بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (2)
الإمارات العربية المتحدة ترسخ مكانتها كنموذج رائد في العمل الإنساني الدولي
أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا رائدًا للعمل الإنساني الدولي، عبر استجابتها الطارئة والمستمرة للأزمات والنزاعات في مختلف أنحاء العالم. منذ العام 2015، قدمت أبو ظبي مساعدات بمليارات الدولارات، شملت عدة دول إقليمية ودولية كالسودان وغزة واليمن وأوكرانيا، مع تركيز على الحماية، والرعاية الصحية، والتعليم، وإعادة الإعمار. لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دورًا وسيطًا في تسوية النزاعات، ودعمت برامج طويلة الأمد للبنية التحتية والمجتمعات المحرومة، ما يعكس نهجًا متكاملًا يجمع بين الإغاثة العاجلة، والاستثمار في الاستقرار والتنمية المستدامة.
تعزيز الاستجابة الإنسانية الطارئة في السودان
وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية لتقديم دعم بقيمة (5) ملايين دولار لصندوق السودان الإنساني في يناير 2026. تهدف الاتفاقية، التي جرت بين وكالة الإمارات للمساعدات ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، إلى تعزيز الاستجابة الإنسانية الطارئة للصراع في السودان. كما وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة، اتفاقية تعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدعم إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان في ديسمبر 2025. ستوفر الإمارات العربية المتحدة مبلغًا إجماليًا قدره (15) مليون دولار لمشروع حماية ومساعدة المتضررين من الصراع في السودان، والمقرر استمراره طوال العام 2026. تهدف الخطة إلى تعزيز الاستجابات الإنسانية للنازحين والمتضررين من خلال توفير تدابير إنقاذ الأرواح، بما في ذلك الحماية والمأوى والرعاية الصحية والتعليم. قدّمت دولة الإمارات مساعدات للسودان منذ عام 2015 بقيمة (4.24) مليارات دولار. ومنذ عام 2023، خصصت الإمارات (784) مليون دولار كمساعدات إنسانية.
صرّح رئيس وكالة الإمارات للمساعدات “أحمد العامري”: “في ظل استمرار النزاع في السودان، تواصل دولة الإمارات استجابتها الإنسانية العاجلة، وتقف متضامنة مع المتضررين من هذه الحرب الأهلية المأساوية والمدمرة”. وأضاف: “تظل دولة الإمارات ملتزمة بدعم الجهود الدولية لتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحّة وإنقاذ الأرواح في المناطق المتأثرة بالنزاعات”. وأشار “العامري” إلى أن النزوح واسع النطاق للسكان إلى دول الجوار، مثل تشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا، يتطلب تكثيف الجهود واستجابة سريعة لضمان التعافي المبكر وتحقيق الاستقرار. أكد “كريستيان باتريك ألكسندر” الباحث الرئيسي في أكاديمية “ربدان” في 22 يونيو 2025 على تركيز دولة الإمارات العربية المتحدة على التعاون الإقليمي والاستقرار من خلال اتفاقيات عملية واستشرافية. أمن دولي ـ مقاربة دولة الإمارات لتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراع الإقليمي والدولي
أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لغزة
ساهمت دولة الإمارات العربية المتحدة بأكثر من (1.8) مليار دولار أمريكي كمساعدات إنسانية لغزة منذ السابع من أكتوبر 2023، ما يجعلها أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لغزة. قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة مساعدات في إطار عملية “الفارس الشهم 3″، بقيمة تزيد على (9.4) مليارات درهم إماراتي لغزة. وتشمل هذه المساعدات أكثر من (100) ألف طن من الإمدادات، بالإضافة إلى إجلاء ما يقرب من (3000) مريض ومرافقيهم لتلقّي العلاج الطبي في الإمارات. أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن مشروع لنقل المياه المحلاة من مصر إلى جنوب قطاع غزة. وعندما علّقت عدة حكومات غربية تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في يناير 2024، ضاعفت الإمارات العربية المتحدة مساهمتها في وكالة الأمم المتحدة.
عملت الإمارات العربية المتحدة مع الأردن وألقت (25) طناً من المساعدات في غزة في يوليو 2025، ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، شكّلت المساعدات الإماراتية (44%) من إجمالي المساعدات الإنسانية الدولية التي قُدّمت إلى غزة. تعتزم الإمارات العربية المتحدة تمويل “أول مجمع سكني مخطط له في غزة” على أطراف مدينة رفح المدمرة، أقصى جنوب غزة خلال العام 2026. وسيتمكن السكان الفلسطينيون هناك من الحصول على الخدمات الأساسية، كالتعليم والرعاية الصحية والمياه الجارية، شريطة خضوعهم لجمع البيانات البيومترية والتدقيق الأمني. ستمثل المدينة المخطط لها أول استثمار إماراتي في مشروع إعادة إعمار ما بعد الحرب. وأكد مسؤول أمريكي: “إن أول مجمع مدعوم من الإمارات يمكن أن يصبح نموذجًا لسلسلة من المخيمات السكنية التي وصفها مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون بأنها مجتمعات آمنة بديلة”. أمن دولي ـ المقاربات الأمنية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي، تعاون وتحديات مشتركة . ملف
التزام بالعمل الإنساني تجاه اليمن
تُعدّ عملية الإغاثة أحدث مثال على التزام دولة الإمارات العربية المتحدة الراسخ بالعمل الإنساني تجاه اليمن، ففي يوليو 2025، تعاونت الإمارات مع منظمة الصحة العالمية لقيادة حملة تهدف إلى الحد من عدد الوفيات الناجمة عن سوء التغذية في جزيرة “سقطرى” اليمنية. أجرت فرق ميدانية من دولة الإمارات العربية المتحدة ومنظمة الصحة العالمية تقييمات في المرحلة الأولى من حملة تهدف إلى خفض معدلات الوفيات الناجمة عن سوء التغذية بنسبة تصل إلى (%20) حتى العام 2030. قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة مساعدات إنسانية بقيمة (110) ملايين دولار أمريكي لسكان سقطرى خلال الفترة من 2015 إلى 2021، موفرةً بذلك الدعم لمجتمعاتها ومساهمةً في بناء مستقبلها. تم تقديم المساعدات من قبل منظمات من بينها “الهلال الأحمر الإماراتي، وصندوق أبوظبي للتنمية، ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان، ومؤسسة الشيخ سلطان بن خليفة آل نهيان الإنسانية والعلمية”، ساهم الاستثمار الحيوي في إعادة تأهيل مطار “سقطرى”، وسدد تكاليف بناء محطتين للطاقة الشمسية، وإنشاء (4) محطات توليد طاقة، وتركيب مولدات كهربائية في القرى النائية.
الوسيط الحاسم في أوكرانيا
تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة من بين عدد من الدول التي أبدت اهتماماً باستضافة محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا. أصبحت الإمارات العربية المتحدة ذات أهمية متزايدة في الجغرافيا السياسية على مدى العقد الماضي حيث سعت إلى ترسيخ دور لها على الساحة العالمية. لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دور الوسيط الحاسم في أوكرانيا، أسفرت (16) عملية لتبادل الأسرى عن إطلاق سراح أكثر من (4600) أسير حرب منذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير 2022. بالإضافة إلى المساعدات التي بلغت (385) مليون درهم إماراتي وأكثر من (1000) طن من الإمدادات. واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة مشاركتها الإنسانية في أوكرانيا، حيث دخلت الإمارات في شراكة مع مؤسسة “أولينا زيلينسكا” لتقديم (4.5) مليون دولار لدعم دور الأيتام والأسر الحاضنة. حتى فبراير 2025، وصلت مساعدات الإمارات العربية المتحدة إلى (1.2) مليون شخص، من بينهم مليون امرأة وطفل. لأمن الدولي ـ زيارة رئيس دولة الإمارات إلى موسكو، شراكة استراتيجية في توقيت دولي حرج
التنوع وعمق المساعدات
تعمل أكثر من (40) منظمة مانحة وخيرية من الإمارات العربية المتحدة، وتستضيف دبي أكثر من (80) منظمة إنسانية دولية، فيما أصبح أكبر مركز إنساني في العالم. تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة ليس فقط بحجم مساعداتها العالمية، ولكن بتنوع وعمق مساعداتها، حيث تصل إلى المجتمعات المحتاجة عبر القارات وتعزز ريادتها في الدبلوماسية الإنسانية والتنمية. استجابت دولة الإمارات العربية المتحدة بسرعة لعدة كوارث طبيعية في عام 2025. ففي يناير 2025، شملت المساعدات الطارئة المقدمة إلى تشاد (30) ألف سلة غذائية في أعقاب الفيضانات المدمرة. كما شملت المساعدات المقدمة إلى الصومال (700) طن من المواد الغذائية للمناطق المتضررة من الفيضانات. في ميانمار، وبعد زلزال قوي، قدّمت الإمارات العربية المتحدة أكثر من (200) طن من الإغاثة العاجلة في مارس، تلتها (167) طنًا إضافية من الإمدادات الأساسية لدعم (80) ألف شخص.
احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الثالثة كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية في عام 2025، حيث ساهمت بمبلغ (1.46) مليار دولار أمريكي، وهو ما يمثل (%7.2) من إجمالي المساعدات العالمية، وفقًا للأمم المتحدة. وصلت فرق ومعدات مكافحة الحرائق الإماراتية إلى ألبانيا للمساعدة في السيطرة على حرائق الغابات واسعة النطاق في أغسطس 2025، وقدّمت طائرات ومواد لعمليات الاستجابة الجارية. إلى جانب الإغاثة الطارئة، تستثمر دولة الإمارات العربية المتحدة في البنية التحتية الإنسانية طويلة الأجل. ومن أبرز المبادرات حملة “وقف الآباء”، التي أُطلقت عام 2025، والتي تخصص أموالًا لتحسين خدمات الرعاية الصحية، وتوفير الأدوية، ودعم تطوير المستشفيات في المجتمعات المحرومة. أما في أفغانستان، فقد قدّمت (7.3) مليارات درهم إماراتي دعمًا، حيث فقدت الإمارات شهداء في سبيل القيام بواجبها الإنساني عام 2017. وقدّمت لباكستان أكثر من (700) مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال لحماية جيل كامل.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة نحو ترسيخ نموذج مبتكر في الدبلوماسية الإنسانية، لا يقتصر على تقديم المساعدات الطارئة، بل إلى بناء نفوذ استراتيجي قائم على الاستجابة السريعة، والشراكات الدولية، والاستثمار في التعافي طويل الأمد. من المتوقع أن يتعزز هذا المسار، مدفوعًا بتزايد الأزمات الإنسانية عالميًا، وتراجع قدرة المنظمات الدولية التقليدية على تغطية فجوات التمويل، ما يخلق مساحة أكبر للدول المانحة ذات المبادرات المرنة والحضور الميداني الفعّال.
– من المرجح في السودان أن تتحول المساعدات الإماراتية من استجابة طارئة إلى برامج دعم الاستقرار المبكر، خصوصًا في مجالات إعادة تأهيل البنية الصحية والتعليمية ومراكز الإيواء، وضمان استمرار تدفق المساعدات عبر الممرات الإقليمية، ما يمنح الإمارات دورًا محوريًا في إدارة ملف النزوح في القرن الإفريقي.
– تشير الخطط المعلنة في غزة، لإنشاء مجمعات سكنية إلى انتقال الإمارات من الإغاثة إلى إعادة تشكيل الواقع العمراني والخدمي. من المحتمل أن تصبح هذه المشاريع نموذجًا لإعادة الإعمار المشروط بالحوكمة الأمنية والرقمية، وهو اتجاه مرشح للاتساع في مناطق النزاع، بما يعكس اندماج العمل الإنساني مع ترتيبات الاستقرار الأمني، ما يمنح الإمارات موقعًا مؤثرًا في تشكيل مرحلة ما بعد الحرب.
– قد تصبح مبادرات أبو ظبي في اليمن نموذجًا للربط بين الإغاثة الإنسانية والأمن المناخي، كما يتوقع أن تركز الإمارات على مشاريع الصحة المستدامة والطاقة والبنية التحتية، بما يخلق بيئات قادرة على الصمود أمام الأزمات الغذائية والمناخية. إن استمرار الدور الوسيط في حرب أوكرانيا في تبادل الأسرى وتقديم الدعم الاجتماعي يفتح المجال أمام توسع الدور الإماراتي في مسارات الوساطة الدولية، بما يعزز صورتها كفاعل محايد قادر على الجمع بين الخصوم.
– سيتعاظم حضور الإمارات كمركز لوجستي وإنساني دولي خلال العقد المقبل، مع ازدياد عدد المنظمات العاملة من أراضيها، وتطور أدوات التمويل الوقفي والرقمي للعمل الخيري. وبذلك، ستتجه الدبلوماسية الإنسانية الإماراتية إلى مرحلة أكثر مؤسسية وتأثيرًا، تمزج بين الإغاثة الفورية، وإعادة الإعمار.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114156
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Malnutrition in Gaza at alarming levels, WHO warns as aid airdrops resume
https://tinyurl.com/2chwamxw
UAE agrees to send another $5 million worth of aid to Sudan
https://tinyurl.com/ypnvchtx
United Arab Emirates, Government of 2025
https://tinyurl.com/pbnj8b3e
Gaza war: UAE announces deal with Israel to allow aid deliveries
https://tinyurl.com/ufadbc7p
