خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ “تأشيرات شنغن”، أداة في الحرب الباردة الجديدة بين بروكسل وموسكو
تزعم المفوضية الأوروبية أن حرب أوكرانيا المستمرة منذ عام 2022 قد غيّرت طبيعة المخاطر الأمنية والسياسية المرتبطة بطالبي التأشيرات من المواطنين الروس، الأمر الذي دفعها إلى تشديد سياساتها تجاه منح تأشيرات شنغن متعددة الدخول. وأعلنت المفوضية الأوروبية عن تطبيق قواعد جديدة أكثر صرامة، تقضي بمنح حاملي جوازات السفر الروسية المقيمين داخل روسيا تأشيرات زيارة لدخول واحد فقط بدلًا من التأشيرات المتعددة التي كانت تمنح في السابق.
نهج أوروبي جديد في التعامل مع روسيا
أوضح ماركوس لاميرت، المتحدث باسم المفوضية الأوروبية: “أن هذه القواعد الجديدة تهدف إلى تعزيز الرقابة وتقييد حركة الدخول والخروج المتكررة للروس إلى أراضي الاتحاد الأوروبي”، مضيفًا: أن الإجراءات تأتي استجابةً لتغير البيئة الأمنية بعد التهديد الروسي لأوكرانيا”. تابع لاميرت: “إن إصدار التأشيرات المتعددة سيكون محدودًا للغاية، مع بقاء بعض الاستثناءات التي تشمل فئات محددة مثل أفراد أسر مواطني الاتحاد الأوروبي أو الروس المقيمين في دوله”. وأشار المتحدث إلى أن القرار لا يستهدف الأفراد العاديين بقدر ما يهدف إلى حماية أمن الاتحاد الأوروبي من أي مخاطر محتملة، خصوصًا مع تصاعد التوترات بين بروكسل وموسكو. وأكد أن هذه الخطوة ليست إجراءً مؤقتًا، بل جزء من نهج أوروبي جديد في التعامل مع روسيا بعد الحرب.
الحالات الاستثنائية
تشمل القواعد الجديدة التي أعلنتها المفوضية الأوروبية عددًا من الاستثناءات المحدودة، التي تستهدف في المقام الأول الحفاظ على الروابط العائلية بين المواطنين الروس المقيمين في الاتحاد الأوروبي وأقاربهم داخل روسيا. ووفقًا للمتحدث باسم المفوضية، فإن أفراد الأسرة المقربين لمواطني الاتحاد الأوروبي أو الروس المقيمين في دوله يمكنهم الحصول على تأشيرات دخول متعددة صالحة لمدة تصل إلى عام واحد، وذلك لتسهيل الزيارات العائلية والالتزامات الشخصية. كما تنص القواعد على أن العاملين في قطاع النقل، من سائقي الشاحنات أو موظفي الطيران والنقل البحري، يمكنهم التمتع بتأشيرات دخول متعددة تمتد لتسعة أشهر، بهدف ضمان استمرارية حركة السلع والتجارة والخدمات بين روسيا وأوروبا رغم التوترات السياسية.
أوضحت المفوضية في حالات استثنائية، أن الدول الأعضاء يمكنها منح تأشيرات متعددة الدخول لفئات معينة من الروس، مثل المنشقين السياسيين والصحفيين المستقلين والمدافعين عن حقوق الإنسان وممثلي منظمات المجتمع المدني، شريطة التأكد من نزاهتهم ومصداقيتهم. أكدت المفوضية أن هذه القواعد ليست بأثر رجعي، أي أنها لن تشمل الطلبات السابقة، بل ستُطبّق فقط على الطلبات الجديدة المقدمة بعد دخول القرار حيز التنفيذ، في محاولة لتحقيق توازن بين الأمن الأوروبي والقيم الإنسانية.
القيود السابقة
كانت أوروبا قد شددت بالفعل قواعد التأشيرة للمسافرين الروس منذ حرب أوكرانيا منذ العام 2022، في خطوة عكست تحولًا جذريًا في سياسات التنقل والعلاقات المدنية بين الجانبين. فقد أوقف الاتحاد الأوروبي بالكامل اتفاقية تسهيل الحصول على التأشيرات التي كانت سارية مع روسيا منذ سنوات، والتي كانت تمنح المواطنين الروس امتيازات في الإجراءات والتكاليف والمواعيد. وبموجب الإلغاء، أصبحت عملية الحصول على تأشيرة شنغن أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، إذ ارتفعت الرسوم المقررة وزادت مدة الانتظار، كما تطلبت الطلبات مستندات إضافية وإجراءات تحقق أمنية مشددة.
أكدت المفوضية الأوروبية في بيانها أن وثائق السفر الروسية الصادرة في المناطق التي تحتلها روسيا في أوكرانيا لن تُقبل لدخول منطقة شنغن، معتبرة أن هذه الجوازات تُعدّ غير شرعية لأنها تصدر عن سلطات لا تعترف بها أوروبا رسميًا. وبذلك، حُرم آلاف السكان في مناطق دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا من إمكانية التنقل بحرية إلى دول الاتحاد الأوروبي، ما زاد من عزلة تلك المناطق عن الفضاء الأوروبي. من جهة أخرى، اتخذت بعض الدول الأوروبية مواقف أكثر تشددًا من موقف بروكسل. إذ ذهبت دول البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا إلى أبعد من ذلك، فأغلقت حدودها فعليًا أمام أغلب المواطنين الروس، باستثناء الحالات الإنسانية أو الطارئة، في إطار سياسة الردع والضغط على موسكو.
تُظهر البيانات الصادرة عن المفوضية الأوروبية لعام 2024 أن عدد الطلبات الروسية للحصول على تأشيرات إقامة قصيرة تجاوز 600 ألف طلب، مقابل نحو 520 ألفًا في عام 2023، أي بزيادة ملحوظة رغم القيود، فيما بلغ معدل الرفض 7.5%. وتدل هذه الأرقام على أن الرغبة في السفر إلى أوروبا ما زالت قائمة لدى الروس، لكنها تصطدم الآن بجدارٍ من البيروقراطية والسياسة، يعكس التوتر العميق الذي بات يطبع العلاقة بين موسكو والعواصم الأوروبية.
النتائج
تعكس خطوة الاتحاد الأوروبي بتشديد منح تأشيرات شنغن لحاملي الجوازات الروسية مرحلة جديدة من “الحرب الباردة الدبلوماسية” بين بروكسل وموسكو، إذ تمثل التأشيرات أداة ضغط سياسية أكثر من كونها مجرد إجراء إداري. فالاتحاد يسعى من خلال هذا القرار إلى تضييق دائرة التواصل الشعبي والاقتصادي مع روسيا، في مسعى لتقويض التأثيرات غير الرسمية التي قد تمارسها موسكو عبر السفر أو الهجرة أو النشاطات الاقتصادية العابرة للحدود.
يُظهر القرار الأوروبي تراجعًا تدريجيًا في الثقة تجاه المواطنين الروس المقيمين في الداخل، مع الفصل الرمزي بين “روسيا الرسمية” و”الروس الأفراد”، إذ يفتح الباب أمام فئات محدودة مثل الصحفيين والمنشقين والمدافعين عن الحقوق في محاولة لتشجيع الأصوات المعارضة للنظام الروسي مع الحفاظ على الطابع الإنساني في السياسة الأوروبية.
سيؤدي هذا القرار إلى انخفاض عدد التأشيرات الممنوحة بشكل ملحوظ، وإلى ضغط متزايد على الروس الذين يعتمدون على السفر الدوري إلى أوروبا لأسباب مهنية أو عائلية. كما سيؤثر اقتصاديًا في قطاعات السياحة والتعليم والبحث العلمي، التي كانت تمثل مجالات تواصل بين الجانبين رغم التوتر السياسي.
يُكرّس هذا الاتجاه ما يشبه الستار الجديد الذي يفصل الاتحاد الأوروبي عن فضائه الشرقي. ومع ذلك، يبقى هذا التشدد جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى عزل روسيا سياسيًا ونفسيًا، ودفع الطبقة الوسطى الروسية إلى الشعور بعبء الحرب، بما قد يخلق ضغطًا داخليًا على الكرملين.
قد تلجأ موسكو إلى إجراءات انتقامية مماثلة أو إلى توظيف هذه السياسات في خطابها الدعائي لتأكيد مزاعم “التمييز ضد الروس”، وهو ما قد يُعمّق من الانقسام بين الشعوب ويُضعف فرص أي تقارب مستقبلي. بوجه عام، يمثل القرار الأوروبي فصلًا جديدًا في استراتيجية “الاحتواء الناعم” ضد روسيا، تستخدم فيه أدوات السفر والهجرة كوسائل ضغط دبلوماسي، ما يشير إلى أن ساحة الصراع بين الجانبين باتت تتسع لتشمل حتى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111482
