المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم الدكتور محمد أبوغزلةـ مدير مكتب تريندز في ألمانيا
الإمارات وألمانيا: الشراكة التي قد ترسم ملامح علاقة أوروبا بالخليج
تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى ألمانيا، والتي تبدأ في التاسع من سبتمبر2026، في لحظة تتجاوز أهميتها حدود العلاقات الثنائية. فبينما تركز الزيارة رسمياً على تعزيز العلاقات الإماراتية-الألمانية وتوسيع التعاون الاقتصادي والتنموي، فإن دلالتها الأوسع ترتبط بالسؤال الذي تواجهه أوروبا اليوم: كيف يمكنها بناء شراكات أكثر موثوقية ومرونة في عالم يتسم بتزايد الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية؟
خلال الزيارة، يلتقي الشيخ محمد بن زايد الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرتس، فيما تشمل المحادثات القضايا الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. ومن المقرر أن يستقبل المستشار ميرتس الرئيس الإماراتي في المستشارية في العاشر من سبتمبر 2026، مع التركيز على تطوير الشراكة الاستراتيجية وتعميق العلاقات الاقتصادية، إلى جانب الجهود المشتركة من أجل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. الإمارات والاتحاد الأوروبي ـ شراكة استراتيجية في مكافحة الجريمة المنظمة. ملف
لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في جدول أعمالها الرسمي. إنها تأتي في وقت أصبحت فيه المصالح الألمانية والإماراتية أكثر تقارباً من أي وقت مضى.
من علاقة اقتصادية إلى شراكة استراتيجية
من السهل النظر إلى العلاقات بين ألمانيا والإمارات من خلال أرقام التجارة والاستثمار. لكن هذا المنظور لم يعد كافياً لتفسير طبيعة العلاقة الحالية. فالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين تعود إلى عام 1972، بينما أُعلنت الشراكة الاستراتيجية عام 2004. وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، توسعت مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة. وتؤكد المعطيات الحالية أن الإمارات أصبحت أهم شريك اقتصادي لألمانيا في منطقة الخليج، فيما تجاوز حجم التجارة الثنائية 13.5 مليار يورو في عام 2025.
لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة المصالح المشتركة. فالعلاقة لم تعد قائمة على نموذج تقليدي يقوم على تبادل السلع أو إمدادات الطاقة فحسب، وإنما تتجه نحو صيغة أكثر تعقيداً تجمع بين رأس المال الإماراتي والقدرات الصناعية والتكنولوجية الألمانية.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في الشراكة.
ألمانيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وخبرة واسعة في الهندسة والتصنيع والبحث العلمي. أما الإمارات فقد طورت خلال السنوات الماضية بنية تحتية عالمية، وقدرات استثمارية ولوجستية، وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية الدولية. الجمع بين هذه العناصر يمكن أن ينتج شراكات تتجاوز التجارة إلى الاستثمار المشترك والتطوير المشترك.
الطاقة: من الاعتماد إلى الشراكة
كانت الطاقة تاريخياً إحدى الركائز الرئيسية للعلاقات بين أوروبا ودول الخليج. لكن مفهوم أمن الطاقة تغير بصورة جوهرية في السنوات الأخيرة. فبالنسبة لألمانيا، لم يعد أمن الطاقة يعني فقط ضمان الحصول على النفط والغاز، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بتنويع المصادر، واستقرار سلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، والتكنولوجيات منخفضة الكربون.
وهنا تقدم الإمارات نموذجاً مختلفاً عن الصورة التقليدية لدولة منتجة للطاقة. فالإمارات لا تزال لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة التقليدية، لكنها في الوقت نفسه تستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة والتكنولوجيات الجديدة. وقد برز ذلك بوضوح خلال زيارة المستشار ميرتس إلى أبوظبي في فبراير 2026، عندما شهدت الزيارة بحث وتوقيع اتفاقات في مجالات الطاقة وتخزين البطاريات وغيرها. كما بحثت شركات إماراتية وألمانية التعاون في البنية التحتية للطاقة المستقبلية. وهذا التحول مهم بالنسبة لألمانيا. فالإمارات لم تعد تُعرض فقط باعتبارها مصدراً للطاقة، وإنما كشريك في بناء منظومة الطاقة الأوروبية نفسها. الإمارات والاتحاد الأوروبي ـ مستقبل مكافحة الجريمة المنظمة في عصر الذكاء الاصطناعي
التكنولوجيا قد تكون مستقبل العلاقة
إذا كانت الطاقة قد أسست جانباً كبيراً من الشراكة الإماراتية-الألمانية، فإن التكنولوجيا يمكن أن تحدد شكلها في المستقبل. تسعى الإمارات إلى ترسيخ موقعها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والابتكار. وفي المقابل، تحتاج ألمانيا إلى تعزيز قدرتها التنافسية الصناعية في مواجهة التحولات التكنولوجية العالمية. وهنا توجد مساحة واسعة للتعاون في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والتصنيع المتقدم، والبنية التحتية الرقمية، والتنقل الذكي وتكنولوجيات الطاقة.
والأهم أن التعاون المستقبلي لا ينبغي أن يقتصر على نقل التكنولوجيا من ألمانيا إلى الإمارات أو تدفق رأس المال الإماراتي إلى ألمانيا. النموذج الأكثر طموحاً هو أن يعمل الطرفان على تطوير التكنولوجيا والاستثمار فيها معاً. وهذا يمكن أن يحول العلاقة من نموذج “المشتري والبائع” إلى نموذج “الشريك والشريك”.
الإمارات وألمانيا: منصتان متكاملتان
هناك بعد آخر يستحق مزيداً من الاهتمام.فالإمارات ليست فقط سوقاً للشركات الألمانية، بل يمكن أن تكون منصة لها للوصول إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وفي الاتجاه الآخر، تستطيع ألمانيا أن توفر للمستثمرين الإماراتيين بوابة إلى أكبر قاعدة صناعية في أوروبا وإلى منظومات البحث والتكنولوجيا والابتكار الأوروبية.
وبذلك، يمكن أن تصبح العلاقة بين البلدين جزءاً من شبكة اقتصادية أوسع. هذه النقطة مهمة في وقت تعيد فيه الشركات الأوروبية النظر في سلاسل الإمداد العالمية، وتسعى إلى تقليل المخاطر الجيوسياسية وتنويع مواقع الإنتاج والاستثمار. وفي هذا السياق، تمتلك الإمارات مزايا لوجستية ومالية وجغرافية يصعب تجاهلها، بينما تمتلك ألمانيا قدرات صناعية وتكنولوجية لا تزال من بين الأكثر تقدماً عالمياً.
الأمن الاقتصادي هو أيضاً أمن استراتيجي
تكشف التحولات الحالية أن الفصل بين الاقتصاد والأمن أصبح أكثر صعوبة. فالموانئ والممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية أصبحت عناصر مرتبطة بالأمن القومي والاقتصادي في الوقت نفسه.
وهذا يخلق مصالح مشتركة واضحة بين أبوظبي وبرلين. الإمارات تعتمد على التجارة العالمية والموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية، ولذلك فإن استقرار الممرات البحرية يمثل مصلحة مباشرة لها. وألمانيا، باعتبارها قوة صناعية وتصديرية كبرى، تعتمد بدورها على حرية التجارة واستقرار سلاسل القيمة العالمية.
ومن هنا، فإن أمن الخليج ليس قضية بعيدة عن المصالح الأوروبية. أي اضطراب كبير في المنطقة يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة، والتجارة، والتأمين، وسلاسل الإمداد والصناعة الأوروبية. ولهذا يمكن أن تصبح الشراكة الإماراتية-الألمانية جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول مفهوم الأمن الاقتصادي. الإمارات والاتحاد الأوروبي ـ الشراكة الأمنية من تبادل المعلومات إلى الأمن الوقائي
شريك أوروبي لا شريك ثنائي فقط
تملك ألمانيا موقعاً فريداً داخل أوروبا. فهي أكبر اقتصاد أوروبي وقوة صناعية وسياسية رئيسية، كما تتمتع بثقل مؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي. أما الإمارات، فقد بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند واليابان وروسيا وغيرها. هذا الاختلاف يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة. فألمانيا قادرة على نقل المصالح والتصورات الخليجية إلى قلب النقاش الأوروبي، بينما تستطيع الإمارات استخدام شبكة علاقاتها الواسعة للمساهمة في بناء قنوات اتصال وحوار تتجاوز الاستقطابات التقليدية. وفي ملفات مثل أمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي، والتجارة، والاستثمار، والأزمات الإنسانية، يمكن أن تؤدي الشراكة بين البلدين دوراً يتجاوز المصالح الثنائية.
ما الذي يمكن أن تضيفه زيارة محمد بن زايد؟
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت ألمانيا والإمارات تمتلكان علاقات جيدة؛ فهذا أمر محسوم.
السؤال هو: هل تستطيعان الانتقال إلى المرحلة التالية؟ الزيارة تمنح البلدين فرصة لتحويل الزخم السياسي إلى مشاريع طويلة الأمد، وشراكات صناعية وتكنولوجية، واستثمارات مشتركة، وتعاون أوسع في الطاقة والأمن الاقتصادي. كما أنها تأتي في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى شركاء قادرين على الجمع بين الاستقرار السياسي والقدرة الاقتصادية والانفتاح الدولي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الإمارات بالنسبة لألمانيا.
الإمارات لا تقدم فقط الطاقة أو رأس المال. وهي لا تسعى فقط إلى الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأوروبية. بل يمكن أن تقدم لألمانيا وأوروبا شريكاً يمتلك قدرة على التحرك عبر مناطق مختلفة من العالم، وعلى بناء جسور مع أطراف متعددة في نظام دولي سريع التغير. وفي المقابل، توفر ألمانيا للإمارات موقعاً مركزياً داخل الاقتصاد الأوروبي، وقاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وقدرات بحثية واسعة، وثقلاً سياسياً داخل الاتحاد الأوروبي.
فرصة لإعادة تعريف الشراكة
زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا ليست مجرد مناسبة دبلوماسية أخرى في جدول العلاقات الثنائية. إنها فرصة لإعادة تعريف معنى الشراكة بين البلدين. فالمرحلة المقبلة ينبغي ألا تقاس فقط بحجم التجارة أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة البلدين على بناء منظومة مشتركة في الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار وسلاسل الإمداد والأمن الاقتصادي. دولة الإمارات، كيف استطاعت احتواء تهديدات إيران؟ ملف
وإذا نجحت ألمانيا والإمارات في تحويل نقاط التكامل بينهما إلى مشاريع مستدامة، فإن العلاقة يمكن أن تصبح نموذجاً لشراكة أوروبية-خليجية جديدة: شراكة لا تقوم على الاعتماد المتبادل فحسب، بل على الاستثمار المشترك، والتكنولوجيا، والابتكار، والثقة السياسية. وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا: أن العلاقات بين أوروبا والخليج لم تعد مسألة طاقة أو تجارة فقط، بل أصبحت جزءاً من البحث عن شراكات أكثر استقراراً وقدرة على الصمود في عالم يزداد اضطراباً.
ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل الشراكة الألمانية-الإماراتية لا يتعلق فقط بما يمكن أن تحققه برلين وأبوظبي معاً، وإنما بما يمكن أن تقدماه لأوروبا والخليج من نموذج جديد للتعاون الاستراتيجي.
رابط نشر ..https://www.europarabct.com/?p=124149
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
