المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ توسيع النفوذ في جنوب شرق آسيا، الفرص والتحديات
ترى دول جنوب شرق آسيا بشكل متزايد الاتحاد الأوروبي كتحوط موثوق به ضد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، لكن المحللين يقولون إن بروكسل ستحتاج إلى مشاركة سياسية أقوى لتحويل حسن النية المتزايد إلى نفوذ استراتيجي حقيقي. أظهر مسح إقليمي نُشر في ابريل من العام 2026 أن مكانة أوروبا في جنوب شرق آسيا قد تحسنت خلال العام 2025. فللعام السادس على التوالي، برز الاتحاد الأوروبي باعتباره “الطرف الثالث” المفضل في المنطقة للتحوط ضد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وفقا لأحدث استطلاع لحالة جنوب شرق آسيا، وهو استطلاع سنوي ينشره معهد ISEAS-Yusof Ishak. قال نحو 37.7% من المشاركين في الاستطلاع، بزيادة عن 36.3% في العام 2025، إن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الاستراتيجي المفضل والموثوق به لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
الاتحاد الأوروبي عامل رئيسي لأجندة التجارة الحرة العالمية
ووجد الاستطلاع كذلك أن 19.2% من المشاركين يرون الاتحاد الأوروبي باعتباره العامل الرئيسي لأجندة التجارة الحرة العالمية، متقدما على الولايات المتحدة، وإن كان لا يزال متأخرا عن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والصين. بحسب الاستطلاع، أعرب 55.9% من المشاركين عن ثقتهم بالاتحاد الأوروبي في “اتخاذ القرار الصائب” للمساهمة في السلام والأمن والازدهار والحوكمة العالمية، مقارنة بـ 51.9% في العام الماضي. وفي الفترة نفسها، انخفضت نسبة عدم الثقة من 27.8% إلى 22.3%. يعد الاتحاد الأوروبي ثالث أكبر شريك تجاري لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، بعد الولايات المتحدة والصين، وثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في التكتل.
الاتحاد الأوروبي “شريك يمكن التنبؤ به”
أوضحت ميليندا مارتينوس، الباحثة الرئيسية في معهد دراسات جنوب شرق آسيا وأحد مؤلفي الاستطلاع أن النتائج تُظهر أن ثقة دول جنوب شرق آسيا في الاتحاد الأوروبي “تتزايد ولكنها لا تزال محدودة، وترتكز بشكل أكبر على جاذبيته المعيارية أكثر من ثقله الاستراتيجي”. لدى الاتحاد الأوروبي بالفعل اتفاقيات تجارة حرة سارية المفعول مع سنغافورة وفيتنام، وقد اختتم المفاوضات العام 2025 بشأن اتفاقية تجارية رئيسية مع إندونيسيا، أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا. وتسعى بروكسل كذلك إلى وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقيات مع الفلبين وماليزيا وتايلاند، وتعتبر الصفقات الثنائية بمثابة لبنات بناء نحو اتفاقية تجارية إقليمية في نهاية المطاف مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). توضح مارتينوس إن ارتفاع مستوى الثقة وانخفاض مستوى عدم الثقة يشيران إلى أن الاتحاد الأوروبي يحظى بتقدير متزايد كشريك يمكن التنبؤ به وسط حالة عدم اليقين بشأن القيادة الأمريكية، مضيفة أن “ارتباطه القوي بالقانون الدولي والتعددية والريادة في مجال المناخ يعزز صورته كفاعل مستقر وغير قسري”. وتابعت: “ومع ذلك، فإن الشكوك المستمرة حول الوحدة الداخلية للاتحاد الأوروبي وقدرته على التصرف بحزم على الساحة العالمية تشير إلى وجود فجوة بين سمعته وتأثيره على أرض الواقع”.
تعد إندونيسيا استثناء بارزا. فقد أظهر الاستطلاع أنها الدولة الوحيدة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي تجاوز فيها انعدام الثقة بالاتحاد الأوروبي الثقة به خلال العام 2025. ومع ذلك، لا تزال إندونيسيا من بين الدول الإقليمية الأكثر ميلا إلى اعتبار الاتحاد الأوروبي وسيلة تحوط مفيدة ضد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث اختار 40.7% من المستطلعين الإندونيسيين التكتل كشريك استراتيجي مفضل لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) من طرف ثالث.
الولايات المتحدة، الصين، أم لا شيء مما سبق؟
يقول المحللون إن ما كان يُنظر إليه في جنوب شرق آسيا في السابق على أنه شراكة اقتصادية أو معيارية في المقام الأول، بات يكتسب طابعا استراتيجيا. ولا يعود هذا التحول إلى تحول الاتحاد الأوروبي فجأة إلى قوة عسكرية، بل إلى بحث المنطقة عن شركاء موثوق بهم في ظل تراجع الثقة بالقيادة الأمريكية واستمرار المخاوف بشأن تنامي نفوذ الصين. وأوضح هانتر مارستون، وهو زميل غير مقيم في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن الاستطلاع نفسه حدد أهم مخاوف المستجيبين الجيوسياسية وهي القيادة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي إن سياسته الخارجية الأحادية وغير المتوقعة “لم توضح إلا أكثر للاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا أنه ينبغي عليهم تنويع العلاقات والقيام بذلك بسرعة”. هذا المنطق له وجهان. فدول جنوب شرق آسيا تريد المزيد من الخيارات في ظل تزايد تقلبات واشنطن وتزايد أهمية الصين الاقتصادية التي باتت حتمية.
بالنسبة لأوروبا، أصبحت منطقة جنوب شرق آسيا أكثر أهمية أيضا كجزء من جهد أوسع لتنويع سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد على الصين، وإظهار أن الاتحاد الأوروبي لا يزال لاعبا مهما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. “لا يواجه الاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) تحديات متطابقة فحسب، بل يشتركان أيضا في مصلحة تعزيز القانون الدولي والتعددية”، كما قال ألفريد جيرستل، الخبير في العلاقات الدولية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأضاف: “باعتبارهما أقوى منظمتين إقليميتين في العالم، فإن لديهما حافزا قويا للتعاون بشكل أوثق للدفاع عن النظام القائم على القواعد”. ومع ذلك، لم يكن استطلاع معهد دراسات جنوب شرق آسيا (ISEAS) إيجابيا تماما بالنسبة لبروكسل. احتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثالثة فقط كبطل محتمل للتجارة الحرة العالمية، بعد رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والصين، كما احتل المرتبة الثالثة في الحفاظ على النظام العالمي القائم على القواعد، بعد رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والولايات المتحدة.
أمام بروكسل عمل يتعين القيام به
واجه الاتحاد الأوروبي خلال العام 2025 ومطلع العام 2026 انتقادات لعدم إرساله مسؤولين كبارا إلى اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الرئيسية. أشار كريس همفري، المدير التنفيذي لمجلس الأعمال بين الاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، إلى غياب الاتحاد الأوروبي عن اجتماع وزراء الشؤون الرقمية في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في فيتنام في يناير، والذي حضره ممثلون كبار من واشنطن وبكين وموسكو. تابع همفري في مارس 2025: “نحن لا نحضر الاجتماعات الوزارية عندما يحضر الآخرون، وهذا الأمر يُلاحظ ويُعلق عليه”، مضيفا أنه في حين أن دولا مثل الصين ترسل مندوبين إلى جميع اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا تقريبا، “فإن أوروبا ببساطة غير مهتمة”. يوضح همفري إنه على الرغم من أن العلاقات التجارية قد تطورت بشكل جيد في السنوات الأخيرة، إلا أن هناك العديد من المجالات الأخرى التي ينبغي على الكتلتين العمل فيها بشكل أوثق، لا سيما في ظل البيئة الجيوسياسية المضطربة. وأشار إلى دعم الاتحاد الأوروبي لشبكة الطاقة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وانتقال الطاقة كإحدى طرق تعميق التعاون، فضلا عن المشاركة الأوثق على المستويات العليا في القضايا الرقمية.
يرى همفري: “الخبر السار هو أن بروكسل تبدو مهتمة أكثر، ونحن نأمل أن يكون هناك المزيد من المشاركة على مستوى المفوضين في اجتماعات الآسيان في العام 2026”. سيأتي اختبار أكثر أهمية في العام المقبل، عندما تحتفل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والاتحاد الأوروبي بالذكرى الخمسين لعلاقاتهما. يمثل هذا الإنجاز فرصة واضحة لبروكسل لإظهار أن طموحاتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي أكثر من مجرد كلام. “تحتاج أوروبا حقا إلى بذل المزيد من الجهد وإظهار أنها تأخذ العلاقة على محمل الجد، وتريد تعميقها، والعمل مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في مجالات الاهتمام المشترك، والتي يوجد منها الكثير”، كما قال همفري.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وجنوب شرق آسيا تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا لكنها أيضا أكثر أهمية استراتيجيا في السنوات المقبلة. فارتفاع مستوى الثقة بالاتحاد الأوروبي داخل دول آسيان يعكس تحولا تدريجيا في إدراكه من شريك اقتصادي تقليدي إلى فاعل سياسي يمكن الاعتماد عليه في ظل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.
من المتوقع أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى ترجمة هذا الزخم الإيجابي إلى نفوذ ملموس عبر توسيع اتفاقيات التجارة الحرة وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتحول الرقمي وسلاسل الإمداد. غير أن هذا التقدم سيبقى مشروطا بقدرة بروكسل على تجاوز إحدى أبرز نقاط ضعفها، وهي بطء اتخاذ القرار وتفاوت المواقف بين الدول الأعضاء، إضافة إلى محدودية الحضور السياسي المباشر في المحافل الإقليمية لآسيان.
ستواصل دول جنوب شرق آسيا اتباع نهج “التحوط الاستراتيجي”، بحيث لا تنحاز بشكل كامل لأي من القوى الكبرى، بل تسعى إلى تعظيم مكاسبها من جميع الأطراف. وهذا يعني أن دور الاتحاد الأوروبي سيبقى مهما لكنه غير مهيمن، ما لم يتم تعزيز المشاركة السياسية والدبلوماسية على مستوى أعلى.
قد يشكل العام 2026 للعلاقات بين الجانبين محطة اختبار حاسمة لمدى جدية الاتحاد الأوروبي في تحويل حضوره إلى تأثير فعلي. فإذا نجحت بروكسل في تعزيز حضورها السياسي وتقديم نفسها كطرف موثوق ومستقر، فقد تتحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية أعمق وأكثر توازنا.
أما إذا استمرت الفجوة بين الصورة الإيجابية والتأثير العملي، فقد يبقى الاتحاد الأوروبي شريكا “مفضلا نظريا” دون نفوذ حقيقي يتناسب مع حجم التوقعات المتزايدة في المنطقة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117059
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
