بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
الإمارات والاتحاد الأوروبي ـ التشريعات والحوكمة الأمنية، لمكافحة الجريمة المنظمة؟
تُشكل دولة الإمارات العربية المتحدة المتحدة أحد أبرز الشركاء الدوليين في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بفضل تبنيها نهجًا متكاملًا يجمع بين تحديث التشريعات، وتطوير المنظومة القضائية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، وتوظيف التقنيات الحديثة في إنفاذ القانون. عزز هذا النهج مكانة الإمارات كشريك موثوق للاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية، من خلال توسيع التعاون في مكافحة غسل الأموال، والاتجار بالبشر، والجرائم المالية، والجريمة المنظمة، بما يسهم في دعم الأمن الإقليمي والدولي وترسيخ سيادة القانون.
تطور مفهوم الأمن وسيادة القانون في الإمارات
تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤشر “سيادة القانون العالمي” للعام 2025 الصادر عن مؤسسة “ذا وورلد جاستس بروجيكت” في أكتوبر من العام 2025، لتحقق المرتبة الـ(37) عالميًا من بين 143 دولة شملها التقييم، مسجلة (0.64) نقطة على المؤشر العام، بزيادة (0.7%) عن العام 2024، ما يجعلها من بين الدول القليلة دوليًا التي شهدت تحسنًا في أدائها. كما نجحت دولة الإمارات في تحسين وتطوير الأداء في (8) عناصر رئيسية: “القيود على سلطات الحكومة، وغياب الفساد، وانفتاح الحكومة، والحقوق الأساسية، والنظام والأمن، وإنفاذ القوانين التنظيمية، والعدالة المدنية، والعدالة الجنائية”.
أوضحت المديرة التنفيذية السابقة لليوروبول “كاثرين دي بول” قائلةً: “تشكل دولة الإمارات العربية المتحدة شريكًا أمنيًا رئيسيًا في مكافحة أخطر التهديدات الإجرامية المعاصرة، سواء في منطقة الخليج أو على الصعيد الدولي. أُرحّب بهذه الاتفاقية ـ توقيع اتفاقية ضباط اتصال ـ التي ستُرسي معيارًا جديدًا للتعاون في مجال العمل الشرطي الدولي، من خلال ربط أجهزة إنفاذ القانون الإماراتية بنظيراتها في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة. وبذلك، نوجّه معًا رسالة واضحةً للمجرمين”.

تحديث التشريعات الخاصة بالاتجار بالبشر وغسل الأموال والجرائم المنظمة
يقوم إطار مكافحة الاتجار بالبشر وغسل الأموال والجرائم المنظمة في دولة الإمارات العربية المتحدة على رؤية واضحة من خلال الإصلاحات التشريعية المستمرة، وتعزيز القدرات القضائية، وتوسيع نطاق خدمات دعم الضحايا، واستخدام التكنولوجيا المبتكرة، والتنسيق الوثيق بين الجهات المعنية. ففي العام 2006، أصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة القانون الاتحادي رقم (51) بشأن مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، لتصبح بذلك واحدة من أوائل الدول في المنطقة التي تقدم تشريعات تستهدف على وجه التحديد الاتجار بالبشر.
عززت دولة الإمارات العربية المتحدة إطارها القانوني بشكل أكبر من خلال إصدار المرسوم بقانون الاتحادي رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر. وقد أدخل القانون عقوبات أشد على الجناة، ووسع نطاق الحماية القانونية للضحايا، وقام بتحديث التعريف القانوني للاتجار بالبشر لمعالجة الأشكال الناشئة للاستغلال بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية المتطورة. ومن أبرز التطورات المؤسسية في دولة الإمارات العربية المتحدة إنشاء محكمة متخصصة في قضايا الاتجار بالبشر في أبو ظبي.
أصدر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في أبريل من العام 2026 مجموعة حديثة من المبادئ التوجيهية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. تضع هذه الخطوة المؤسسات المالية المرخصة ومقدمي خدمات الحوالة المسجلين تحت إشراف أدق، مما يدفعهم إلى تعزيز الأنظمة الداخلية التي ترصد النشاط المشبوه في وقت مبكر وتستجيب بشكل أكثر اتساقًا. كما تم تشديد قواعد العناية الواجبة بالعملاء، حيث يُطلب من المؤسسات اتباع نهج أكثر تفصيلاً للتحقق من الهويات، وتقييم ملفات تعريف المخاطر، والاحتفاظ بالسجلات طوال دورة حياة علاقة العميل. يتماشى هذا التحديث مع الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة للفترة من 2024 إلى 2027، والمعايير الدولية التي وضعتها فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، مما يعزز الجهود المبذولة للحفاظ على النظام المالي للبلاد متوافقًا مع التوقعات العالمية.
تطوير القضاء والنيابات والمحاكم المتخصصة
اعتمدت الأمارات العربية المتحدة في مارس من العام 2025 الخطة الاستراتيجية لمحاكم دبي للفترة (2025 ـ 2029)، وتتضمن الخطة بذل جهود مضاعفة لدفع الابتكار داخل النظام القضائي في دبي، مما يعزز مكانتها على الصعيد العالمي. فضلًا عن تطوير نظام قضائي مبتكر يواكب التغيرات العالمية والاحتياجات المستقبلية، ويخدم المتقاضين بكفاءة، ويضمن العدالة السريعة وسيادة القانون. يتم تنفيذ هذه الاستراتيجية من خلال (3) مؤشرات للأثر الاستراتيجي، و(27) مؤشرًا للأداء الاستراتيجي، (42) مبادرة ومشروعًا. تتمحور الخطة الاستراتيجية حول (4) أهداف رئيسية: “الأداء القضائي الرائد، والخدمات القضائية المتكاملة، والقدرات المؤسسية الجاهزة للمستقبل، ونظام قضائي رقمي متقدم”.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في دعم العدالة
أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة أول منصة قضائية متكاملة بالكامل تعمل بالذكاء الاصطناعي في يوليو من العام 2026، ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من مشروع منصة الذكاء الاصطناعي القضائية في سبتمبر من العام 2026، مع تنفيذ تدريجي لمدة (18) شهرًا. تشمل وظائف المنصة القضائية “تحليل القضايا، والبحث القانوني، واستخراج السوابق القضائية، وإعداد الوثائق القضائية”. مع ذلك، سيحتفظ القضاة في دولة الإمارات بالسلطة الكاملة على الأحكام النهائية، مما يضمن الإشراف البشري الكامل، ويؤكد هذا الابتكار التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بتبني التكنولوجيا من أجل نظام عدالة أكثر كفاءة وسيادة للقانون.
تمثل الخطة الاستراتيجية لمحاكم دبي (2025 ـ 2029) خطوة محورية نحو تعزيز مكانة دبي كمركز عالمي للتميز القضائي. وتؤكد هذه الاستراتيجية التزام دبي بتطوير نظام قضائي رائد لا يواكب التطورات التشريعية والتكنولوجية فحسب، بل يسعى كذلك إلى الابتكار المستمر لتسريع الإجراءات القضائية وضمان إقامة العدل بكفاءة. من خلال نموذج مبتكر يجمع بين الكفاءة والسرعة، ويُواءم التحول الرقمي مع المبادئ القضائية الراسخة. ويُعزز تبني الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة قدرة النظام القضائي على تقديم حلول مبتكرة وسريعة للقضايا. الإمارات العربية المتحدة ـ شراكات دولية لردع إيران
التعاون القضائي والأمني مع الاتحاد الأوروبي
اختتمت دولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي في يوليو من العام 2026 بنجاح الحوار الهيكلي التاسع بين الاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والذي عُقد افتراضيًا. ناقش الجانبان مجالات التعاون الرئيسية، بما في ذلك التعاون القضائي في المسائل الجنائية، والتعاون بين سلطات إنفاذ القانون، وتبادل المعلومات المالية، وزيادة تعزيز الشراكات بين الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي لتعزيز التنسيق والفعالية المتبادلة في التصدي للجرائم المالية العالمية. أعرب الاتحاد الأوروبي عن ثقته بأن التقدم الذي أحرزته دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الصدد سيظهر في تقييم مجموعة العمل المالي “FATF” المقرر من العام إجراؤه في فبراير 2027
سلمت دولة الإمارات العربية المتحدة في يونيو من العام 2026، (3) مشتبه بهم مطلوبين من قبل السلطات البلجيكية بتهم غسل الأموال والاتجار بالمخدرات والتورط في الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وكانت قد أشارت شرطة دبي إلى أن التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون الإسبانية قد ازداد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. وتبادل الجانبان المعلومات في (26) قضية، مما أدى إلى إلقاء القبض على (29) شخصًا مطلوبين لدى إسبانيا، وتسليم (4) مشتبه بهم بنجاح، مما يعزز إطاراً فعالاً للعدالة العابرة للحدود.
لعبت شرطة دبي دورًا محوريًا في تفكيك واحدة من أخطر الشبكات الإجرامية العابرة للحدود في أوروبا في السابع من ديسمير 2025، وذلك في أعقاب اعتقال زعيم العصابة في الإمارة كجزء من العملية الدولية “حارس”. استهدفت العملية التي نُفذت بالتنسيق مع الـ”يوروبول” ووزارة الداخلية الصربية والشرطة الوطنية الإسبانية، عصابة “فراكارتشي” والتي ارتبطت بسنوات من الاشتباكات العنيفة والاغتيالات وهجمات الحرق العمد والتفجيرات في جميع أنحاء البلقان.
أكد “اليوروبول في السابع من ديسمبر من العام 2025 على الدور المحوري الذي اضطلعت به شرطة دبي في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الدعم التحقيقي، وتنفيذ العمليات. وأُشيد بالكفاءة الفنية والمهنية للشرطة كعاملين أساسيين في نجاح المهمة المشتركة. وأكد مسؤولون إن دولة الإمارات العربية المتحدة تواصل إظهار التزامها بالأمن العالمي ومكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود بما يتماشى مع رؤيتها الأوسع للاستقرار الإقليمي والدولي.
استضافت “يوروجست” ووزارة العدل في دولة الإمارات العربية المتحدة في الفترة من الثاني إلى الثالث من يوليو من العام 2025، ورشة عمل في أبوظبي. جمع الحدث (25) مشاركًا، من بينهم مدّعون عامّون من جميع إدارات النيابة العامة في الإمارات السبع، وموظفون من السلطات المركزية، وممثلون عن مكتب الإنتربول في دولة الإمارات. تم تبادل أفضل الممارسات، ومعالجة التحديات المشتركة، وتعزيز الشراكة القائمة. بالإضافة إلى مناقشة الأدوار التي تؤديها كل جهة في التعاون القضائي الدولي، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وغسل الأموال، واسترداد الأصول. يمثل تعاون يوروجست مع دولة الإمارات العربية المتحدة جزءًا من جهودها الأوسع لتعزيز التعاون مع الدول الأخرى ، ودعم سيادة القانون والعدالة على الصعيد العالمي.
كان قد تم إرسال ضابط أرتباط في العام 2022 من وزارة الداخلية لدولة الإمارات العربية المتحدة للعمل جنبًا إلى جنب مع (250) ضابط ارتباط يمثلون أكثر من (50) دولة ومنظمة إنفاذ قانون. وأتاح هذا التعاون الشرطي الدولي الذي يُوصف بالوثيق من تمرير معلومات استخباراتية وتنسيق التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون حول العالم. أمن الخليج ـ العدوان الإيراني على دولة الإمارات، الدوافع الاستراتيجية
ماذا يمكن لأوروبا أن تستفيد من التجربة الإماراتية؟
يمكن للاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الاستفادة من التجربة الإماراتية في مكافحة الجريمة المنظمة من خلال التركيز على أهمية الابتكار والشراكات الاستراتيجية والعمل المنسق في التصدي للشبكات الإجرامية المتطورة. على سبيل المثال إنشاء مركز على غرار مركز “رصد جرائم الاتجار بالبشر” التابع للإدارة العامة لحقوق الإنسان بشرطة دبي. كذلك من خلال تطوير أنظمة شرطية متقدمة قائمة على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي والتحقيقات المالية وبناء القدرات، مع تعزيز التعاون مع الشركاء على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وتكامل التحقيقات الجنائية والمالية والتحليل الرقمي، إلى جانب التعاون الوثيق بين أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات المالية ومزودي خدمات التكنولوجيا.
أكد “غلين ماكدويل”، خبير برنامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التابع للاتحاد الأوروبي في العام 2021: “تتزايد الجرائم المالية تعقيدًا وتطورًا، ولذلك يسعدنا أن نشارك دولة الإمارات العربية المتحدة معارفنا ومهاراتنا وخبراتنا. ففي معظم الدول، تشارك جهات حكومية مختلفة في مراحل متعددة من مكافحة الجرائم المالية وغيرها من الجرائم الخطيرة، بما في ذلك منعها وكشفها والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها واسترداد عائداتها. وتابع ” ماكدويل”: “يشكل استخدام التحقيقات المالية المتوازية وتعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين مختلف الجهات الحكومية وعلى الصعيد الدولي في كل مرحلة من مراحل مكافحة الجرائم الخطيرة أمرًا أساسيًا لتعزيز جهودنا الوقائية المستمرة”. الإمارات ودول الخليج في مواجهة شبكات حزب الله وإيران العابرة للحدود
تقييم وقراءة مستقبلية
– تعكس المؤشرات جهود دولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز مكانتها خلال السنوات المقبلة بوصفها شريكًا دوليًا رئيسيًا في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مدفوعة باستمرار تحديث التشريعات، وتطوير المنظومة القضائية، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون، وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين.
– شهد التعاون الإماراتي الأوروبي انتقالًا من تبادل المعلومات والتنسيق الأمني إلى بناء نماذج عمل مشتركة تشمل التحليلات الاستخباراتية، والتحقيقات المالية المتوازية، وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنشطة الإجرامية، إضافة إلى برامج التدريب وبناء القدرات للقضاة وأجهزة إنفاذ القانون.
– من المحتمل أن يسهم هذا التكامل بين التقنيات الرقمية، والتحقيقات المالية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية في رفع كفاءة رصد الشبكات الإجرامية، وتسريع إجراءات الملاحقة القضائية، واسترداد العائدات غير المشروعة، بما يتماشى مع المعايير الدولية.
– من المتوقع أن تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على تسريع الإجراءات القانونية، وتعزيز الحماية القانونية للضحايا، مما يعزز التزام دولة الإمارات بتحديث نظامها القضائي ومعالجة الاتجار بالبشر من خلال آليات قضائية متقدمة.
– من المرجح أن تتجه مؤسسات الاتحاد الأوروبي لللاستفادة من تجربة الإمارات، عبر توسيع نطاق التعاون مع الشركاء الدوليين الذين يمتلكون قدرات تشغيلية واستخباراتية متقدمة، وفي مقدمتهم دولة الإمارات، بما يعزز فعالية الاستجابة المشتركة للتهديدات العابرة للحدود.
– يمكن القول من خلال التجربة الإماراتية أن نجاح جهود مكافحة الجريمة المنظمة لا يقاس بعدد الشبكات التي يتم تفكيكها فحسب، بل بقدرة الدول على بناء منظومة وقائية مستدامة تجمع بين التشريعات المرنة، والقضاء المتخصص، والتكنولوجيا المتقدمة، والشراكات الدولية الفاعلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121862
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
UAE launches world’s first fully-integrated AI judicial platform
Eurojust and the Ministry of Justice of the United Arab Emirates host an expert workshop to strengthen judicial cooperation
United Arab Emirates to extradite Antwerp drug lord
United Arab Emirates: Ninth EU-UAE Structural Dialogue on Anti-Money Laundering and Countering the Financing of Terrorism Concludes Virtually

