المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ هل يتمكن من إضعاف قدرات “أسطول الظل” الروسي؟
يستعد الاتحاد الأوروبي لإطلاق حزمة جديدة من العقوبات ضد روسيا، تستهدف بشكل خاص “الأسطول الخفي” المستخدم في نقل النفط، في إطار مساعٍ لتقليص مصادر تمويل الكرملين. وتأتي هذه الخطوة في ظل مؤشرات أوروبية على تصاعد الضغوط الاقتصادية داخل روسيا، وتزايد الرهان على العقوبات كأداة ضغط سياسي في سياق الحرب في أوكرانيا. كما تسعى بروكسل إلى استثمار المتغيرات الدولية لتعزيز موقف كييف التفاوضي وتوسيع هامش الضغط على موسكو.
جولة جديدة من العقوبات ضد أسطول الظل الروسي
يستعد الاتحاد الأوروبي لإطلاق جولة جديدة من العقوبات ضد روسيا، تستهدف بشكل أساسي ما يُعرف بـ”الأسطول الخفي” الذي تستخدمه موسكو لنقل النفط حول العالم عبر شبكة من ناقلات النفط القديمة ذات الملكيات الغامضة، في محاولة لتضييق الخناق على أحد أهم مصادر تمويل الكرملين. وبحسب دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين، ترى بروكسل أن الوقت الحالي يمثل فرصة مناسبة لتشديد الضغط الاقتصادي والسياسي على موسكو، في ظل ما تعتبره مؤشرات على تزايد الضغوط الداخلية على الاقتصاد الروسي. كما أن استهداف الأسطول الخفي من شأنه أن يحد من العائدات النفطية الروسية، ويزيد الضغوط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتراجع عن مطالبه القصوى في أي تسوية محتملة مع أوكرانيا.
ما هي العقوبات المتوقعة؟
من المتوقع أن تشمل حزمة العقوبات الأوروبية الحادية والعشرين، المرتقب اعتمادها في أواخر يونيو أو مطلع يوليو 2026، إجراءات ضد بنوك ومؤسسات مالية وشركات صناعات عسكرية روسية، بالإضافة إلى شركات متهمة ببيع الحبوب الأوكرانية المسروقة. ووفقًا لسبعة مسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين مطلعين على المناقشات، فإن الاتحاد الأوروبي يدرس إعادة طرح عقوبات سبق أن عرقلتها حكومة رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، من بينها إجراءات تستهدف قيادات بارزة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. كما تدرس المفوضية الأوروبية إعادة إحياء مقترح حظر الخدمات البحرية المقدمة للسفن الروسية، وهو الإجراء الذي واجه في السابق اعتراضات من مالطا واليونان، بحسب أحد الدبلوماسيين الأوروبيين.
إعادة النظر في العقوبات على روسيا
تقول الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، عقب اجتماع وزاري عُقد في لوكسمبورغ، إن هناك “زخمًا جديدًا” لفرض العقوبات بعد الانتخابات المجرية. وأضافت: “ينبغي لنا إعادة النظر في العقوبات التي كانت مطروحة على الطاولة ولم يتم الاتفاق عليها سابقًا، ولكن ينبغي لنا كذلك المضي قدمًا في حزمة العقوبات الجديدة”. ويرى مسؤولون أوروبيون أن الاقتصاد الروسي يواجه ضغوطًا غير مسبوقة منذ بداية الحرب. وقال مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي: “إن الاقتصاد الروسي في أسوأ حالاته داخليًا منذ بداية الحرب. لقد حان الوقت فعلًا للضغط من أجل المزيد لأن روسيا لا تسير على ما يرام”.
أوكرانيا باتت تمتلك أوراق ضغط أكبر
يقول مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس إن روسيا تعاني من “صدمة تضخمية ثابتة”، مشددًا على أن الوقت الحالي “ليس مناسبًا لتخفيف الضغط على روسيا”. وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يواصل التأكيد على هذا الموقف خلال اجتماعات مجموعة السبع واللقاءات الثنائية مع المسؤولين الأمريكيين. ويرى مسؤولون أوروبيون أن أوكرانيا باتت تمتلك أوراق ضغط أكبر مقارنة بالعام 2025، رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابقة التي شكك فيها بقدرة كييف التفاوضية. ويشير المسؤولون إلى قرض الاتحاد الأوروبي الأخير بقيمة 90 مليار يورو، إلى جانب التقدم العسكري الأوكراني وقدرات كييف المتزايدة في إنتاج الأسلحة بعيدة المدى، فضلًا عن التأثير النفسي للهجمات التي عطلت احتفالات “عرض النصر” في موسكو يوم 9 مايو.
أكد مسؤول أمني رفيع من إحدى دول حلف الناتو: “إن مبلغ الـ90 مليار يورو والعقوبات فعّالان، فهما يمنحان زخمًا ويضعان أوكرانيا في وضع أفضل بكثير. من المهم أن يستمر هذا الزخم”. وأشار مسؤول أوروبي آخر مشارك في التحضيرات إلى أن كايا كالاس ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تدفعان باتجاه اعتماد “حزمة كبيرة” من العقوبات لتعزيز هذا الزخم. ومن المنتظر أن تكشف كالاس، خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، عن عقوبات تستهدف نحو 20 روسيًا متهمين بالمساعدة في اختطاف أطفال أوكرانيين.ورغم أن المناقشات بشأن الحزمة الحادية والعشرين لا تزال في مراحلها الأولى، فإن حلفاء كييف يرون أن العام 2026 قد يمثل فرصة مناسبة لتوجيه ضربة اقتصادية وسياسية قوية إلى موسكو.
يستند التقدير إلى عدة عوامل، بينها وصول رئيس وزراء جديد إلى السلطة في المجر، واحتمال تثبيت وقف إطلاق النار في إيران، إضافة إلى اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر 2026، والتي قد تدفع واشنطن لإعادة التركيز على جهود التسوية. أكد مسؤول دفاعي أوروبي إن الملف الإيراني لا يزال يستحوذ على اهتمام واسع، “لا سيما أن الشخصيات نفسها تشارك في تلك المفاوضات”، في إشارة إلى المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وأضاف: “لكن أوكرانيا تحقق مكاسب في ساحة المعركة، ويبدو أن ترامب قد لاحظ ذلك”. وكان ترامب قد أشاد مؤخرًا بأداء الجيش الأوكراني، واصفًا إياه بأنه “أفضل من أي من حلفائنا في الناتو”.
تتزايد الدعوات داخل أوروبا إلى لعب دور أكبر
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه يتوقع زيارة ويتكوف وكوشنر إلى كييف ، في خطوة قد تمثل أول انخراط أمريكي جاد في عملية السلام الروسية الأوكرانية منذ أشهر. توضح ميكا آلتولا، عضو البرلمان الأوروبي عن فنلندا: “الآن يجب أن نضغط”، معتبرًا أن “النتائج المذهلة” التي حققتها أوكرانيا في ساحة المعركة ساهمت في تغيير النظرة إلى موقفها التفاوضي. في المقابل، تتزايد داخل أوروبا الدعوات إلى لعب دور أكبر بدلًا من انتظار تحرك واشنطن.
صرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول: “نحن مستعدون لتحمل المزيد من المسؤولية ونناقش هذا الأمر مع الولايات المتحدة وأوكرانيا”. وأوضح أن الجهود الأوروبية تستند إلى صيغة “E3” التي تضم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، مضيفًا: “إننا نبذل محاولة جديدة للعودة إلى المفاوضات”. كما أكد وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي استمرار دعم بلاده لأوكرانيا بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والشركاء الغربيين. وقال إيدي: “سنواصل الوقوف إلى جانب الاتحاد الأوروبي والشركاء الآخرين في دعم دفاع أوكرانيا وقدرتها على الصمود”، مؤكدًا أن هذا الدعم “ضروري للغاية”.
النتائج
– تشير مساعي الاتحاد الأوروبي لاستهداف “الأسطول الخفي” الروسي ضمن حزمة العقوبات الجديدة إلى انتقال واضح في أدوات الضغط الغربي من العقوبات المالية التقليدية إلى استهداف البنية اللوجستية التي تعتمد عليها روسيا لتصدير النفط. هذا التحول يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن قدرة موسكو على التكيف مع القيود السابقة دفعت إلى البحث عن مسارات أكثر مباشرة لتقليص الإيرادات الحيوية لتمويل الحرب في أوكرانيا.
– من المتوقع أن يؤدي تشديد الرقابة والعقوبات على شبكات النقل البحري إلى زيادة كلفة تصدير النفط الروسي، وإجبار موسكو على الاعتماد بشكل أكبر على شبكات أقل كفاءة وأكثر عرضة للمخاطر القانونية والتأمينية.
– إن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل جزئيًا، في ظل وجود طلب عالمي مستمر على الطاقة وقدرة روسيا على إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة خارج المنظومة الغربية.
– من المرجح أن تتوسع أدوات الرقابة البحرية والتنسيق الاستخباراتي بين الدول الأعضاء وحلفائها، بما قد يفتح مرحلة جديدة من “الحرب الاقتصادية البحرية” طويلة الأمد. لكن هذا المسار سيواجه تحديات تتعلق بتباين المصالح بين الدول الأوروبية، خصوصًا تلك المرتبطة بالممرات البحرية أو المصالح التجارية.
– قد يسهم استمرار الضغط على “أسطول الظل” في تعزيز موقع أوكرانيا التفاوضي، لكنه لن يكون عاملًا حاسمًا بمفرده في تغيير مسار الحرب، ما لم يترافق مع تصعيد أوسع يشمل الطاقة والقطاع المالي والتكنولوجيا. يبدو أن العقوبات البحرية تمثل أداة استنزاف تدريجي أكثر من كونها وسيلة حسم سريع، ضمن صراع اقتصادي طويل الأمد بين روسيا والغرب.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118377
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
