالاعتماد الاقتصادي المفرط على سوق واحدة أو شريك تجاري محدد.
ففي السنوات الأخيرة، نما حجم تجارة الاتحاد الأوروبي مع الهند بنحو 90% مقارنة بعقد سابق، بينما أصبح الاتحاد الأوروبي الآن الشريك التجاري الأكبر للهند في السلع.
ويمكن أن تضاعف اتفاقية التجارة الحرة المتوقعة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند بحلول 2032، ما قد يرفع حجم تجارة السلع بين الجانبين إلى نحو 200 مليار دولار خلال العقد المقبل. وإذا تحققت هذه التوقعات، فإنها ستعزز من الدور الأوروبي في أسواق جديدة وتخفف بعض الضغوط التجارية التي تواجهها أوروبا في أسواق أخرى، خاصة بعد القرارات الحمائية الأمريكية التي أثّرت على بعض القطاعات الصناعية الأوروبية وتسببت في توترات تجارية بين بروكسل وواشنطن في السنوات الماضية.
هذا التحول لا يعني أن أوروبا ستحل محل أمريكا في علاقاتها التجارية، لكنه يشير إلى استراتيجية تنويع واضحة في السياسة التجارية الأوروبية. فالاتحاد الأوروبي لم يعلِن أبدًا عن نية قطع العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، لكنه يعزز شراكاته مع شركاء آخرين من أجل زيادة مرونته الاقتصادية وتقليل مخاطر التأثر بسياسات تجارية غير مستقرة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا في التوترات التجارية والحروب الاقتصادية على الرسوم والتعريفات، وهو ما دفع أوروبا والهند للتوصل إلى اتفاق في لحظة تبدو مناسبة لتعزيز التكامل الاقتصادي بينهما.
بينما من منظور جيوسياسي، يسهم الاتفاق في تعزيز دور أوروبا كفاعل مستقل على الساحة الدولية، مما يعطي بروكسل قدرة أكبر على المناورة في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، دون أن يعني ذلك انفصالها عن الشراكات التقليدية مع الولايات المتحدة. هذا لا يتناقض مع التحالفات الاستراتيجية القائمة بين الجانبين، لكنه يشكل خطوة نحو اقتصاد متعدد الأقطاب مع دور أوروبي وآسيوي متنامٍ، ما يدعم أوروبا في بقائها لاعبًا مؤثرًا في النظام الاقتصادي الدولي دون الاعتماد الكامل على شريك واحد.
في النهاية، تظل العلاقة بين أوروبا والهند مكمّلة وليست بديلة مباشرة للعلاقة مع أمريكا.
تمنح الاتفاقية أوروبا فرصة للنمو في سوق سريع النمو وتوسيع قاعدتها الاقتصادية، وهو ما يساهم في تعزيز استقلاليتها الاقتصادية على المدى الطويل، بينما تبقى العلاقات الاقتصادية العميقة مع الولايات المتحدة أحد الأعمدة الأساسية في الاقتصاد الأوروبي.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=114281
