خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ “درع حماية الديمقراطية”، المهام والأهداف
أطلق الاتحاد الأوروبي ما سماه “درع حماية الديمقراطية” لمواجهة التضليل والتدخل الخارجي. ويتضمن هذا المشروع مركزًا مخصصًا للتحقق من الحقائق ودعم وسائل الإعلام، إلا أن خبراء يشككون في جدوى الإجراءات، خاصة أنها تبقى طوعية إلى حد كبير. حيث يخطط الاتحاد الأوروبي للحد من التدخلات الأجنبية وكبح انتشار التضليل على الإنترنت. لكن الإجراءات التي كُشف عنها خلال نوفمبر 2025 لن تكون كافية على الأرجح، وفقًا لخبراء يرون أنها تعتمد بشكل كبير على الالتزام الطوعي.
يشمل “درع الديمقراطية” الذي أطلقته المفوضية الأوروبية إنشاء مركز جديد لتعزيز “المرونة الديمقراطية” إضافة إلى تمويل مخصص لجهات تحقق مستقلة بجميع لغات الاتحاد الأوروبي. يقول المفوض الأوروبي مايكل ماكغراث: “التضليل والتلاعب بالخوارزميات والضغوط المالية على وسائل الإعلام وأدوات الذكاء الاصطناعي تهدد نمط حياتنا الديمقراطي”. أضاف ماكغراث: “الأنظمة السلطوية تستخدم تكتيكات هجينة، تهاجم البنى التحتية، وتُسيس ملف الهجرة، وتُحرف المعلومات، وتستعين بشبكات إجرامية وتتدخل في عملياتنا الانتخابية”.
ما هو “درع حماية الديمقراطية”؟
يرتكز المشروع إلى تعزيز إجراءات قائمة وتحسين التنسيق. فالمسؤولون الأوروبيون يخططون لوضع بروتوكول جديد للتعامل مع “الحوادث والأزمات” بالتعاون مع شركات التكنولوجيا، بما يسمح لحكومات دول الاتحاد بالتحرك بشكل أسرع في حال حدوث حملات تضليل واسعة. كما وعدت المفوضية بزيادة دعم وسائل الإعلام المحلية والمستقلة، والنظر في تحديث قواعد الإعلان بما يدعم استدامة قطاع الإعلام. لكن أبرز خطوة هي إطلاق مركز مكافحة التضليل، الذي من المفترض أن يبدأ عمله خلال نوفمبر 2025، بحسب مسؤول أوروبي. وسيقدم هذا المركز دعمًا للدول الأعضاء في مواجهة التهديدات و”التحرك الاستباقي” وتنسيق إجراءات الرد.
دول مرشحة للانضمام مرحّب بها
رحّبت بروكسل بمشاركة الدول المرشحة لعضوية الاتحاد، مثل أوكرانيا والجبل الأسود وألبانيا. يقول ماكغراث: “إن التهديدات ستزداد كلما اقتربت هذه الدول من عضوية الاتحاد. وشهدت مولدوفا، المرشحة لعضوية الاتحاد، تدخلات كبيرة خلال الانتخابات خلال العام 2025، من بينها عمليات كشفتها الصحافة تشير إلى أن بنوكًا روسية قدمت أموالًا لمواطنين مقابل نشر منشورات مناهضة للحكومة”، ونفت موسكو تلك الاتهامات.
هل ستنجح خطط الاتحاد الأوروبي؟
يبقى الانضمام لمركز مكافحة التضليل اختياريا، وهو ما يعكس رغبة المفوضية بعدم الاصطدام بالحكومات الوطنية. تؤكد الباحثة لويزه كفاريتش من مركز جاك ديلورز: “إن الدول الأعضاء لا تريد من المفوضية الأوروبية أن تتدخل في مجالات تعتبرها سيادية”. وترى كفاريتش: “أن الخطط مليئة بالأفكار الجيدة، لكنها تحذر من محدودية فعالية النهج الحالي، لأن كشف الأخبار المضللة بعد انتشارها على نطاق واسع يكون غالبًا عديم الجدوى: “فالناس يكونون قد رأوها بالفعل، ولن يغيّر كشفها الكثير”.
قلق من واشنطن؟
شددت المفوضية على أن المشروع لن يمس حرية التعبير. ويبدو أن الرسالة موجهة إلى الولايات المتحدة، إذ تهاجم إدارة ترامب اللوائح الرقمية الأوروبية. في خلال العام 2025، انتقد نائب الرئيس جي دي فانس قواعد الاتحاد خلال خطاب في باريس، محذرا من أن واشنطن “لن تقبل” بتشديد الضغط على شركات التكنولوجيا الأمريكية. ولا تفرض الإجراءات الجديدة التزامات قانونية إضافية على شركات التكنولوجيا الكبرى، لكنها تدعو المنصات مثل فيسبوك وتيك توك وغوغل، المنضمة طوعًا إلى المدونة الأوروبية لمكافحة التضليل، إلى تعاون أكثر فعالية مع الحكومات.
منصة X خارج الإجماع
برزت منصة X، تويتر سابقا، مجددًا إلى الواجهة بعد انسحابها عام 2023 من جميع المبادرات الأوروبية الطوعية عقب استحواذ إيلون ماسك عليها. ونفت المفوضية اتهامات بتأجيل نتائج تحقيقات حول انتهاكات محتملة للقانون الأوروبي من قبل X بهدف الحفاظ على علاقات هادئة مع إدارة ترامب: “نطبق القواعد باستمرار”، تقول المسؤولة فيركونن، مؤكدة قرب انتهاء بعض التحقيقات. منظمة “مراسلون بلا حدود” كانت من أبرز الداعمين لتشديد الإجراءات. أوضح مديرها تيبو بروتان: “حان الوقت لاستعادة السيطرة على الفضاء الرقمي وضمان أن تكون خوارزميات المنصات وأدوات الذكاء الاصطناعي مصممة بما يحافظ على الضمانات الديمقراطية من خلال تعزيز المصادر الموثوقة”.
النتائج
يمكن القول إن المشروع يمثل خطوة مهمة تعكس إدراك بروكسل المتزايد لخطورة التضليل والتدخلات الخارجية، خاصة مع اقتراب موجات انتخابية عدة داخل القارة واتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملات الرقمية. غير أن المبادرة، رغم أهميتها الرمزية والمؤسسية، لا تزال تواجه عيوبًا بنيوية تتعلق بطبيعة الالتزامات، وحدود تدخل المفوضية، وتعقيدات البيئة السياسية داخل الاتحاد.
تتمثل أول نقاط القوة في محاولة بناء بنية تنسيقية أكثر احترافية، عبر إنشاء مركز متخصص لمكافحة التضليل يوفر دعمًا للدول الأعضاء، ويسهم في تعزيز جمع المعلومات وتحليلها والرد عليها. كما يعد توسيع دائرة المشاركة لتشمل الدول المرشحة لعضوية الاتحاد تحولًا نوعيًا يعكس رغبة أوروبية في حماية المجال السياسي المشترك قبل لحظة الانضمام، في ظل ما شهدته مولدوفا وأوكرانيا من تدخلات أجنبية كثيفة خلال عام 2025.
يسعى الاتحاد إلى دعم المؤسسات الإعلامية المستقلة، وهو بعد أساسي لتحصين المجال العام الأوروبي من اختراقات الجهات الخارجية. لكن نقاط الضعف لا تقل وضوحًا. فكون المشاركة في المركز الجديد اختيارية يضعف من قدرة الاتحاد على صياغة جبهة موحدة، خاصة أن بعض الحكومات الأوروبية تتحسس من أي توسع في سلطات المفوضية داخل المساحات التي تعتبرها سيادية.
إن اعتماد المشروع على الالتزام الطوعي يترك ثغرات كبيرة، خصوصًا في التعامل مع منصات لا ترغب في التعاون، مثل منصة X التي تبدي تحديًا مستمرًا للمدونات والقواعد الأوروبية منذ استحواذ إيلون ماسك عليها. إضافة إلى ذلك، يُعد كشف الأخبار المضللة بعد انتشارها، كما يشير الخبراء، مسارًا محدود الجدوى في عصر تنتشر فيه المعلومات بسرعة فائقة ويتراجع فيه تأثير التصحيحات اللاحقة.
سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه خلال الأعوام المقبلة أمام ضرورة الانتقال من نماذج التعاون الطوعي إلى أطر أكثر إلزامًا، سواء عبر تشديد تطبيق قانون الخدمات الرقمية أو إدخال تعديلات تشريعية أكثر صرامة في مجال الشفافية الخوارزمية والذكاء الاصطناعي. كما سيزداد الضغط على بروكسل من جانب واشنطن، خاصة في ظل مقاربة إدارة ترامب المتشككة في مبادرات الاتحاد الرقابية، ما قد يجعل ملف التضليل جزءًا من التوتر عبر الأطلسي.
من المحتمل أن تواصل الجهات الفاعلة الأجنبية استغلال الانقسامات الداخلية الأوروبية، مستفيدة من فجوات التنسيق بين الدول الأعضاء. في المحصلة، يوفر “درع حماية الديمقراطية” بنية أولية لبناء قدرة أوروبية جماعية على مواجهة التضليل، لكنه لن ينجح بشكل حاسم ما لم يتحول إلى إطار متماسك يوازن بين حماية الحريات وفرض التزامات واضحة على المنصات الرقمية، ويعالج في الوقت نفسه التباينات السياسية داخل الاتحاد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111751
