المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ كيف يعيد صياغة السياسات الأمنية في لبنان؟
يسعى الاتحاد الأوروبي نحو إعادة تعريف حضوره الأمني في لبنان مع اقتراب انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل”، وسط توجه أوروبي لتبني نموذج جديد يركز على دعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية بدلًا من مهام حفظ السلام التقليدية. وتكشف التحركات الأوروبية، بقيادة إيطاليا، عن مساعٍ لتأسيس إطار أمني أكثر مرونة يتناسب مع التوترات المتصاعدة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية والتحولات الإقليمية المتسارعة.
تموذج أمني أوروبي جديد في لبنان
يتجه الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة دوره الأمني في لبنان، مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة “اليونيفيل”، وسط توجه أوروبي نحو نموذج جديد يركز على دعم المؤسسات العسكرية اللبنانية بدلًا من مهام حفظ السلام التقليدية في جنوب البلاد. وتعمل روما على قيادة جهود أوروبية منسقة لتأسيس إطار أمني جديد يسمح بالحفاظ على وجود عسكري أوروبي في لبنان، لكن ضمن مهام تدريبية واستشارية تستهدف تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي.
بعثة أوروبية لتقديم مساعدة ملموسة للقوات المسلحة اللبنانية
تقول مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاجاك الاس، عقب اجتماع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إن “الأوروبيين على استعداد لتشكيل بعثة لتقديم مساعدة ملموسة للقوات المسلحة اللبنانية”، مؤكدة أن انتهاء ولاية “اليونيفيل” سيستدعي “مبادرة تكميلية” يجري بحث آليات تنفيذها بين الدول الأعضاء. وكشف مسؤول أوروبي أن الأعمال التحضيرية انطلقت بالفعل، حيث تستعد بعثة تقصي حقائق تابعة لجهاز العمل الخارجي الأوروبي لزيارة بيروت خلال العام 2026 لإجراء اتصالات أولية بشأن البعثة المقترحة. شدد مسؤولون أوروبيون على أن أي ترتيبات مستقبلية لن تمثل استبدالًا مباشرًا لقوة “اليونيفيل”. وقال مصدر دبلوماسي أوروبي إن “المهمة المقبلة ستكون مختلفة جذريًا”، فيما أكد مصدر أوروبي ثان أنه “لا توجد إرادة أو قدرة لدى الدول الأعضاء لاستبدال بعثة اليونيفيل”.
تنسيق ودعم للمؤسسات اللبنانية
وفقًا للمناقشات الجارية في بروكسل، سيركز الإطار الجديد على تدريب القوات المسلحة اللبنانية وتعزيز قدراتها العملياتية والأمنية، بهدف تمكينها من التعامل مع التحديات المرتبطة بحزب الله. تابعت كالاس: “كلما عززنا قوة القوات المسلحة اللبنانية، كلما أضعفنا حزب الله”. كما تتجه النقاشات نحو تشكيلات أكثر مرونة تشمل بعثات مراقبة وآليات تنسيق ودعم للمؤسسات اللبنانية، بدلًا من نشر قوات حفظ سلام واسعة النطاق قرب الحدود مع إسرائيل. أكد مصدر عسكري أوروبي أن “دور اليونيفيل، كما نعرفه، قد انتهى”، مرجحًا انتهاء المهمة مع نهاية ولايتها في ديسمبر 2026، ومشيرًا إلى صعوبة عودة قوات أوروبية إلى جنوب نهر الليطاني.
مرفق السلام الأوروبي يدعم النموذج الأمني
يدرس الاتحاد الأوروبي توظيف أدوات مثل السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة ومرفق السلام الأوروبي لدعم النموذج الأمني الجديد، خاصة بعد استخدام هذه الأدوات سابقًا في تقديم مساعدات وتدريب ودعم مالي للبنان. ومنذ تأسيسها عام 1978، ثم تعزيزها عقب حرب عام 2006 بموجب القرار 1701 الصادر عن الأمم المتحدة لعبت “اليونيفيل” دورًا رئيسيًا في حفظ الاستقرار على طول الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل. إلا أن تصاعد التوترات الأمنية وتبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله خلال عامي 2025 و2026، إلى جانب تعرض قوات الأمم المتحدة لحوادث أمنية متكررة، دفع العواصم الأوروبية إلى مناقشة سيناريوهات ما بعد انتهاء الولاية الحالية المتوقعة بنهاية عام 2026.
انتقادات إيطالية لقوات حفظ السلام
تقود إيطاليا، باعتبارها أكبر مساهم بقوات حفظ السلام في لبنان، الجهود المتعلقة بمستقبل الوجود الدولي هناك. وأكد وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو مرارًا أن القوات الإيطالية ستبقى في لبنان حتى بعد انتهاء مهمة الأمم المتحدة. كما انتقد ما وصفه بقصور إطار عمل الأمم المتحدة، معربًا عن قلقه من استمرار انتشار القوات الإيطالية في جنوب لبنان في ظل المخاطر المتزايدة. وكشفت تقارير أن كروسيتو بعث برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هدد فيها بسحب القوات الإيطالية إذا لم يتم تعديل قواعد الاشتباك الخاصة بالبعثة. كما ناقش الوزير الإيطالي مستقبل “اليونيفيل” مع وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيار لاكروا خلال اجتماع عقد في روما مطلع مايو 2026، بالتزامن مع طرح الملف خلال مباحثات جمعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
الإبقاء على حضور أممي محدود في لبنان
تشير الأمم المتحدة إلى احتمال الإبقاء على حضور أممي محدود في لبنان بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”. وقال لاكروا إن “شكلًا ما من الوجود الأممي قد يستمر” بعد انتهاء مهمة حفظ السلام، فيما أكد مسؤولون أمميون أن السلطات اللبنانية أبدت رغبة واضحة في استمرار وجود الأمم المتحدة، لكن بصيغة أصغر من القوة الحالية. وتواصل الأمانة العامة للأمم المتحدة دراسة خيارات تنفيذ القرار 1701 مستقبلًا، بما يشمل آليات المساعدة الأمنية ومراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار القوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني. وأكد متحدث باسم الأمم المتحدة أن الحسم النهائي بشأن مستقبل المهمة سيتم بحلول الأول من يونيو 2026، موضحًا أن القرار النهائي يعود إلى مجلس الأمن الدولي فيما يتعلق بآليات التنفيذ المستقبلية للقرار 1701 لعام 2006.
النتائج
– تشير التحركات الأوروبية الحالية إلى أن لبنان قد يدخل خلال السنوات المقبلة مرحلة جديدة من إدارة الملف الأمني الدولي، تقوم على تقليص الوجود العسكري الأممي التقليدي مقابل توسيع أدوار الدعم الاستخباراتي والتدريب العسكري والتنسيق الأمني.
– يعكس هذا التوجه قناعة أوروبية متزايدة بأن نموذج “اليونيفيل” بصيغته الحالية لم يعد قادرًا على التعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة في جنوب لبنان، خاصة مع تصاعد المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وحزب الله.
– من المتوقع أن يدفع الاتحاد الأوروبي نحو بناء شراكة أمنية طويلة المدى مع الجيش اللبناني، بهدف تعزيز قدرته على فرض الاستقرار جنوب نهر الليطاني وتقليص نفوذ الفاعلين غير الحكوميين. كما قد يشهد لبنان خلال المرحلة المقبلة زيادة في برامج التدريب العسكري والمساعدات التقنية واللوجستية الأوروبية، مع توظيف أدوات مثل “مرفق السلام الأوروبي” والسياسة الأمنية والدفاعية المشتركة لدعم المؤسسات اللبنانية.
– من المرجح أن يواجه هذا التحول تحديات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها موقف حزب الله من أي توسع أوروبي أمني، إضافة إلى احتمالات اعتراض بعض القوى اللبنانية على تحويل الدور الأوروبي من مراقبة محايدة إلى شراكة أمنية أكثر ارتباطًا بالجيش اللبناني.
– إن استمرار التوترات الحدودية قد يفرض ضغوطًا على الدول الأوروبية المشاركة، خاصة إذا تعرضت قواتها أو بعثاتها المستقبلية لمخاطر ميدانية مباشرة.
وعلى المستوى الإقليمي، قد يمثل التحول الأوروبي جزءًا من إعادة توزيع أوسع للأدوار الدولية في الشرق الأوسط، حيث تتجه القوى الغربية إلى نماذج تدخل أقل كلفة وأكثر اعتمادًا على دعم الجيوش المحلية، بدلًا من نشر قوات حفظ سلام تقليدية واسعة النطاق.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118394
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
