المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي واستراتيجية أمن البنية التحتية البحرية 2026، الإجراءات والتدابير
يكثف الاتحاد الأوروبي جهوده لمواجهة التهديد المتزايد لكابلات البيانات البحرية، اذ تحمل هذه الكابلات ما يصل الى 99% من حركة الانترنت العابرة للقارات، وتشكل العمود الفقري للاتصالات العالمية والتبادلات المالية والخدمات السحابية. وتعد هذه البنية التحتية ضرورية لاستمرارية الحياة الحديثة وعمل الاسواق والشركات والمؤسسات الحكومية داخل أوروبا وخارجها. وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتنامي المخاطر الهجينة، يؤكد الاتحاد الأوروبي انه يواجه تحديات متزايدة تستهدف هذه البنية التحتية الحيوية، سواء عبر اعمال تخريب مادي او تهديدات سيبرانية او ضغوط استراتيجية غير مباشرة.
وعلى هذا الاساس كشفت المفوضية الأوروبية انها تكثف جهودها لتعزيز “امنها وقدرتها على الصمود”، عبر مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية والاستجابة السريعة وتقليل الاعتماد الخارجي. واعلنت المفوضية في 13 فبراير 2026 انها ستطرح مجموعة ادوات جديدة لامن الكابلات تتضمن تدابير عملية للحد من المخاطر وتعزيز التنسيق بين الدول الاعضاء، الى جانب اعداد قائمة بمشاريع الكابلات ذات الاهمية الأوروبية “CPEIs” لتوجيه التمويل العام نحو المبادرات الاستراتيجية ذات الاولوية. وتهدف هذه الخطوات الى ترسيخ سيادة اوروبية رقمية اكثر متانة واستباقا للمخاطر المستقبلية.
تعزيز مشاريع الكابلات البحرية الاستراتيجية
كما خصص الاتحاد الأوروبي نحو 347 مليون يورو لدعم مشاريع الكابلات البحرية الاستراتيجية، في خطوة تعكس تحولا واضحا نحو التعامل مع هذه البنية التحتية بوصفها مسألة امن قومي واقتصادي. ويشمل هذا التمويل طلبا بقيمة 20 مليون يورو مخصصا لتعزيز قدرات اصلاح الكابلات داخل أوروبا، بما يضمن تقليص زمن الاستجابة لحالات الانقطاع والحد من الخسائر الاقتصادية المحتملة. ويهدف هذا الاستثمار الى تطوير قدرات تقنية ولوجستية تسمح بالتدخل السريع في حال وقوع اعطال او حوادث تخريب متعمد، خاصة في المناطق الحساسة جيوسياسيا.
واكد مفوض الاتحاد الأوروبي المسؤول عن الملف ان الاجراءات الجديدة “تواصل اثبات قدرتنا على الاستجابة السريعة للتهديدات المتزايدة في بيئة جيوسياسية غير مستقرة”، مشيرا الى ان المقاربة الحالية تقوم على الوقاية والاستعداد المسبق وليس فقط رد الفعل. ومن جانبها اوضحت هينا فيركونين نائبة الرئيس التنفيذي لشؤون السيادة التكنولوجية والامن والديمقراطية ان هناك نهجا مشتركا متفقا عليه مع الدول الاعضاء لتحديد المخاطر الامنية التي تواجه الكابلات البحرية وتحديد اولويات التعزيز. واضافت ان العمل سيتواصل مع مختلف الجهات المعنية للاستثمار في هذه البنى الحيوية، ضمن خطة عمل اوروبية اشمل تهدف الى رفع مستوى الامن والمرونة والتصدي لتزايد التخريب المتعمد.
الأدوات والتدابير الاستراتيجية
تحدد مجموعة الأدوات هذه ستة تدابير استراتيجية وأربعة تدابير فنية ودعمية لتحسين أمن البنية التحتية للكابلات البحرية. وهي تستند إلى تقييم للمخاطر حدد سيناريوهات المخاطر والتهديدات ونقاط الضعف والتبعيات. وتحدد قائمة مجالات “CPEI” الثلاثة عشر للتمويل العام ثلاث مراحل مدة كل منها خمس سنوات حتى عام 2040، لتمويل المشاريع التي تهدف إلى تعزيز مرونة الكابلات البحرية. وعدلت المفوضية برنامج العمل الرقمي لآلية الربط الأوروبي، وخصصت 347 مليون يورو لتمويل مشاريع الكابلات البحرية الاستراتيجية. وستدعم هذه الدعوات مبادرات البنية التحتية للحماية من التسرب، وتعزز قدرة الاتحاد الأوروبي على إصلاح الكابلات، وتزود الكابلات البحرية بتقنيات ذكية.
بدأ طرح طلب تمويل بقيمة 20 مليون يورو ضمن مبادرة “تسهيلات التمويل الرقمية” “CEF Digital” لتمويل وحدات قابلة للتعديل لإصلاح الكابلات البحرية. وسيتم وضع هذه الوحدات في الموانئ أو أحواض بناء السفن لاستعادة خدمات الكابلات البحرية بسرعة. أكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية إن هذا يمثل المرحلة الأولى من مبادرة أوسع نطاقا مخطط لها لجميع الأحواض البحرية الرئيسية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بحر البلطيق والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وأضاف: “ستركز هذه التجربة الرائدة على بحر البلطيق بسبب ازدياد انقطاعات الكابلات البحرية في السنوات الأخيرة، مما يشير إلى أن هذه البنى التحتية الحيوية قد تكون عرضة لأعمال عدائية”.
النتائج
تعكس الخطوات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بأمن الكابلات البحرية إدراكا متزايدا بأن البنية التحتية الرقمية أصبحت في صميم الأمن القومي والاقتصادي. وفي ضوء التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، من المرجح أن تتحول حماية كابلات البيانات إلى أولوية استراتيجية دائمة، لا مجرد استجابة ظرفية لمخاطر طارئة.
من المتوقع أن يشهد المجال البحري الأوروبي حضورا أمنيا وتقنيا أكبر، سواء عبر تعزيز المراقبة البحرية أو عبر إدماج تقنيات ذكية في الكابلات نفسها لرصد الأعطال أو الأنشطة المشبوهة في وقت مبكر. كما أن الاستثمار في قدرات الإصلاح السريع، خاصة في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق، سيقلص زمن الانقطاع ويحد من التأثيرات الاقتصادية المحتملة لأي تخريب متعمد.
من المرجح أن تدفع هذه التحركات إلى تعميق التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية البنى التحتية الحيوية. كذلك من المرجح أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقليل الاعتماد على جهات خارجية في تصنيع أو إدارة مكونات الكابلات، في إطار توجه أوسع نحو تعزيز السيادة التكنولوجية.
لن يقتصر التحدي المستقبلي لن يقتصر على التخريب المادي، بل سيمتد إلى مخاطر هجينة تجمع بين الهجمات السيبرانية والضغط الجيوسياسي. ومع توسع الاقتصاد الرقمي والاعتماد المتزايد على الخدمات السحابية والتدفقات المالية العابرة للحدود، فإن أي اضطراب واسع في الكابلات البحرية قد يحمل تداعيات تتجاوز البعد التقني إلى أبعاد سياسية واقتصادية أوسع.
من المحتمل أن يعتمد نجاح الاتحاد الأوروبي في هذا المسار على قدرته على تحويل خطط التمويل الحالية إلى منظومة دائمة للحماية والاستجابة، توازن بين الردع والمرونة، وتعزز مكانته كفاعل رقمي مستقل في بيئة دولية أكثر اضطرابا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115041
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
