اختر صفحة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

كتب، بشير الوندي، خبير الإستخبارات بشير الوندي 

اسباب اخفاق التنبؤ مباحث في الاستخبارات 184

مدخل

كما قد خصصنا المبحث السابق للحديث عن الاخفاق الاستخباري في استقراء وتنبو وقوع الاحداث , ولانعني هنا أية حوادث عابرة وانما حوادث مفصيلة إمتد تأثير بعضها ليحرق الاخضر واليابس في معظم ارجاء الكرة الارضية , وهنا سنخصص المبحث هذا لمحاولة تلمّس الاسباب بعد ان ركزنا في المبحث السابق على توصيف الموضوع الذي يكاد يرقى ليصبح ظاهرة متكررة عبر التاريخ لاسيما قبيل إندلاع الحروب .

تساؤلات مشروعة

كيف يمكن ان تتناثر عشرات الشواهد والدلالات وتتداولها حتى الصحف دون ان تستثار الاجهزة الاستخبارية ودون ان تستشعر وتتنبأ بالخطر؟ , فلم تتنبأ اوروبا للحرب الثانية والى مطامع وتحضيرات الالمان , ولم تتنبأ امريكا الى هجوم اليابانيين على ميناء بيرل هاربر , ولم تتنبأ اسرائيل الى تحضيرات سوريا ومصر في الهجوم المشترك عليها , ولم تتنبه ايران لاستعدادات صدام , وكان الكويتيون في سابع نومة كما يقولون حين وصل صدام الى القصر الاميري , وغير ذلك في الكثير من الحوادث التي تبدو فيها وفرة في المعطيات مع غفلة في التجنب والتهيؤ لوقوع الكارثة , فماهي الأسباب ؟وهل هو عجز في المعلومات؟ ولماذا تعجز الاستخبارات عن التنبؤ بالحرب؟ وهل هنالك امكانية لتلافي الخطر ؟ ولماذا تخطأ التحليلات ,خاصه في الامور الكبيرة المهمة؟.

عوامل التراخي 

هنالك عوامل كثيرة تجعل البلاد بأجهزتها الحكومية والاستخبارية تفاجأ بالكوارث , وحين يقع الفأس بالرأس يتأكد الجميع من ان الامر لم يكن مفاجئاً وان شواهده تبدو واضحة تماماً , وان هنالك اهمال كبير في عدم الالتفات اليها وتحليلها , وفي بعض الاحيان يبدأ التلاوم لتكتشف ان هنالك من حذّر من الكارثة وهنالك من صمّ آذانه عن السمع , ولعل اهم العوامل التي تسبب ذلك هي :

ـ العمى الاستخباري المعلوماتي : ونعني به ان لاتكون لدى الاجهزة الاستخبارية اذرع فعالة وحقيقية للمعلومات , وبالاخص المصادر المزروعة داخل مؤسسات العدو , فحين تفشل الاجهزة الاستخبارية من اختراق تنظيمات ومؤسسات العدو فحينها لاتمتلك معلومات وارقام حقيقية وتغدو معتمدة على المصادر العلنية , فتراها تتخبط في تقديراتها وفي توقعاتها.

ـ العمى الاستخباري التحليلي  : ونعني به عدم تجرد المحللين , فعملية التحليل قد تتأثر بخلفية المحللين الفكرية وانتقائيتهم  للمعلومات والمصادر وبناء توقعاتهم لتحركات العدو وفق مايرونه هم , فالسؤال الذي يتوجب على المحلل ان يسأله لنفسه دوماً حين يحلل خطوة العدو القادمة هو ليس السؤال المنطقي الذي يقول : لو كنت انا فكيف سأفكر ؟ فهذا سؤال يقتل التحليل ويفرض خلفية المحلل وقناعاته المسبقة على النتائج , لأن من اسس التحليل التقمص , والتقمص يغير صيغة السؤال الى : لو كنت مكان العدو فكيف سأفكر ؟ لان الافتراض او السؤال الاول سيجعل المحلل يفكر وفق منطقه وادواته هو وسيفترض دوماً الحكمة في خطوة العدو القادمة , بينما الافتراض الثاني يجرد المحلل من خلفيته ويجعله يفكر بمنطق العدو وخلفية العدو سواء كان العدو متهوراً او مجنوناً .

ان الامر يشبه لاعب شطرنج يفكر بعمق عن السبب الذي جعل خصمه ينقل الحصان الى مكان مميت , وفي الواقع قد يكون الامر ببساطة انه نقله لانه اخطأ لاأكثر واستدرك ليؤثر على الخصم وليبدو انه نقله الحصان كان لحكمة لاتدرك !!! ولكن احتمال ان يكون قد نقله الى المربع المميت ليتفادى خسارة الوزير او ليفاجيء خصمه بكش ملك قاتلة يجب ان تبقى قائمة .

ففي كثير من الاحيان , لاتبدو الاشياء كما هي في حقيقتها وقد تحتمل المعلومات المتاحة اكثر من وجهة نظر , وهنا ننبه ان من الخطر ان نميل في تفسيراتنا وتحليلاتنا الى الوجه المنطقي في الاستنتاج فقط , فهنالك دوماً فرصة لماهو غير منطقي , لذا فإن ركون محللي الاستخبارات للمنطق بصرامة يحجب التفكير باللامنطق الذي كثيراً ما يحجم المحلل عنه خوفاً من أن يتهم بالخيال والأوهام مما يقتل لديه حاسية الابداع في التوقعات غير العقلانية التي يستبعدها اما تهويلاً او لأن سيناريوهاتها تبدو غير مقنعة وغير مألوفة , ومن ثم لايعطي تلك السيناريوهات اية نسبة من الاحتمال .

ـ الشعور بالأمان : ان الحساس المفرط بالأمان يدعو الى التراخي ويجعل الاستخبارات تبتعد عن التفكير بالخوف , فالتفوق الجوي الاسرائيلي مثلاً كان يعمي قادة اسرائيل من التفكير في احتمالية قيام حرب 1973 , وما جرى من الإحساس المفرط بالأمان في اوروبا جعلهم لا يصدقون بأن هتلر يستعد للحرب , فالقوي يهمل المعلومات المتواترة غالباً لأنه يعتقد أنه الأقوى لذا لا يهتم بنقاط ضعف العدو ولابخططه لبناء وتوسيع قواته , فالغرور السياسي يطيح حينها بالقوة.

لذا فإن من واجب الدول التي تتعاظم قوتها , ان تستمر برصد وتعظيم الاهتمام بقوة جيرانها واعدائها الحقيقيين والمحتملين كي لاتقع هي وأجهزتها الاستخبارية بالتراخي الذي يجعل من مباغتتها أمراً ممكناً ولكن لات حين مناص.

ـ الصراع الاستخباري الداخلي : ان الصراع بين الاجهزة الاستخبارية المتنوعة وإخفاق المؤسسة الاستخبارية الجامعة في الفصل بين تلك الاجهزة من خلال تقسيم المهام وعلو التنسيق , كل ذلك يؤجج العداء ويزيد التخبط بين اجهزة البلد الواحد ويؤدي الى تشرذم التحليلات وتضاربها كما يؤدي الى تخوف كل جهاز من ان يبدو كأضحوكة أمام الاخرين مما يقلل الابداع في التحليل ويجعل التحليلات كلاسيكية حذرة وغير مستعدة للإبداع بسبب حالة تصيد الاخطاء بين الاجهزة , ونضيف هنا الى ان محاولات توحيد التحليلات الاستخبارية للاجهزة المختلفة يجب ان تتغوّل على الأراء الشاذة فيها , فالاجماع بين الاجهزة على تحليل ما لايعني الصواب دوماً ومن ثم لابد من احترام الاختلاف في التحليل اياً كان نصيبه من الاجماع ففي الاستخبارات كل شيء جائز .

ـ الاستخبارات وصناع القرار : في كثير من الاحيان تكون هنالك فجوات بين الاجهزة الاستخبارية وصناع القرار لعوامل حزبية او نتيجة صراعات سياسية مما يؤدي الى تفاعل سلبي ينتج عنه عدم ترابط بين مايراه العقل وماتراه العين , ويزداد الامر سوءاً اذاما تراخت الاجهزة الاستخبارية في السماح للحزبية او الطائفية او الاثنية بالتسلل الى بنيتها , فحينها تكون الاجهزة مشلولة التفكير والاستنتاج .

ـ دكتاتورية القرار الحكومي : من اخطر العوامل التي تُفقد الاجهزة الاستخبارية قدرتها على الابداع هو في شعورها بالتخوف من بطش السلطة وتفردها ودكتاتوريتها , فعندما تتزمت القيادة وتكون عنيفه وتفرض آراءها المسبقة على الامور , فحينها سيعمل محللو الاستخبارات تحت ضغط الخوف والتملق ويسعون الى مجاراة رأي قيادة البلاد وتجنب صدمها بتحليلات تخطؤها , ويدخل في هذا الباب محاولات السلطة الدكتاتورية في توجيه الاجهزة الاستخبارية بإتجاهات معينة , ومثال ذلك ماقاله بوش لرئيس السي آي أي عشية تفجيرات سبتمبر2001 : جد لي اي شيء يربط العراق ببن لادن وتفجيرات منهاتن , الامر الذي كانت نتائجه فادحة على الاستخبارات الامريكية وعلى العراق وعلى العالم اجمع , وكذلك فان من الامثلة كذلك ان الاجهزة الاستخبارية العراقية كانت ماقبل 2003 لاتستطيع ان تبدع الا في ارضاء توجهات القيادة والتخوف حتى من ابلاغها بما يخطط لها في غزو العراق.

ـ التضليل والخداع : حرب الاستخبارات حرب عقول , والعدو يلقي في كثير من الاحيان فخاخاً خادعة تربك تحليلات الاستخبارات وتوصلها لإستنتاجات غير صحيحة , فهو يخفي نواياه وخططه وفي ذات الوقت يتيح لاستخبارات العدو ان تتجسس عليه ويدير تجسسها لصالحه وغيرها من اساليب الخداع.

ـ فوضى المعلومات : ان حجم المعلومات المتدفقة والكثيرة بأكثر مما هو منطقي  قد تصيب الاستخبارات بعدم الثقة بها , فالعامل النفسي لفوضى المعلومات واغراق الشارع بها او تقصّد العدو في بث المعلومات وبكل انواعها , يجعل تصديقها غير معقول , وكذا الحال في شحة المعلومات يجعلها غير موثوقة واحادية , فكلتا الحالتين تربكان الجهاز الاستخباري وتؤثران في تحليلاته , فخارطة البيانات والمعلومات قد تكون مشوهة وغير منسجمة ولا يمكن ان تكون مصفوفة للوصول الى حل اللغز , وعليه فإنه في حال قلة المعلومات تعزيز مصادره الرصينة , وفي حال التدفق الكبير من المعلومات ان يتعامل بحذر مع المصادر

معطياتنا الراهنة واخفاق التنبؤ

ان الصراع في منطقتنا اليوم بين امريكا والسعودية ودول الخليج من جهة والجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة اخرى هو حقيقة اولى مهمة في واقعنا الحالي , وان علاقة الجوار بين العراق وايران لاتخطؤها عيون كل الدوائر الاستخبارية المتصارعة مع ايران مهما حاولنا ادعاء التوازن في علاقاتنا مع باقي الاطراف , وهي حقيقة مؤكدة ثانية .

وهنالك تأثيرات على ارض العراق من قبل القوات الامريكية ومن قبل ايران وهي تأثيرات قوية بعضها رسمي علني واغلبها ليس كذلك , وهذه حقيقة مؤكدة ثالثة .فالتصعيد بين الجانبين المتصارعين سيكون له تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وعقائدية كبيرة , وهي حقيقة رابعة .

ان ارض وأجواء العراق لن تكون بعيدة مطلقاً عن صراع الجانبين ولايؤجد مبرر يستبعد ان تكون وقائع الصراع العملية “اي العملياتعلى ارض العراق” , وهي حقيقة خامسة .

من المتوقع ، لايقف العراقيوان مكتوفي الايدي في هكذا صراع حتى وفي الغالب سيكون نشاطهم غيررسمي , وهي حقيقة سادسة .

ان ماذكرناه هي حقائق يعيها ويدركها الجميع .

 السؤال هو :  كيف تنظر اجهزة الاستخبارات العراقية، للصراعات المحتملة، على بوابات العراق , وهل تمت دراسة احتمالات وقوعه من عدمها بجدية وهل هنالك تقديرات للأضرار ولردود الافعال والاحتمالات ؟

لأ أحد يتمنى الحرب أو يرغب بها،  وورقة البحث هذه، بعيدة عن المبالغة والتهويل, ولكن  يجب ان لا يتم إغفال اهمية وضع صناع القرار والحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة جميع الاحتمالات في الحسبان , فماذا لو اسقطت ايران طائرة امريكية ثانية في اراضيها الاقليمية ؟ وماذا لو كانت مأهولة ؟ وماذا لو حاول طرف ثالث اشعال الحرب بين المتخاصمين ؟

ماذا لو وقع ماهو غير منطقي ؟ وهل تهيأت المؤسسات العراقية  المعنية كافة لخطط وخيارات مع العلم ان عدم الاستعداد وقراءة الحقائق يجلب الدمار؟؟

لقد جرب العراق حالة “الزهو ” والإسترخاء  الذي غرر بالقوات العراقية في  عام 2014 , وجرب العراق عدم توافر معلومات حقيقية وعن نوايا العدو وكيف تسبب في الاهمال وعدم حشد الطاقات للخطر , وكان واضحا، كيف ان بعض السياسيين كانوا يصطفون ضد الحكومة ويبغون اضعافها واسقاطها لأسباب شخصية متناسين ان الحرب كارثة انسانية مدمرة لا ترحم ولادين ولامذهب لها ,.

البعض لم يستوعب مقدمات خطر داعش ولم يتخيل سقوط ثلث العراق ودفن رأسه في الرمال عن رؤية الخطر المحدق وقتها , ومن ثم , فإن ما يجري من احداث في منطقتنا يحتم على الحكومة ودوائرها المختصة  دراسة الأسوأ اولاً ثم المتفائل وباقي الخيرات لتكون مستعدة في احلك الظروف .

خلاصة 

ان عِبَر التاريخ الحديث تدلنا عن ان الكثير من الاجهزة الاستخبارية في العالم تعاملت مع الاخطار الجسيمة عن طريق استبعادها من العقل واغماض عيونها عنه على طريقة ” مامعقوله” بلهجتنا كمن يغمض عينيه لحظة الاصطدام , وهو ماأدى الى كوارث نسأل الله ان يجنبنا اياها وان نسعى بوعي الى الرصد والتخطيط وتصور كافة السيناريوهات مهما كانت قتامتها , فتصور الاسوأ ليس تشاؤماً في عرف الاجهزة الاستخبارية وانما هو الحرص وهو افضل الف مرة من الدهشة حين لايفيد الندم.

رابط نشر مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=53878

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات