خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ هل تُعيد أزمة SAFE رسم العلاقة بين البرلمان والمفوضية الأوروبية؟
قرر البرلمان الأوروبي في خطوة تصعيدية بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي، المضي قدمًا في إجراءات قانونية ضد مجلس الاتحاد الأوروبي، وذلك عقب استبعاده من المناقشات بشأن خطة الدفاع الكبرى المعروفة باسم “SAFE”، والتي تهدف إلى توفير قروض دفاعية ضخمة لدول الاتحاد. وقد أعلنت الخدمة الصحفية للبرلمان هذا القرار في 21 أغسطس 2025، مشيرة إلى أن البرلمان قد تقدّم رسميًا بطلب إلى محكمة العدل الأوروبية لإلغاء اللائحة المرتبطة بالبرنامج.
تأتي هذه الخطوة في أعقاب سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها المفوضية الأوروبية، وعلى رأسها تفعيل آلية تشريعية طارئة من دون الرجوع إلى البرلمان الأوروبي. هذا المسار التشريعي السريع، الذي تم باستخدام المادة 122 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، عادة ما يُستخدم فقط في ظروف استثنائية مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية الكبرى، كجائحة كوفيد-19.
غير أن المفوضية، بقيادة رئيستها أورسولا فون دير لاين، اختارت هذا النهج لتسريع الموافقة على خطة القروض الدفاعية، متجاوزة دور البرلمان في العملية التشريعية.
خطة “SAFE” كأداة طارئة
كانت فون دير لاين قد طرحت، في مارس 2025، خطة “SAFE” كأداة طارئة بقيمة 150 مليار يورو تهدف إلى تعزيز قدرات الصناعات الدفاعية الأوروبية وتحفيز الدول الأعضاء على الاستثمار في الدفاع والتسلح في ظل تصاعد التهديدات الأمنية، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا وتفاقم التوترات على حدود الاتحاد الشرقية. وفي مايو 2025، أقر وزراء الاتحاد الأوروبي هذه الخطة دون التشاور مع البرلمان، الأمر الذي أثار حفيظة النواب الأوروبيين وأدى في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار الطعن القانوني.
من جهته، شدد البرلمان الأوروبي على أنه لا يعارض الخطة في مضمونها أو أهدافها، بل يعترض أساسًا على الطريقة التي تم بها تمريرها. وأكد المكتب الصحفي للبرلمان الأوروبي في بيان رسمي أن “هذه الأداة تحظى بدعم البرلمان الأوروبي الكامل، إلا أن الأمر يتعلق بالأساس القانوني الذي تم اختياره، وهو ما يقوض الشرعية الديمقراطية للاتحاد”.
استخدام المادة 122، لا يُعد الخيار الصحيح
وأشار البيان إلى أن استخدام المادة 122، لا يُعد الخيار الصحيح في هذه الحالة. فالأداة المقترحة لا تتعلق بحالة طوارئ آنية، كما أن التسرّع في تمريرها حرم البرلمان من فرصة المشاركة في صياغتها ومراقبتها، وهو ما يتعارض مع مبدأ الشفافية والمساءلة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
أفادت الخدمة الصحفية للبرلمان في تصريحها: “من وجهة نظر البرلمان، فإن استخدام المادة 122 كأساس قانوني لقانون SAFE غير صحيح من الناحية الإجرائية، كما أنه غير ضروري على الإطلاق. فهو يُقوّض الشرعية الديمقراطية في نظر الجمهور، ولا يوجد برلمان في العالم يقبل بذلك”. وبناءً عليه، قرر البرلمان رفع دعوى أمام محكمة العدل الأوروبية، مستندًا إلى أن الأساس القانوني المستخدم “غير كافٍ”.
يُذكر أن رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، كانت قد وجّهت رسالة تحذيرية إلى فون دير لاين في مايو 2025، تُعبّر فيها عن قلق البرلمان إزاء تهميشه، وتلوّح بإمكانية اتخاذ إجراءات قانونية إذا لم تتم مراجعة المسار المتبع في تمرير القانون. إلا أن رئيسة المفوضية الأوروبية ردّت على الرسالة مؤكدة أن استخدام آلية الطوارئ “مبرر تمامًا”، نظرًا لأن خطة SAFE تُعدّ “استجابة استثنائية ومؤقتة لتحدٍّ ملحّ ووجودي”.
18 دولة ترغب في الاستفادة من البرنامج
أعربت 18 دولة من أصل 27 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي عن رغبتها في الاستفادة من البرنامج، وطلبت رسميًا قروضًا دفاعية تصل قيمتها إلى 127 مليار يورو حتى الآن. ويُتوقع أن ترتفع هذه القيمة مع مرور الوقت، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى تعزيز القدرات العسكرية لمواجهة التهديدات الأمنية المحيطة. رغم أن البرلمان الأوروبي لم يطلب تعليق العمل بالخطة فورًا، إلا أنه أشار في طلبه المقدم إلى المحكمة إلى ضرورة استمرار سريان اللائحة مؤقتًا، إلى حين التوصل إلى بديل تشريعي يضمن احترام الإجراءات الديمقراطية ويشرك البرلمان بشكل فعّال.
التوترات المتكررة بين المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي
تسلّط هذه القضية الضوء على التوترات المتكررة بين المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، لا سيما فيما يتعلق بتوزيع الصلاحيات وحدود السلطة التنفيذية في حالات الطوارئ. كما تثير تساؤلات حول مدى احترام الاتحاد الأوروبي لمبادئه الديمقراطية، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
يرى بعض المراقبين أن هذه المواجهة القضائية قد تكون لها آثار بعيدة المدى، ليس فقط على مصير خطة SAFE، بل على طريقة صياغة السياسات الأوروبية المستقبلية المتعلقة بالأمن والدفاع، خاصة في ظل التحديات المتزايدة على حدود أوروبا الشرقية وجنوبها.
النتائج
تمثل دعوى البرلمان الأوروبي ضد مجلس الاتحاد الأوروبي سابقة مؤسساتية تعكس تصاعد التوترات بين أجهزة الاتحاد بشأن تقاسم السلطة وشرعية القرارات.
فرغم الدعم العام الذي يحظى به برنامج “SAFE” لتعزيز الدفاع الأوروبي، فإن الطريقة التي تم تمريره بها عبر تجاوز البرلمان باستخدام المادة 122 الخاصة بحالات الطوارئ تثير مخاوف جدية بشأن احترام التوازن بين السلطات والضوابط الديمقراطية.
تشير هذه الأزمة إلى أزمة ثقة داخلية، وقد تؤدي إلى مراجعة آليات صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، خصوصًا فيما يتعلق بالسياسات الحساسة مثل الأمن والدفاع.
ومن المحتمل أن تصدر محكمة العدل الأوروبية حكمًا يعيد التأكيد على دور البرلمان في كل ما يتعلق بميزانية الاتحاد والتشريعات طويلة الأمد، حتى في الظروف الاستثنائية.
مستقبليًا، قد تضع هذه القضية حدودًا أكثر وضوحًا لاستخدام أدوات الطوارئ، وتدفع نحو تعزيز الشفافية والمساءلة، لا سيما مع تصاعد التحديات الأمنية في أوروبا.
إذا حكمت المحكمة لصالح البرلمان، فقد يُعاد هيكلة خطة SAFE بطريقة تشاركية، مما قد يؤخر تنفيذها ولكنه يعزز شرعيتها السياسية والمؤسساتية على المدى الطويل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107895
