خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي ـ أسطول الظل الروسي، تحدٍ متجدد لمنظومة العقوبات الأوروبية
يُكثّف الاتحاد الأوروبي حملته على السفن التابعة للأسطول الروسي غير الرسمي، في خطوة تهدف إلى تعزيز فعالية العقوبات الغربية ومنع التهرب من القيود المفروضة على صادرات النفط الروسية. وفي المستقبل، سيواجه المسؤولون عن هذه السفن عقوبات شخصية صارمة، تشمل تجميد الأصول وحظر السفر والتعامل المالي داخل الاتحاد الأوروبي، بما يعكس تصميم الاتحاد على محاسبة كل من يساهم في الالتفاف على العقوبات.
يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الشركات والأفراد الذين يستخدمون أسطولًا غير رسمي من ناقلات النفط لنقل الخام والمنتجات البترولية الروسية بطرق غير قانونية. صرّح ممثل الاتحاد الأوروبي في 15 ديسمبر 2025، على هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد، أن هذه الإجراءات تستهدف 9 أشخاص محددين يُعرفون باسم “داعمي الأسطول غير الرسمي”. وتربط هؤلاء الأفراد صلات وثيقة بشركتي النفط الروسيتين روسنفت ولوك أويل، إضافة إلى شركات شحن تمتلك وتدير ناقلات النفط، ما يجعلهم محور شبكة التهرب من العقوبات البحرية. تأتي هذه الخطوة ضمن جهود الاتحاد الأوروبي المستمرة لتعقب ومحاسبة كل الجهات التي تسهم في الالتفاف على العقوبات وتهديد استقرار الأسواق الأوروبية.
ما هي حجم العقوبات الأوروبية؟
يرتبط عدد من رجال الأعمال المعنيين بعقوبات الاتحاد الأوروبي بشكل وثيق بشركتي النفط الروسيتين، روسنفت ولوك أويل، إضافة إلى شركات شحن تمتلك وتدير ناقلات نفط تُستخدم في نقل النفط الروسي بطرق غير قانونية، حيث ستستهدف الإجراءات العقابية الشركات التي تتخذ من فيتنام وروسيا مقرات لها. أوضح ممثل الاتحاد الأوروبي أن هذه الحزمة تشمل 14 فردًا ومنظمة إضافية، جميعهم مشمولون بعقوبات الاتحاد الأوروبي ضمن إطار مكافحة التهديدات الهجينة، وهو ما يعكس جهود الاتحاد المستمرة لتعقب جميع الأنشطة المرتبطة بالالتفاف على العقوبات وتهديد استقرار الأسواق الأوروبية.
من بين الأفراد الذين شملتهم العقوبات، تاجر النفط الكندي الباكستاني مرتضى لاخاني، رئيس شركة التجارة “ميركانتايل آند ماريتيم”، والذي تتهمه الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي بتسهيل عمليات تسليم وتصدير النفط الروسي، وخصوصًا نفط شركة روسنفت الحكومية الروسية، من خلال شبكة شركاته. تعد هذه الإجراءات خطوة مهمة ضمن جهود الاتحاد الأوروبي لمحاسبة كل من يسهم في الالتفاف على العقوبات وتهديد أمن الطاقة الأوروبي.
سفن قديمة وأساليب متنوعة
استخدمت موسكو لسنوات ما يُعرف بـ”الأسطول الخفي” كأداة للالتفاف على سقف سعر النفط الروسي الذي فرضه الداعمون الغربيون لأوكرانيا. يعتمد هذا الأسلوب على استخدام سفن قديمة وتقنيات متعددة لإخفاء مصدر الشحنات النفطية. ففي بعض الحالات، يتم تعطيل أو التلاعب بجهاز الإرسال والاستقبال الخاص بنظام تحديد هوية السفن الآلي (AIS) عبر الأقمار الصناعية، مما يجعل تتبع السفن أمراً صعباً للغاية. في أحيان أخرى، يتم نقل النفط بشكل متواصل بين ناقلات النفط في أعالي البحار، ما يزيد من تعقيد رصد هذه العمليات ويتيح لموسكو التهرب من القيود المفروضة على صادراتها النفطية.
صرّح غونتر كريشباوم، وزير الدولة الذي حضر اجتماع الاتحاد الأوروبي في بروكسل ممثلًا عن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، بأن التهديد الذي يشكله الأسطول الخفي واضح وجليّ، ويستدعي اتخاذ إجراءات إضافية صارمة لمواجهته. أضاف كريشباوم أن مراقبة هذه السفن والتحقق من نشاطاتها يتطلب تنسيقًا دوليًا مكثفًا لضمان فعالية العقوبات وحماية الأسواق العالمية من التلاعب الروسي. وأكد أن هذه الخطوة تمثل جزءًا من جهود الاتحاد الأوروبي الشاملة لمكافحة الالتفاف على العقوبات وتهديد أمن الطاقة.
تجار النفط تحت المجهر
يُسيطر تاجر النفط الكندي الباكستاني مرتضى لاخاني على مجموعة من السفن التي تنقل النفط الخام والمنتجات البترولية من روسيا، ويتبع ما وصفه الاتحاد الأوروبي بـ”ممارسات شحن غير نظامية وعالية المخاطر”. أدرج الاتحاد الأوروبي كذلك اسم واليري كيلديجاروف، المدير المالي لشركة ليتاسكو الشرق الأوسط ذات المسؤولية المحدودة، وهي شركة تجارية تابعة لشركة لوك أويل الروسية، بالإضافة إلى 3 أفراد آخرين لهم صلة بشركة كورال إنرجي التجارية، التي أعيدت لاحقًا تسميتها إلى مجموعة تو ريفرز.
يُقدّر عدد سفن ما يُعرف بـ”الأسطول الخفي” التابع لروسيا بنحو 550 سفينة، غالبًا ما تكون ناقلات نفط قديمة يقوم مالكوها ببيعها وإعادة تسجيلها تحت أعلام دول تتجاوز العقوبات الغربية، ما يجعل تعقّبها ورصدها أمرًا معقدًا للغاية. مع ذلك، كثّفت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي جهودها لمراقبة هذه السفن والتحقق من نشاطاتها، في خطوة تهدف إلى إحكام العقوبات وقطع مسارات الالتفاف على القيود الدولية المفروضة على صادرات النفط الروسية، بما يعزز الضغط على موسكو ويحد من تهديدها للأسواق العالمية.
الحد من قدرة موسكو على الالتفاف على العقوبات الغربية
اتخذت هولندا مؤخرًا على سبيل المثال، إجراءات صارمة ضد عدد من سفن الأسطول الخفي الروسي التي تبحر تحت علم أروبا في مياهها الإقليمية، في خطوة تهدف إلى الحد من قدرة موسكو على الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على صادرات النفط. قامت البحرية الفرنسية بعملية تصعيدية عبر الصعود على متن إحدى السفن قبالة ميناء بريست، ضمن جهود رصد ومراقبة هذه الأساطيل غير الرسمية التي تُعد جزءًا من شبكة الالتفاف الروسية. كانت سفينة “بوروكاي” قد ارتبطت سابقًا بأنشطة مشبوهة، بما في ذلك تحليق طائرات مسيّرة فوق المجال الجوي الدنماركي، ما يوضح تعقيد وإصرار روسيا على استخدام الأسطول الخفي لتعزيز مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
يُعتبر بحر البلطيق جبهة جديدة ومهمة في الصراع الروسي الغربي، لكن محاولات السلطات الألمانية لاحتجاز سفينة “إيفنتين” قبالة سواحل جزيرة روجن مطلع ديسمبر 2025 باءت بالفشل، إذ كانت السفينة بلا طاقم منذ بداية العام، ويستند مالكوها إلى قوانين الإنقاذ البحري، ما يجعل التعقّب القانوني والتنفيذي لهذه السفن أكثر صعوبة وتعقيدًا.
النتائج
يلاحظ تصعيد الاتحاد الأوروبي في مواجهة ما يُعرف بـ”الأسطول الخفي” الروسي، ويعكس مدى تعقيد جهود مراقبة وفرض العقوبات على موسكو بسبب الالتفاف على القيود الغربية المفروضة على صادرات النفط. في التقييم والتحليل المستقبلي، يمكن تناول عدة نقاط رئيسية:
يظهر أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تحويل العقوبات من إجراءات اقتصادية عامة إلى أدوات استهداف دقيقة، تشمل الأفراد والشركات المرتبطة بالأسطول الخفي. فرض عقوبات شخصية تشمل تجميد الأصول وحظر السفر والمعاملات المالية يعكس تصميم الاتحاد على محاسبة كل من يساهم في الالتفاف على القيود، وهو ما قد يزيد من الضغط على شبكة التهرب الروسية. وفي المستقبل، من المرجح أن تتوسع قائمة المستهدفين لتشمل جهات وشخصيات أخرى، ما يجعل الالتفاف أكثر صعوبة.
يعتمد الأسطول الخفي الروسي يعتمد على أساليب معقدة مثل تعطيل أجهزة التعريف الآلي (AIS) ونقل النفط بين ناقلات في أعالي البحار. هذا يعكس قدرة موسكو على الابتكار في التهرب من العقوبات، ويجعل الرقابة البحرية الدولية تتطلب تنسيقًا أكبر بين الدول الأوروبية وحلفائها. من المتوقع أن تتطور استراتيجيات الاتحاد الأوروبي لتشمل تقنيات مراقبة رقمية، وأدوات تحليل بيانات AIS وتحري الشبكات اللوجستية غير الرسمية.
حوادث مثل فشل ألمانيا في احتجاز سفينة “إيفنتين” أو الصعود على متن السفن في فرنسا وهولندا تظهر أن التعامل مع الأسطول الخفي ليس سهلًا، وأن موسكو ستواصل استخدام الثغرات القانونية والعمليات البحرية المعقدة للالتفاف على العقوبات. في المستقبل، قد يدفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى صياغة قواعد بحرية أوروبية أكثر صرامة، وربما تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة لدعم عمليات الرصد والاحتجاز في المياه الدولية.
وجود حوالي 550 سفينة في الأسطول الخفي يوضح ضخامة التحدي، لكنه يمنح الاتحاد الأوروبي فرصة لتحديد نقاط ضغط استراتيجية، مثل مراقبة السفن القديمة التي تمثل الحصة الأكبر من الأسطول. العقوبات ضد الشخصيات البارزة مثل مرتضى لاخاني وواليري كيلديجاروف تبعث رسالة واضحة بأن الالتفاف على العقوبات لن يكون بلا ثمن.
قد ينجح الاتحاد الأوروبي في تقليص فعالية الأسطول الخفي الروسي إذا واصل التنسيق الدولي وتحديث أدوات المراقبة. في المقابل، ستظل روسيا تحاول الابتكار، ما يعني أن الصراع في بحر البلطيق والمناطق البحرية الاستراتيجية سيستمر، مع احتمالات تصاعد توترات غير عسكرية تؤثر على التجارة العالمية وأسواق الطاقة، ما يستدعي يقظة مستمرة من الاتحاد الأوروبي وحلفائه.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112853
