اختر صفحة

الاتحاد الأوروبي ـ هل يمكن مواجهة التحديات المستقبلية ؟بقلم هيبة غربي

أبريل 23, 2021 | الإتحاد الأوروبي, دراسات, دفاع, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد هيبة غربي ـ باحثة في القضايا الدولية الراهنة

ماستر في العلوم السياسة قسم العلاقات الدولية/اختصاص الدراسات الأمنية والإستراتيجية ـ  جامعة قسنطينة 3 /الجزائر

لم يكن الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي هو الأزمة الوحيدة التي يُواجهها الاتحاد في الوقت الحالي، فقد انضافت له أزمة انتشار وباء كورونا، الذي استحالت معه بعض الدول الأوروبية إلى واحدة من أهم بؤر هذا الوباء، الذي راح ضحيته الملايين من البشر. ويتوقع المراقبون، أنّ العالم برمته مقبل على تغيير كبير بسبب تداعيات جائحة كورونا، وأنّ الاتحاد الأوروبي واحد من أهم التكتلات المرشحة لهذا التغيير. ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باتت صورة هذا الاخير الصامدة خلال عقود مهتزة، حيث تخرج هنا وهناك تحليلات تفيد باحتمال خروج دول أخرى منه، ما يضع المستقبل الأوروبي على المحك. فالعديد من المفكرين في الغرب باتوا يقدمون رسالة متشائمة حول واقع أوروبا ومستقبلها في ظلّ حالة تبادلية من السياسات التي ترسم علاقاتها والعلاقات التي تضع سياستها في القضايا كافة.  الاتحاد الاوروبي ـ اتفاقية اللجوء مع تركيا

التاريخ الرسمي لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي واهم الاسباب الدافعة الى ذلك

غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي رسمياً في 31 يناير 2020، ولكنها استمرت في التزام قواعده خلال الفترة الانتقالية التي انتهت في 31 ديسمبر2020. وبدءاً من الأول من يناير 2021، تكون الدولة مستقلة، للأفضل أو للأسوأ. وباسم مفهوم “بريطانيا العالمية”، تقول لندن إنها تريد تنشيط شراكتها مع بقية العالم، لاسيما مع الولايات المتحدة أقرب وأهم حليف لها، وفق “بوريس جونسون”.

 لكنّ هذا الاخير خسر ورقة رابحة مع هزيمة “دونالد ترامب” في الانتخابات الرئاسية الأميركية، الذي كان مؤيداً متحمساً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبذلك تصبح بريطانيا أول دولة تغادر الاتحاد  لتنهي بذلك علاقة استمرت 47 عاماً، في انفصال تاريخي سيحتفل به مناصروا البريكست فيما يثير مشاعر حزن لدى مؤيدي أوروبا، ويأتي هذا بعد أكثر من ثلاث سنوات من الانقسامات والتقلبات.

وقد صرح رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” في مقتطفات من الخطاب الذي القاه للأمة قبل ساعة من خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي وفقاً لتقرير do.com بعنوان بريطانيا تنفصل رسمياً عن الاتحاد الاوروبي بعد سنوات من الانقسام الصادر بـ 31/01/2020: “إنّها ليست نهاية، بل بداية، حان الوقت لتجديدٍ حقيقيّ ولتغيير وطنيّ”. وكان جونسون أبرز الشخصيات التي كانت وراء البريكست، والذي انتخب بغالبية كبرى في كانون الاول على أساس وعد بإنجاز هذه الخطوة،  والذي يرغب من خلالها الى “توحيد” البلاد من أجل التمكن من المضي قدماً.

يمكن تفسير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بطرح السؤال الآتي هل هو وباء العظمة الذي يدمر ولا يبني؟ أم أنّ الدولة كما يراها كثير من المحللين لم تعد عظمى، بل هي “تُحتضر” وقد هوت عن مكانتها ونزلت عن كرسي عظمتها لتصبح دولة عادية، فقراراتها وسياساتها ورؤيتها أصبحت كأي دولة نامية لم تعد ثابتة ولا هادفة. الهجرة عبر ليبيا ـ بقلم هيبة غربي

فمن أهم الأسباب التي يطرحها المعسكر المؤيد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ما يلي:

ـ الحد من السماح للمهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي بالدخول إلى البلاد والمتعلق بالدرجة الاولى بقضايا الهويّة والثقافة. فقد وصل عدد المهاجرين في بريطانيا إلى حوالي 870 الف مهاجر، وهو ما يشكل -بحسب رأيهم- عبئاً بقيمة تتجاوز 3.67 مليارات جنيه إسترليني.

ـ هاجس الإرهاب.

ـ الاعتقاد بأن مزايا التجارة الحرة أفضل بكثير من مزايا الاتحاد الاقتصادي، فالخروج سيمكن بريطانيا من إقامة علاقات اقتصادية مع كل الدول بما فيها الاتحاد الأوروبي والصين وأمريكا من دون خضوعها لقوانين الاتحاد.

ـ بريطانيا لا تريد أن تنسى ماضيها، فهي لا تزال متعلقة بذلك المجد الذي جعلها دولة عظمى رائدة العالم، فكانت تحكم العالم وبيدها زمام الأمور، هزمت كل الدول التي حاولت منافستها عسكريًا واقتصاديًا وعلمياً.

لماذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

الديمقراطية البريطانية تعدت سقف الديمقراطية الأوروبية، فالاتحاد الأوروبي لم يفلح في الحفاظ على جوهر الديمقراطية التي كان ينادي بها، التشريعات والقوانين التي وضعها تقوض السيادة الوطنية كونه لا يتمتع بالديمقراطية في اتخاذ القرار، وتضع قيوداً قانونية تسيطر فيها السلطة القضائية وخاصة فيما يخص حقوق الإنسان.

هذا ما جعل الديمقراطية البريطانية تتعدى الديمقراطية الأوروبية التي أصبحت شبه منعدمة وهي من ابرز الأسباب التي أدت ببريطانيا إلى خروجها من الاتحاد بعد 43 سنة من الانضمام. ويلتمس هذا الغياب أيضًا  حتى داخل الاتحاد الأوروبي في حد ذاته  وهذا ما لاحظناه في معاهدة ماستريخت التي عقدت سنة 1992 والتي مر توقيعها عبر البرلمان ولم تمر عبر الشعوب بمعنى كانت هناك إرادة سياسية وليس إرادة شعبية.

من المعلوم أنّ البريطانيين ترددوا منذ البداية في قبول “الفكرة الأوروبيّة” وظلوا قرابة 16 عامًا يدرسون فكرة الانضمام إلى المجموعة الاقتصاديّة الأوروبيّة، وهي النواة الأولى للاتحاد الأوروبي. كما بقيت الاتفاقيات المؤسسة للتكامل الأوروبي وأشهرها معاهدة “ماستريخت 1991” محل جدال بريطاني وكادت تطيح بحكومة “جون ميجور” سنة 1993. وكان التردد نحو أوروبا ظاهرة بريطانيّة؛ حيث لم تلغ الجنيه الإسترليني، ولم تنضم إلى اتفاقيّة الشنغن وغيرهما.

مصير الامن الاوروبي والمساعي الامنية الاوروبية الجديدة في ظل الانسحاب

تُهدد مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي بفجوة مالية هائلة تبلغ 12 مليار يورو، انطلاقاً من سنة 2021، ليزداد تعقيد المفاوضات بين الدول الـ27 المتبقية حول الميزانية طويلة الأمد المقبلة للاتحاد الأوروبي. اذ تمثل بريطانيا “مساهماً صافياً” في الميزانية الأوروبية، أي أنها تعطي أكثر مما تتلقى، ووفق حسابات المفوضية الأوروبية، سترتفع الخسارة من 12 مليار يورو سنة 2021 إلى 84 مليار يورو على امتداد سبعة سنوات. والحل الذي دعا إليه مفوض الميزانية “جونتر أوتينجر” هو زيادة مساهمة الدول الأعضاء من جهة، ومن جهة أخرى، تقليص الإنفاق على السياسات التقليدية للاتحاد (التماسك، والزراعة) للوصول إلى ميزانية “عصرية” تركز على أولويات جديدة (البيئة، الأمن، الهجرة، والدفاع).

ولقد كانت رئاسة “دونالد ترامب” بمثابة جرس إنذار للأوروبيين بأنّ حليفهم الأميركي لا يمكن الاعتماد عليه، بل يصعُب اعتبارُه حليفاً، بعدما بدأ يتعامل معهم كتعامله مع خصومه. وقد دفعتهم سياساته إلى التفكير بالاعتماد على أنفسهم، وعدم ربط مصالحهم الاقتصادية بالولايات المتحدة، بل فكروا بأبعد من ذلك، وهو اتباع سياسة أمنية ودفاعية مستقلة، خاصة وانّ الأمن الأوروبي مسؤولية أميركية حتى الآن، يضطلع بها حلف الناتو الذي تُشكل الولايات المتحدة عموده الفقري.

وهذا كان من خلال المساعي التالية:  

أولاً ـ التحالف الفرنسي الالماني

ثمة انسجام وتنسيق بين برلين وباريس في إدارة الاتحاد الأوروبي عززته الضرورة بعد خروج المملكة المتحدة من التكتل، ولا شك أنّ هناك بين الدولتين نقاط خلاف في بعض الملفات الداخلية والخارجية، ولكن القاعدة الأساسية التي لا يمكن الإخلال بها هي أنّ مصلحة الاتحاد يجب أن تأتي أولاً، لأن هذا التكتل يجب أن يستمر. فالتنسيق بين برلين وباريس كان واضحاً في عدة قضايا واجهت التكتل خلال العامين الماضي والحالي، وعلى رأسها التعامل مع الملف النووي الإيراني، وهو يتجدد اليوم في تلازم التحركات الخارجية للدولتين، فبعد كل زيارة خارجية لمسؤول فرنسي يظهر في المكان ألماني يؤكد على ذات الطرح، حدث ذلك في لبنان والعراق على الأقل.

ثانياً ـ  تكوين جيش جديد في اوروبا

جاءت دعوة “ايمانويل ماكرون” الصريحة بإنشاء “جيش أوروبي” موحد ومستقل عن حلف الأطلنطي   في نوفمبر من سنة 2018  ودعوة ماكرون بشأن وحدة الدفاع الأوروبي تكررت عبر رسالته للمرة الرابعة منذ تنصيبه رئيساً، الأولى كانت في السوربون سنة 2017 والثانية في ألمانيا مايو 2018 والثالثة أثناء لقائه “دونالد ترامب” بعدها بستة أشهر، والرابعة في رسالته التي حملت توجهاً عملياً حيث أقترح إبرام “معاهدة الدفاع والأمن الأوروبية” ومجلس الأمن الأوروبي بمشاركة بريطانيا في موازة حلف الأطلنطي الذي يتراجع دوره تدريجياً.

أما الميزانية الجديدة سنة 2021 توصى بزيادة حصص الدول من 1% إلى 1.2% من الناتج المحلى الإجمالي لتعويض الانسحاب البريطاني ولمواجهة تحديات الأمن والدفاع والهجرة للسبع سنوات قادمة، وهو الاتجاه المتفق عليه من فرنسا والمانيا وإسبانيا وتعارضه كلا من الدنمارك والسويد والنمسا.

إلّا انه لدى بريطانيا رغبة في التعاون الوثيق مع أوروبا في مجال الأمن، فهي تريد أن تتمتع بالوصول غير المقيد إلى المعلومات الأمنية الأوروبية المتوفرة للدول الأعضاء، لكن الاتحاد الأوروبي يحصر البيانات الأمنية بأعضائه، ويرى أن بريطانيا يجب أن تُعامل كدولة أجنبية، وليس صحيحا أن تقدم لها المعلومات الأمنية الأوروبية.

ثالثاً ـ  تجديد الاتفاق الامني بين أوروبا وحلف الناتو في ظل وصول جو بايدن الى الحكم

عرفت العلاقات بين الولايات المتحدة وحلف الناتو توتراً في ظل إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته “دونالد ترامب”، الذي طالب مراراً الأعضاء الأوروبيين بتنفيذ اتفاقية سنة 2014 عبر دعوتهم لرفع مساهمتهم في الموازنة الدفاعية المشتركة للحلف الأطلسي بمقدار 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وصف هذا الاخير الناتو بأنه “عفا عليه الزمن”. واليوم يأمل القادة الأوروبيون أن يدفع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض بإعادة بناء الشراكة ما بين واشنطن وحلفائها. لكن هل تشهد أولويات أمريكا تغييراً جذرياً في ظل إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن؟ … فقد صرح الأمين العام السابق لحلف الناتو، “أندرس فوغ راسموسن” وفقاً لتقرير arabic.euronews.com بعنوان الامين العام السابق للناتو: على الدول الاوروبية ان ترفع مساهمتها في الموازنة الدفاعية الصادر بتاريخ 20/01/2021: “يجب ألاّ نتوقع عودة الأمور إلى ما كانت عليه أيام باراك أوباما أو جورج بوش الابن أو بيل كلينتون، لقد تغيرت أشياء كثيرة، يجب أن لا يتوقع الأوروبيون حلاً لجميع المشاكل مع رئاسة جو بايدن. ما على أوروبا أن تقوم به، هو أن تفي بالتزاماتها من خلال إنفاق 2٪ من ميزانيتها على الدفاع، وسيدفع جو بايدن صوب هذا الاتجاه”.

صعود التيارارت اليمينية

إنّ الخطورة الحقيقية التى يمثلها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، تتمثل فى كونه أشبه بـ”العدوى”، التى ربما تنتقل من دولة إلى أخرى داخل القارة العجوز، فى ظل العديد من المعطيات، وعلى رأسها صعود التيارات اليمينية، والمعروفة بنزعتها الوطنية، وبالتالى عدم اعترافها بالسياسات “العابرة للحدود”، على اعتبار أنها تنتقص كثيرا من سيادة الدول، وهو الأمر الذى يمثل تهديداً صريحاً لبقاء أوروبا الموحدة، فى ظل تنافر مبادئها الليبرالية، مع توجهات الزعماء الجدد لدول القارة. ولعل انتخاب التيارات اليمينية للهيمنة على السلطة فى عدة بلدان أوروبية كان بمثابة مقدمة لثورة حقيقية للشعوب، عبر الصناديق الانتخابية، لإعلان التمرد على حكوماتهم، التى طالما تشدقت بالليبرالية، بسبب سياسات أوروبا الموحدة، وعلى رأسها سياسة “الحدود المفتوحة”.

الفشل الاوروبي في مواجهة جائجة كورونا

أظهرت أزمة جائحة كورونا، التي انتشرت بشكل كبير في دول القارة الأوروبية، ضعفاً في مبدأ “التضامن” الذي يشكل أساس الاتحاد الأوروبي، كما أظهرت مؤسسات الاتحاد عدم فعاليته، في حل هذه الأزمة الخطيرة، مرجحة المنافع القومية على مصالح الاتحاد. وتجلى ذلك في قيام دول الاتحاد الأوروبي بالتحرك منفردة دون تنسيق فيما بينها، فضلاً عن إغلاق حدودها، وبدء إجراءات التفتيش وتطبيق سياسات العزل، مما يشير إلى أنّ الروح التي جمعت دول الاتحاد والقائمة على التضامن في الصعيد الأول، قد انتهت في عموم دول الاتحاد.

وعلى خلفية “تباطؤ” دول الاتحاد في دعم دولة مثل إيطاليا ظهرت أربعة مشاهد ذات دلالات عميقة؛ الأول كان مشهد المدرعات والعربات الروسية التي تجوب شوارع إيطاليا حاملة على متنها مساعدات وأطقم طبية. والثاني يتعلق بمشهد الأطباء الكوبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا أيضاً والترحيب الهائل الذي قوبل به أطباء الدولة التي تفرض أميركا عليها حظراً منذ عقود، فيما تعلق الثالث بمشهد تقبيل الرئيس الصربي لعلم الصين اعترافاً منه بدعمها ومساندتها لبلاده وتجسد الرابع في مشهد إنزال مواطن إيطالي لعلم الاتحاد الأوروبي ورفع علم الصين بدلاً منه.

 وعليه فقد صرحت المشهد الأوروبي وزيرة الشؤون الأوروبية الفرنسية “أميلي دو مونشالان” وفقاً الى تقرير arb.majalla.com بعنوان عاصفة كورونا النظم السياسية داخل الحجر الصحي الصادر بتاريخ 12/04/2020 : “أن تعامل الاتحاد الأوروبي مع كورونا سيحدد مصداقيته” مضيفة: “إن كانت أوروبا مجرد سوق موحدة في أوقات الرخاء، فلا داعي لها، فلن يكون هناك انتعاش اقتصادي في ألمانيا وهولندا إذا كانت بقية أوروبا مريضة، “والأحزاب الشعبوية في أوروبا ستكون فقط الفائز الأكبر إذا أخفق قادة الاتحاد الأوروبي في العمل معاً في مجابهة أزمة صحية وإنسانية هائلة”.

انعدام أهم الشروط التي يقوم عليها النظام الإقليمي، وهو “التعامل مع العالم الخارجي كوحدة واحدة” وهو ما يفتقده الاتحاد الأوروبي من خلال انعدام وجود اقتراب أوروبي موحد للتعامل مع القضايا الكبرى لاسيما الصحية منها، نتيجة الاختلاف وتباين المصالح الأوروبية وتنامي الأنانية الوطنية بين الدول الأعضاء الذي يؤدي إلى اختلاف السياسات الوطنية إزاء مختلف الأحداث والقضايا الدولية ، ما جعل وسيجعل العمل على صياغة سياسة خارجية أوروبية موحدة فعالة قوية ومؤثرة، بعيدة التحقيق وهي تُشكل أبرز التحديات التي يُواجها هذا الاتحاد اليوم. وكعادته يبقى الاتحاد الأوروبي يتعامل مع القضايا الكبرى بموقفين لا بموقف واحد…ممّا سيكون له انعكاسات على روابطه وتماسكه ويجعله يدخل في حالة انهيار وهو كان ضعيفا أساساً.

وضع قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مستقبل نظريات التكامل والاندماج موضع تساءل، إذ كان الاتحاد الأوروبي يوصف حتى وقت قريب بالأكثر نجاحاً في العالم وذلك ببلوغ عملية التكامل الاقتصادي عنده مرحلة متقدمة ومتطورة جدا ساهمت في وصوله إلى الوحدة الاقتصادية، ومن ثم  دخوله في مرحلة الوحدة السياسية التي تعتبر الضامن الحقيقي لهذا التكامل، هذه الوحدة الاقتصادية التي يمكنها أن تتراجع أو تنهار من الأساس، إذا لم تتحقق الوحدة السياسية.

لقد وصفه الكثيرين بالاندماج الشامل والذي كان بـ مثابة القاعدة الأساسية للعديد من المنظرين الذين نظّروا للتكامل والاندماج وأسسوا عدة نظريات كانت كانطلاقة للعديد من التكتلات الإقليمية والتي اتسمت غالبيتها بالنجاح.إلا أنّ الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي جعل الكثير يشك في نجاعة هذه النظريات ويتساءل حول مصيرها خاصة وان عامل الانسحاب هو عرقلة للتكامل.

ان الشكوك والتساؤلات التي تراود الكثير من الباحثين تنطلق من مصطلح التكامل بالدرجة الأولى  لتشمل فيما بعد نظريات التكامل والاندماج .انطلاقاً من مصطلح التكامل في حد ذاته والذي يتقارب فيه  تعريف “ارنست هاس” مع تعريف “ليون ليندبرغ” للتكامل إذ يعتبره “العملية التي تجد الدول نفسها راغبة أو عاجزة عن إدارة شؤونها الداخلية الرئيسية باستقلالية عن بعضها البعض وتسعى بدلاً من ذلك لاتخاذ قرارات مشتركة في هذه الشؤون أو تفوض أمرها فيها لمؤسسة جديدة”.

هذا ما يفتقده النموذج الأوروبي عند اتخاذ قراراته سواء في القضايا الإقليمية (قضية كوسوفو/ قضية وضع الدستور الأوروبي،موقف الدول الأوروبية من تبعيته الأطلسية) أو القضايا الدولية (قضية العراق ـ قضية الشرق الأوسط). إنّ دراسة الاتحاد الأوروبي على أساس انه اكبر تجربة تكاملية ناجحة في العالم كونه القاعدة الأساسية التي انطلقت منه مختلف هذه النظريات والتي انطلقت منها مختلف التكتلات الإقليمية لم يٌطبق في مساره التكاملي العديد من المبادئ وهذا راجع لطبيعة الدول في حد ذاتها.

الإجابة على السؤال الذي طرحه “باري بوزان” عندما تحدث على “مركب الأمن الإقليمي المركزي” احد نماذج “مركب الأمن الإقليمي” موضحاً أنّ هذا النموذج يغلب عليه الطابع المؤسساتي الوظيفي ويكون أكثر اندماجاً مثل الاتحاد الأوروبي الذي اعتبره “بوزان” الأكثر تمثيلاً لهذا النموذج يٌعتبر اكبر مثال على ذلك.

لقد تساءل “باري بوزان” هل يمكن أن يتحول “مركب الأمن الإقليمي المركزي” إلى قوة عظمى كما تحولت الولايات المتحدة الأمريكية، والايطالية، فهل تتكرر مع الاتحاد الأوروبي…؟.

إنّ الإجابة عن هذا السؤال واضحة من خلال دراسة الاتحاد الأوروبي من الداخل لا من الخارج، الاتحاد الأوروبي يهدف إلى تحقيق القوة التجميعية ولا يهدف إلى تحقيق القوة التعاضدية من شاكلة 1+1=3 (ذوبان الهوية) التي عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيقها. والدليل على ذلك هو الانسحاب البريطاني، وبالتالي فان الاتحاد الأوروبي يبقى مجرد قوة صاعدة فقط واليوم هو مجهول المصير.هل يبقى الاتحاد الاوروبي متماسكا

الخاتمة

من خلال ما درست ، أجد، انه مهما وصلت التجارب التكاملية إلى أقصى درجة من الاندماج ومهما تحققت جميع الشروط، تبقى أنانية الدول وطٌغيان المصلحة الشخصية هي المحرك الأساسي في العلاقات الدولية. كلنا يعلم أنّ سلوكات الدول هي من سلوكات الأفراد والإنسان كما عبر عنه “طوماس هوبز” شرير بطبعه، يغلب عليه الطابع الأناني والمصلحي. هذا ما يجعل نظريات التكامل والاندماج محدودة في تفسير الواقع وموضع تساءل، ومنه فهي بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من مبادئها.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط نشر مختصر https://www.europarabct.com/?p=75056

الهوامش:

أثر الهجرة وخروج بريطانيا وكورونا على مصير الاتحاد الأوروبي

bit.ly/3tEi59v

خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي .. مستقبل رائع ام رصاصة في القدم؟

arbne.ws/3tEifh7

بريطانيا تنفصل رسميا عن الاتحاد الاوروبي بعد سنوات من الانقسام.

bit.ly/3sDZs4l

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

bit.ly/3dIhSMT

هل يصلح بايدن ما أفسده ترامب؟

bit.ly/3xg9HPN

رسالة ماكرون المهمة.. هل نحن أمام جيش أوروبي على الأبواب؟

bit.ly/3aABDUS

الطلاق العسير بين لندن وبروكسل

bit.ly/3tK94vH

الأمين العام السابق للناتو: على الدول الأوروبية أن ترفع مساهماتها في الموازنة الدفاعية المشتركة 

bit.ly/32FvgeE

عاصفة كورونا النظم السياسية داخل الحجر الصحي.

bit.ly/2QQBdCN

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...