خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
لماذا تغيب بروكسل عن طاولة التسويات الكبرى؟
يقول أبوستولوس ثوماداكيس هو زميل باحث، ورئيس وحدة الأسواق والمؤسسات المالية في مركز دراسات السياسات الأوروبية (CEPS)، ورئيس الأبحاث في معهد أسواق رأس المال الأوروبية (ECMI): “تُعدّ أحدث الاكتشافات حول مقترحات أوكرانيا لواشنطن دالةً؛ إذ تستعد كييف للتعهد بشراء أسلحة أمريكية بقيمة 100 مليار دولار، بتمويلٍ رئيسي من الاتحاد الأوروبي، مقابل ضمانات أمنية أمريكية بعد اتفاق السلام مع روسيا.
عرضت أوكرانيا شراكة لإنتاج طائرات بدون طيار بقيمة 50 مليار دولار مع شركات أمريكية. صُممت هذه المقترحات لجذب انتباه الرئيس ترامب التجاري، لكنها تكشف عن حقيقة مزعجة وهي أن أوروبا تدفع الفاتورة، بينما واشنطن تكتب السيناريو.
يتجلى نفس الخلل في التجارة، فقد أبرم الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اتفاقية تعريفات جمركية مع الولايات المتحدة، اعتبرها الكثيرون في أوروبا استسلامًا. ففي مواجهة خطر فرض تعريفات جمركية بنسبة 30%، قبلت بروكسل تعريفة جمركية بنسبة 15% على معظم السلع، وأبقت على تعريفات جمركية بنسبة 50% على الصلب والألومنيوم، وتعهدت بشراء واستثمار مئات المليارات من الغاز الأمريكي.
واشنطن تضع الشروط، وأوروبا تتحمل التكاليف
ربما حالت هذه النتيجة دون نشوب حرب تجارية فورية، لكنها رسّخت نمطًا قائمًا واشنطن تضع الشروط، وأوروبا تتحمل التكاليف. بالنظر إلى هذه التطورات، تُشير هذه المسارات إلى اتجاه خطير. ففي مجالي الأمن والتجارة، انحرف الاتحاد الأوروبي إلى دور الدافع والوسيط، مُقدّمًا ترتيبات تمويلية تخدم أولويات الولايات المتحدة، بينما تُقيد قدرته على التصرف باستقلالية.
تُخاطر أوروبا في أوكرانيا، بتقليص دورها إلى تمويل الأسلحة الأمريكية ودعم “صفقات” ترامب، بدلاً من تحديد شروط السلام والاستقرار في قارتها. في التجارة، قبلت أوروبا تنازلات غير متكافئة تُضعف نفوذها التفاوضي وتُشير إلى ضعفها. تُظهر مناقشات وقف إطلاق النار مدى تبعية أوروبا. في واشنطن، اضطر المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى مناشدة الرئيس الأمريكي ترامب تأمين وقف إطلاق نار مع روسيا، مُصوِّرًا موقف أوروبا على أنه موقفٌ تفاعليّ وتابع.
غياب الاتحاد الأوروبي عن الساحة الجيوسياسية
تُصرّ أوكرانيا من جانبها، على أن أي تسوية لا ينبغي أن ترتكز على تقديم تنازلات لموسكو. لكن سعي كييف إلى كسب ود واشنطن، بدلاً من بروكسل، للحصول على ضمانات أمنية، يكشف عن مدى غياب الاتحاد الأوروبي عن الساحة الجيوسياسية. على أوروبا كسر هذه الحلقة المفرغة. فبلعب دور الوسيط بين واشنطن وكييف، وبين واشنطن وموسكو، وبين واشنطن ودولها الأعضاء يتخلى الاتحاد الأوروبي عن دوره في تحديد النتائج ويقتصر على تحمل التكاليف.
كيف تبدو القيادة؟
ينبغي على أوروبا ألا تقتصر بعد الآن على تمويل استراتيجيات الآخرين، بل عليها أن تضع استراتيجياتها الخاصة. وهذا يعني تصميم إطار أمني أوروبي لأوكرانيا، يرتكز على التزامات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بدعم أمريكي دون هيمنة أمريكية. وهذا يعني اتباع سياسة تجارية من موقع قوة، ومقاومة الإكراه، وتنويع شراكات الطاقة والتكنولوجيا حتى لا تبقى أوروبا رهينة.
هذا يعني وحدة الهدف مبادرة دبلوماسية منسقة تؤطر وقف إطلاق النار وعملية السلام في إطار النظام الأمني الأوروبي نفسه، وليس التقويم الانتخابي الأميركي. لسنوات، دأب الاتحاد الأوروبي على الحديث عن تقليل اعتماده على الآخرين في أمنه، وهو ما يُطلق عليه صناع القرار “الاستقلال الاستراتيجي”. ويُظهر التحديان المتلازمان، المتمثلان في الحرب في أوكرانيا والإكراه الاقتصادي من الولايات المتحدة، ضرورةَ تحويل هذا الكلام إلى واقع.
السلام الدائم لا ينبغي أن يقوم على تنازلات مجانية لبوتين
تشير الوثيقة الأوكرانية نفسها إلى أن “السلام الدائم لا ينبغي أن يقوم على تنازلات وهبات مجانية لبوتين، بل على إطار أمني قوي يمنع أي عدوان مستقبلي”. يجب على أوروبا ضمان أن يكون هذا الإطار بقيادة أوروبية، وإلا فإنها تُخاطر بتمويل تسوية أمريكية تُضعف أمنها. تُقدّم اتفاقية التعريفات الجمركية درسًا موازيًا. فاتحادٌ لا يدافع عن مصالحه الاقتصادية سيُكافح للدفاع عن مصالحه الأمنية. ولن يُنصف التاريخ أوروبا إذا بقيت وسيطًا تدفع وتتفاعل بدلًا من أن تقود.
ليس على المحك سيادة أوكرانيا فحسب، بل مصداقية أوروبا كفاعل جيوسياسي. لقد حان الوقت ليتوقف الاتحاد الأوروبي عن تمويل استراتيجيات الآخرين، ويبدأ في صياغة استراتيجياته الخاصة.
النتائج
يعكس الوضع تحليلاً دقيقًا للتحولات الجيوسياسية الراهنة بين أوروبا والولايات المتحدة في ظل الحرب الأوكرانية، ويبرز مسألة “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” كضرورة ملحة لا كشعار نظري.
تُظهر التطورات أن أوروبا تجد نفسها باستمرار في موقع الطرف الممول دون تأثير حقيقي في صياغة القرارات، سواء على صعيد الأمن أو التجارة. وهذا الخلل البنيوي يُهدد مكانتها الدولية على المدى الطويل.
في المستقبل، إن لم يُترجم مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” إلى أطر مؤسسية وسياسية واضحة، فستظل أوروبا رهينة للضغوط الأمريكية ومجريات الانتخابات الأميركية. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التبعية في ملفات مثل الطاقة، التسليح، وحتى الدبلوماسية.
من المتوقع أن تنشأ ضغوط داخلية داخل الاتحاد الأوروبي تطالب بقيادة موحدة أكثر جرأة، خاصة من دول كفرنسا وألمانيا. كما قد يشهد الملف الأوكراني تحولات تدفع بروكسل إما للعب دور استباقي، أو البقاء في دور الوسيط الضعيف، وهو ما قد يُضعف موقفها عالميًا في أزمات قادمة، مثل تايوان أو الشرق الأوسط.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107793
