الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الاتحاد الأوروبي ـ تداعيات “خرق الاتفاقيات” من قبل واشنطن على الاستراتيجية الأوروبية الجديدة

Europe
فبراير 23, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI وحدة الدراسات والتقارير “30”

الاتحاد الأوروبي ـ تداعيات “خرق الاتفاقيات” من قبل واشنطن على الاستراتيجية الأوروبية الجديدة

تجد القارة الأوروبية نفسها اليوم أمام اختبار بنيوي غير مسبوق في تاريخ علاقاتها التجارية مع القوة العظمى عبر الأطلسي. ففي الوقت الذي كان يسعى فيه التكتل الأوروبي لترسيخ دعائم الاستقرار الاقتصادي بعد سلسلة من الأزمات العالمية، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفة جمركية عالمية بنسبة 15% ليشكل صدمة عنيفة للمؤسسات في بروكسل. هذا التحول الدراماتيكي، الذي أعقب حكم المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء رسوم سابقة، لم يكن مجرد تعديل في الأرقام الجمركية، بل كان بمثابة إعلان عن “انعدام اليقين” الاستراتيجي الذي بات يحكم العقلية السياسية في واشنطن.

تقف اليوم “اتفاقية تيرنبيري” الشهيرة، التي صيغت كطوق نجاة للصادرات البينية الصيف الماضي، في مهب رياح السيادة الحمائية الأمريكية، مما دفع الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي لمطالبة واشنطن بـ “وضوح كامل” يتجاوز الوعود الشفهية إلى الالتزامات القانونية الموثقة، في ظل قناعة أوروبية متزايدة بأن الوضع الراهن بات يشكل عائقاً جوهرياً أمام تحقيق تجارة عادلة ومتبادلة المنفعة.

أزمة الثقة ودعوات المفوضية الأوروبية لـ “الوضوح الكامل”

لم يكن البيان الصادر عن المفوضية الأوروبية مجرد رد فعل دبلوماسي تقليدي، بل كان بياناً “شديد اللهجة” يعكس حجم الاحتقان داخل الغرف المغلقة في بروكسل. إذ تعكس مطالبة المفوضية بـ “توضيح كامل” للخطوات الأمريكية المقبلة أزمة ثقة عميقة؛ فالاتحاد الأوروبي لم يعد يحتمل ما يصفه محللوه بـ “الفوضى الجمركية” التي باتت تسم نهج الإدارة الأمريكية الحالية. وقد أدى الفشل في الوصول إلى أرضية مشتركة عقب حكم المحكمة العليا بشأن “قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية” إلى نقل الخلاف من مستواه التقني إلى مستواه الوجودي.

كشفت المحادثات الرفيعة المستوى التي أجراها مفوض التجارة ماروش شيفكوفيتش مع الممثل التجاري الأمريكي جاميسون جرير ووزير التجارة هوارد لوتنيك، عن فجوة هائلة في الرؤى؛ حيث تحاول بروكسل التمسك بـ “روح اتفاق اسكتلندا”، بينما تبدو واشنطن ماضية في توظيف التجارة كأداة للضغط السياسي الداخلي والخارجي. هذا التباين جعل التساؤل حول مدى سريان الاتفاقيات السابقة تساؤلاً مشروعاً وضرورياً لحماية الأسواق الأوروبية من تقلبات مفاجئة قد تطيح بسلاسل الإمداد وتزعزع استقرار الاستثمارات عبر الأطلسي، وهو ما تراه بروكسل تهديداً مباشراً لمبدأ التبادلية الذي بُنيت عليه الشراكة الغربية لعقود.

البرلمان الأوروبي ومقامرة “تعليق التصديق” على اتفاقية تيرنبيري

في موازاة التحرك التنفيذي للمفوضية، برز حراك تشريعي مكثف داخل البرلمان الأوروبي تقوده لجنة التجارة الدولية. وتجسد دعوة بيرند لانج، الشخصية المحورية في رسم السياسة التجارية الأوروبية، إلى تأجيل التصويت على التشريع المنفذ لالتزامات التكتل، نقطة تحول جوهرية في استراتيجية التعامل مع واشنطن. لانج، المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، لم يكتفِ بوصف الإجراءات الأمريكية بـ “الفوضوية”، بل اعتبر أن رفع الرسوم إلى 15% بعد الهزيمة القضائية لترامب هو “خرق فاضح للعهد” وتجاوز للأساس القانوني الذي قامت عليه تفاهمات الصيف الماضي.

هذا الموقف البرلماني يعكس رغبة “استراتيجية” في استخدام سلاح “تجميد التشريع” كأداة ضغط مضادة؛ فالاتحاد الأوروبي يرفض أن يكون الطرف الوحيد الملتزم بإلغاء الرسوم على السلع الصناعية الأمريكية -بما في ذلك ملف جراد البحر المثير للجدل-، بينما تضرب واشنطن بعرض الحائط مبدأ الوفاء بالالتزامات الدولية. وتبعث التهديدات بإعادة التفاوض على الاتفاقية برمتها رسالة واضحة للإدارة الأمريكية: “أوروبا لم تعد تقبل بالصفقات التي تُنتزع تحت وطأة التهديد الجمركي”، مما يفتح الباب أمام مرحلة من “الندية القاسية” في المفاوضات التجارية المقبلة.

التداعيات القانونية والجيوسياسية للاستناد إلى “المادة 122”

يعد لجوء الإدارة الأمريكية إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 منعطفاً قانونياً يثير القلق في كافة العواصم الأوروبية. هذه المادة، التي صُممت لمعالجة “عجز ميزان المدفوعات” في حالات الطوارئ القصوى، تُستخدم الآن كغطاء قانوني للالتفاف على أحكام المحكمة العليا الأمريكية. الخطورة هنا لا تكمن فقط في مدة الـ 150 يوماً التي يمنحها القانون للرئيس، بل في أثرها التمييزي؛ فبينما قد تجد دول كبرى مثل الصين والهند منافذ لتخفيف العبء الجمركي، يُتوقع أن يرتفع العبء الفعلي على الصادرات الأوروبية بنسبة 0.8 نقطة مئوية، ليصل إلى معدل فعلي قدره 12.5%.

هذا التمييز السلبي، كما أشارت النائبة آنا كافاتزيني من حزب الخضر، ينزع الشرعية الأخلاقية والقانونية عن التحركات الأمريكية. وتعزز القناعة الأوروبية بأن هذه التعريفات “غير قانونية” بموجب القانون الدولي والقانون الأمريكي نفسه، التوجه نحو “التصلب الاستراتيجي”. الاتحاد الأوروبي يدرك أن القبول بهذه الممارسات تحت ذريعة “الطوارئ الاقتصادية” سيفتح الباب أمام سوابق قضائية تتيح لواشنطن التلاعب بقواعد التجارة العالمية في أي وقت، مما يقوض النظام القائم على القواعد ويحول التجارة الدولية إلى ساحة لـ “قانون الغاب” الاقتصادي.

نحو عقيدة تجارية أوروبية جديدة: من التبعية إلى الاستقلال

لا يعد ما يحدث اليوم مجرد “خلاف فني” حول نسب مئوية جمركية، بل هو إعادة صياغة للعلاقة البينية بين القطبين الغربيين. وقد دفع الفشل الأمريكي في الحفاظ على استقرار الاتفاقيات الموقعة الأجهزة الأوروبية إلى تبني مفهوم “السيادة الاستراتيجية” بشكل أكثر حدة. لم يعد المشرعون في بروكسل يثقون في “الضمانات” الأمريكية التقليدية؛ فالفوضى العارمة التي وصفتها منشورات بيرند لانج على موقع (X) تعكس واقعاً سياسياً جديداً حيث لم يعد أحد يفهم قواعد اللعبة.

هذا الواقع يفرض على الاتحاد الأوروبي البدء في صياغة “عقيدة تجارية دفاعية” تتضمن تدابير استباقية وسيناريوهات بديلة لإعادة التفاوض من مركز قوة. النتيجة الحتمية لهذه الأزمة هي ضرورة التخلي عن الرهان على “ثبات الالتزامات” الأمريكية، والتحضير لمواجهة اقتصادية طويلة الأمد قد تتضمن إجراءات انتقامية نوعية. ويضع البرلمان الأوروبي، بإصراره على الحصول على “التزامات واضحة وتقييم قانوني مناسب”، حجر الأساس لمرحلة جديدة يكون فيها “الوضوح” هو العملة الوحيدة المقبولة للاستمرار في أي شراكة مستقبلية.

النتائج 

– تفاقم الانقسام التجاري وتصلب المواقف: تتصاعد حدة الخلافات داخل الأروقة التشريعية الأوروبية حول جدوى المضي قدماً في التصديق على “اتفاقية تيرنبيري”، ما يزيد الضغوط على المفوضية الأوروبية لاتخاذ موقف أكثر راديكالية تجاه التعريفات الجمركية الأمريكية. ومن المتوقع أن تسعى بروكسل، تحت وطأة هذا الضغط، لتقريب وجهات نظر الدول الأعضاء المتضررة (خاصة ألمانيا وفرنسا) لضمان جبهة موحدة صلبة ضد “السياسة الأحادية” لواشنطن، مما قد يؤدي إلى تجميد طويل الأمد لأي تعاون جمركي جديد.

– ارتباط الملفات السياسية بالاقتصاد وتحول ميزان القوى: تترقب الأسواق العالمية بحذر نتائج الاجتماعات الاستثنائية للبرلمان الأوروبي؛ حيث يمثل تعليق العمل التشريعي فرصة حقيقية للاتحاد الأوروبي لاستعادة التوازن في ميزان القوى التفاوضي. إن بروكسل تدرك أن استمرار “حالة عدم اليقين” يخدم الأطراف الدولية المنافسة (مثل الصين وروسيا) التي تسعى لاستغلال ثغرات التوتر في المعسكر الغربي، مما قد يدفع الاتحاد الأوروبي لتعجيل بناء تحالفات تجارية بديلة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية المطلقة.

– إعادة صياغة استراتيجية الردع الاقتصادي الأوروبي: من المحتمل أن يصبح “التقييم القانوني” للتحركات الأمريكية ملفاً شائكاً يتجاوز المسائل الفنية إلى قلب الصراع الاستراتيجي. تفرض معطيات “الحرب التجارية” الوشيكة على القارة العجوز الاتجاه نحو تبني “ردود فعل متكافئة وحازمة” لضمان حماية قطاعاتها الصناعية الحيوية. هذا التحول يعني الانتقال من “سياسة التهدئة” والدبلوماسية الهادئة التي فشلت في كبح جماح واشنطن، إلى استراتيجية “الردع الاقتصادي المتبادل” التي تجعل من خرق الاتفاقيات مغامرة مكلفة للإدارة الأمريكية.

– تآكل الثقة البينية ونهاية عصر الاستثناء الأوروبي: من المرجح أن تظهر مخاوف جدية وعميقة بشأن تماسك “النظام التجاري العالمي” القائم على القواعد، في ظل التوجه الأمريكي الصارخ لاستخدام قوانين الطوارئ المحلية كأداة للضغط الاقتصادي العالمي. هذا النهج يمثل إشارة واضحة لنهاية عصر “الاستثناء الأوروبي” في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث باتت واشنطن تعامل حلفاءها في بروكسل كخصوم تجاريين. هذا التطور سيؤدي حتماً إلى تآكل الثقة المتبادلة بين الحلفاء التقليديين والاتجاه نحو صراعات جمركية وقانونية مديدة، تعيد رسم خارطة النفوذ الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين.

رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=115402

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...