خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي واعتقال “مادورو”: تفاصيل الانقسام داخل التكتل وحدود الموقف المشترك
دعت أوروبا في الثالث من يناير 2026 إلى “ضبط النفس” واحترام القانون الدولي في فنزويلا، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القوات الأمريكية ألقت القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في هجوم واسع النطاق. كتبت كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، على منصة “إكس” عقب محادثة مع نظيرها الأمريكي ماركو روبيو: “أكد الاتحاد الأوروبي مرارًا أن مادورو يفتقر إلى الشرعية، ودافع عن انتقال سلمي في فنزويلا”. أضافت كالاس: “في جميع الظروف، يجب احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وندعو إلى ضبط النفس”.
فرنسا تدين العملية الأمريكية
تطابقت هذه التصريحات مع مواقف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، فيما شددت نائبة رئيسة المفوضية، تيريزا ريبيرا، على أن “العالم يحتاج إلى نظام قائم على القواعد”. مضت فرنسا خطوة أبعد، إذ أدان وزير خارجيتها العملية الأمريكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أكد وزير الخارجية جان نويل بارو: “إن مادورو انتهك بشكل جسيم حقوق الفنزويليين، إلا أن العملية العسكرية التي أفضت إلى اعتقاله تنتهك مبدأ عدم استخدام القوة، الذي يشكل أساس القانون الدولي”. أضاف ماكرون: “لا يمكن فرض أي حل سياسي دائم من الخارج”، محذرًا من أن “تزايد الانتهاكات” لهذا المبدأ من قبل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي “ستكون له عواقب خطيرة على الأمن العالمي، ولن يسلم منها أحد”.
عقد فريق الأزمات في الحكومة الألمانية
لم تذهب دول أخرى إلى هذا الحد، حيث عقد فريق الأزمات في الحكومة الألمانية اجتماعًا في وزارة الخارجية في الثالث من يناير 2026، وبعده اكتفت الوزارة بدعوة الألمان إلى البقاء في أماكن آمنة، وأشارت إلى أنها على “اتصال وثيق” بالسفارة في كراكاس. كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أكثر دعمًا للتحرك الأمريكي، إذ وصفته بأنه “مشروع”، رغم تأكيدها أن استخدام القوة العسكرية الخارجية لا ينبغي أن يكون وسيلة لتغيير الأنظمة. أكدت الزعيمة اليمينية المتطرفة، الحليفة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بيان: “تعتقد الحكومة أن العمل العسكري الخارجي ليس السبيل لإنهاء الأنظمة الشمولية، لكنها في الوقت نفسه تعتبر التدخل الدفاعي ضد الهجمات الهجينة التي تهدد أمنها أمرًا مشروعًا، كما في حالة الكيانات التي تغذي وتروّج لتهريب المخدرات”. دعت مدريد إلى “خفض التصعيد والاعتدال” بما يتماشى مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما عرضت إسبانيا التوسط من أجل “حل سلمي” في فنزويلا، مجددة تأكيدها أنها لا تعترف بنتائج انتخابات فنزويلا لعام 2024.
الاتحاد الأوروبي لا يعترف بنتائج الانتخابات في فنزويلا
لا يعترف الاتحاد الأوروبي بنتائج الانتخابات المتنازع عليها لعام 2024 التي منحت مادورو ولاية ثالثة، وفرض عقوبات على عشرات المسؤولين الفنزويليين بتهمة تقويض الديمقراطية في البلاد. غير أنه امتنع عن الاعتراف رسميًا بمرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوروتيا رئيسًا شرعيًا لفنزويلا، على عكس الولايات المتحدة. كان غونزاليس أوروتيا قد خاض الانتخابات كبديل في اللحظات الأخيرة لرمز المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي مُنعت من الترشح في انتخابات العام 2025، قبل أن يفر لاحقًا من فنزويلا إلى مدريد.
انقسام الكتل في البرلمان الأوروبي
أكد حزب المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين اليميني (ECR): “إن اعتقال مادورو قد يمهد الطريق لانتقال ديمقراطي، معتبرًا أن النظام السابق كان يفتقر إلى الشرعية”. أعرب الرئيس المشارك للحزب، باتريك ياكي، عن دعمه الكامل لإجراءات ترامب، واصفًا إياها بأنها “فرصة حقيقية لفنزويلا للعودة أخيرًا إلى الديمقراطية والنظام الدستوري”. أضاف الرئيس المشارك الآخر، نيكولا بروكاتشيني: “أن هذه اللحظة يجب أن تقود إلى انتقال ديمقراطي منظم، يعيد النظام الدستوري واحترام إرادة الشعب الفنزويلي”. إلا أن هذا الموقف لا يحظى بإجماع داخل الطيف السياسي الأوروبي.
انتقد حزب الخضر التدخل، معتبرًا أن الانخراط العسكري الأمريكي ينتهك القانون الدولي ويزيد من زعزعة استقرار المنطقة دون تفويض من الأمم المتحدة. أوضحت ماري أغنيس شتراك تسيمرمان، رئيسة لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي: “أن ترامب ينتهك القانون الدولي، وأن أفعاله تشكل تحذيرًا للدنمارك وغرينلاند مما قد يكون مستعدًا للقيام به إذا لم تُلبَّ مطالبه طوعًا”. أضافت ماري : “أنه رغم أن تحرر فنزويلا من حكم مادورو سيكون أمرًا إيجابيًا، فإن ذلك يجب أن ينبع من داخل البلاد، محذرة من أن إضفاء الشرعية على النهج الأمريكي من شأنه أن يدمر ما تبقى من مصداقية الغرب”.
النتائج
تعكس التطورات الأخيرة في فنزويلا وتصريحات الدول الأوروبية استقطابًا واضحًا في المواقف الدولية تجاه التدخل الأمريكي المباشر. دعت أوروبا، بقيادة كبار دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، إلى ضبط النفس واحترام القانون الدولي، مؤكدة أن أي تغييرات سياسية يجب أن تنبع من الداخل، وليس عبر استخدام القوة العسكرية من الخارج. فرنسا أخذت موقفًا أكثر صرامة، إذ أدان وزير خارجيتها العملية الأمريكية، معتبرًا أنها تنتهك مبدأ عدم استخدام القوة، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي. هذا الموقف يعكس حرص باريس على تعزيز الالتزام بالقواعد الدولية حتى في مواجهة أنظمة تُعتبر غير شرعية داخليًا.
أبدت دول مثل إيطاليا دعمًا محدودًا للتحرك الأمريكي، معتبرة التدخل مشروعًا ضمن ظروف محددة، وهو ما يبرز الانقسام الأوروبي في التعاطي مع القرارات الأمريكية. ألمانيا اتخذت موقف الحذر، مع التركيز على حماية المواطنين في فنزويلا، في حين سعت إسبانيا إلى الوساطة السلمية، مؤكدًة على دور القانون الدولي كأساس لأي تسوية. هذا التباين في المواقف يعكس صعوبة إيجاد سياسة أوروبية موحدة تجاه التدخلات العسكرية الأمريكية، وهو ما قد يؤثر على قدرة الاتحاد الأوروبي على فرض مقاربات جماعية مستقبليًا.
ظهر الانقسام السياسي على المستوى الداخلي للاتحاد الأوروبي، في البرلمان، حيث دعم حزب المحافظين والإصلاحيين الإجراءات الأمريكية، معتبرًا اعتقال مادورو فرصة للانتقال الديمقراطي، بينما انتقد حزب الخضر الانخراط العسكري، محذرًا من تقويض مصداقية الغرب وزيادة زعزعة استقرار المنطقة. هذا التباين السياسي يشير إلى أن أي موقف موحد للاتحاد الأوروبي سيظل صعب التحقيق، خصوصًا في سياق تدخلات أحادية الجانب من الولايات المتحدة.
من المتوقع أن تؤدي هذه الأحداث إلى تعزيز النقاشات حول دور القانون الدولي وآليات فرضه، خصوصًا فيما يتعلق بالتدخلات العسكرية في دول ذات أنظمة شمولية أو منازعات انتخابية. كما قد يزداد التركيز على الوساطات الدبلوماسية الأوروبية كأداة لحفظ الاستقرار وتقليل الاعتماد على التدخلات العسكرية الأجنبية. في المقابل، فإن التصعيد المستمر أو تكرار استخدام القوة من قبل قوى خارجية قد يفاقم الانقسامات الأوروبية ويضعف قدرة الاتحاد على تقديم موقف موحد، مما يزيد من أهمية تعزيز الآليات الداخلية لمراقبة الالتزام بالقانون الدولي وحماية السيادة الوطنية.
تظهر هذه الأزمة أن التوازن بين احترام القانون الدولي وحماية الحقوق الديمقراطية للمعارضة الداخلية يمثل تحديًا مستمرًا، وأن نجاح السياسات الأوروبية مستقبليًا سيكون مرتبطًا بقدرتها على التوفيق بين هذه المعايير دون الانحياز إلى القوى الخارجية أو المساهمة في زعزعة الاستقرار الإقليمي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113137
