خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ تحول استراتيجي في مواجهة أسطول الظل الروسي
يستعد الاتحاد الأوروبي لتوجيه ضربة إلى “أسطول الظل” الروسي وتقليص إيرادات موسكو من الحرب عبر تطبيق قانون البحار الدولي القائم بصورة أكثر صرامة، وفقًا لمسودة إعلان يجري التفاوض عليها بين دول الاتحاد. تقوم العواصم الأوروبية بصياغة تفسير مشترك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يمنح السلطات الوطنية حرية أكبر في الصعود إلى السفن المشتبه في تهديدها للكابلات والأنابيب تحت البحر. خلال العام 2025، كشفت سلسلة من حوادث التخريب تحت سطح البحر، التي يُرجّح تورط سفن مرتبطة بـ”أسطول الظل” الروسي فيها، مدى صعوبة قدرة أوروبا على ملاحقة المشتبه بهم قضائيًا. تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية للدول الساحلية في صعود السفن وتفتيشها واحتجاز طواقمها. إذ يشير المركز الأوروبي للسياسات إلى أن سفن “أسطول الظل””غالبًا ما تستخدم “هويات مزوّرة، وعمليات تفتيش بالحد الأدنى، والتنقل السريع بين أعلام دول متساهلة”. هذا يجعل من الصعب على السلطات الأوروبية تحديد جنسية السفينة وبالتالي التحقق مما إذا كانت جزءًا من الأسطول الروسي السري.
أسطول الظل الروسي يشكل خطرًا خاصًا
تذكر دول الاتحاد أن السفن التي تُبحر دون جنسية “تشكل خطرًا خاصًا”. كما تؤكد حقها في الصعود إلى السفن في أعالي البحار أو في مياهها الوطنية عندما “توجد أسباب معقولة للاشتباه في أن السفينة بلا جنسية” وهو ما يمنحها فعليًا الضوء الأخضر للصعود إلى السفن التي يُعتقد أنها تبحر دون علم أو بعلم مزوّر. اصطفّت 14 دولة أوروبية خلال نوفمبر 2025 خلف الرأي القائل بأن السفن عديمة الجنسية تشمل “تلك التي تدّعي زورًا حمل علم دولة ما”، وهو ما يُشتبه بانتشاره بين العديد من سفن أسطول الظل. وتؤكد هذه الدول بأن مثل هذه السفن لا تمتلك حق حرية الملاحة. وعلى الرغم من أن الإعلان يبدو للوهلة الأولى مجرد إعادة تأكيد لأحكام المعاهدة القائمة، فإنه في الواقع يوضح التفسير الأوروبي الخاص وبصياغة غير معتادة في وضوحها.
المزيد من الإجراءات لحماية البنية التحتية الحيوية
تحذّر دول الاتحاد روسيا في إشارة علنية غير مسبوقة، بأنها مستعدة لاتخاذ مزيد من الإجراءات لحماية البنية التحتية الحيوية تحت البحر. يُعاد تسليط الضوء مؤخرًا على “أسطول الظل” الروسي، ما يزيد المخاوف لدى حكومات الاتحاد الأوروبي. فعلى الرغم من خضوع موسكو لعقوبة أوروبية تقيد تجارتها النفطية بسقف سعري محدد، فإنها تواصل شحن النفط عالميًا على سفن مسجلة تحت أعلام أخرى أو بدون علم للالتفاف على القيود وتمويل مجهودها الحربي. يستهدف أحدث حزم العقوبات الأوروبية 117 ناقلة نفط ضمن “أسطول الظل” الروسي، بينما تشير التقديرات إلى أن حجم الأسطول يتراوح بين 600 و1400 سفينة. اقترحت الدائرة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي إدراج أي سفن تُكتشف حديثًا ضمن الأسطول تلقائيًا على قائمة العقوبات الأوروبية، لتجنب التأخير الناتج عن انتظار حزمة عقوبات جديدة.
قواعد جديدة
تقول دول الاتحاد إنها مستعدة لتعديل القوانين الوطنية لحماية خطوط الأنابيب والكابلات والبنية التحتية الأخرى بشكل أفضل. وستتعهد أيضًا بـ”تكثيف الجهود” لضمان امتثال جميع السفن لمتطلبات الإبلاغ بما في ذلك الكشف الكامل عن المعلومات التعريفية. وقد عززت بعض الدول، مثل الدنمارك، إجراءاتها الرقابية بالفعل ضد “أسطول الظل”.على المستوى الدولي، تدفع دول الاتحاد نحو وضع قواعد جديدة لحماية البنية التحتية الحيوية تحت البحر. ويتحدثون عن إطلاق “مبادرة واسعة لتطوير أدوات لمعالجة التهديدات”، على أن يجري تطويرها مثلًا في الأمم المتحدة أو المنظمة البحرية الدولية. ووفق التقديرات، فإن الهدف هو اعتماد الوثيقة خلال اجتماع سفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 15 ديسمبر 2025. إلا أن النص لا يزال بحاجة إلى مزيد من العمل، إذ تبدي كل من البرتغال واليونان تحفظات بشأن عدة بنود، بحسب ما ورد في مقدمة الوثيقة.
النتائج
يُظهر تحرك الاتحاد الأوروبي لإعادة تفسير قانون البحار بخصوص “أسطول الظل””الروسي أن القارة تدخل مرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة مع موسكو، تقوم على استخدام أدوات القانون الدولي والرقابة البحرية بدلًا من القوة العسكرية المباشرة. فبعد سنوات من التردد في التعامل مع الأنشطة الروسية تحت البحر، يبدو أن الاتحاد بات مقتنعًا بأن تهديد البنية التحتية الحيوية في أعماق البحار من أنابيب الغاز إلى كابلات الإنترنت أصبح جزءًا من استراتيجية الضغط الروسية، ما يتطلب ردًا منسقًا وأكثر حزمًا.
يمثل “أسطول الظل” تحديًا خاصًا للاتحاد، إذ يُعدّ أداة مزدوجة الاستخدام: فهو يُستخدم أولًا لتجاوز العقوبات النفطية، وثانيًا لتنفيذ عمليات غامضة تُنسب إلى روسيا دون قدرة فورية على إثبات المسؤولية. ومن خلال تصنيف السفن التي تستخدم أعلامًا مزوّرة على أنها “عديمة الجنسية”، يمنح الاتحاد نفسه صلاحيات أوسع للصعود والتفتيش، وهو تغيير جوهري في قواعد اللعبة البحرية، إذ ينقل الاتحاد من وضعية الدفاع إلى وضعية الضبط الاستباقي.
هذا التوجه يحمل بعدًا سياسيًا عميقًا: فهو رسالة مباشرة إلى موسكو بأن اللعب في “المنطقة الرمادية” تحت البحر لن يبقى بلا رد. كما يشير إلى إدراك أوروبي بأن حماية البنية التحتية البحرية باتت قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن حماية الأراضي. ويعكس أيضًا رغبة أوروبية في تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في هذا المجال، خاصة مع تراجع الانخراط الأمريكي في بعض الملفات البحرية الدقيقة.
إلا أن التحديات أمام الاتحاد لا تزال كبيرة. فعدد سفن “أسطول الظل” يُقدّر بين 600 و1400 سفينة، ما يجعل مراقبتها جميعًا مهمة شبه مستحيلة من دون تعاون دولي واسع. كما أن دولًا مثل اليونان والبرتغال ذات الأساطيل التجارية الضخمة لا تزال متحفظة على بعض البنود، وهو ما قد يعطل التوصل إلى إطار قانوني موحد. بالإضافة إلى ذلك، فإن تبني تفسيرات موسعة لقانون البحار قد يفتح بابًا لاعتراضات من دول خارج الاتحاد، وربما يؤدي إلى توتر قانوني في المنظمات البحرية الدولية.
على المدى المتوسط، من المتوقع أن يشهد الاتحاد الأوروبي انتقالًا من نهج رد الفعل إلى نهج السياسات الوقائية، عبر رفع مستوى الإنفاذ البحري، وفرض عقوبات تلقائية، وتطوير قواعد جديدة في الأمم المتحدة. كما سيزداد التنسيق بين أجهزة الاستخبارات البحرية الأوروبية، خصوصًا بعد تصاعد المخاوف من عمليات التخريب العميقة. أما المستقبَل الأبعد، فيتمثل في أن التنافس البحري بين روسيا وأوروبا سيصبح جزءًا ثابتًا من المشهد الأمني، يشبه إلى حد كبير سباقات التجسس تحت البحار خلال الحرب الباردة، لكن مع أدوات أكثر تعقيدًا وانتشارًا. وإذا نجحت أوروبا في الحفاظ على وحدة الموقف وهو تحدٍ كبير فقد تتحول إلى طرف قادر على تشكيل قواعد جديدة للبحار بدلًا من مجرد تطبيقها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112686

