المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير
تصفح الملف نسخة PDF ملف الإرهاب والتجسس في الحروب الهجينة ـ التداخل وانعكاساتها على الأمن الدولي
المقدمة
يبحث الملف في التحولات التي طرأت على طبيعة الحروب والنزاعات، ولا سيما تزايد التداخل بين الأدوات العسكرية والأمنية والاستخبارية والسيبرانية والإرهابية، بحيث لم تعد الحدود واضحة بين الحرب التقليدية، والحرب الهجينة، والتجسس، والإرهاب، والتطرف. ويعتمد الملف على الحرب في أوكرانيا والمواجهة الأمريكية ـ الإيرانية إلى جانب الفوضى في السودان واليمن كنماذج لتحليل كيفية تداخل الصراع العسكري مع العمليات الاستخبارية والسيبرانية، واستثمار الجماعات والوكلاء، والحرب المعلوماتية، وانعكاس ذلك على الأمن الدولي.
ويتركز البحث على أوروبا: كيف تتأثر أمنياً وسياسياً واقتصادياً؟ وهل أصبحت البيئة الأوروبية أكثر عرضة لانتقال تداعيات الحروب والنزاعات الخارجية إلى الداخل، سواء عبر الإرهاب والتطرف أو التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية أو الضغوط على البنية التحتية والطاقة والمجالين البحري والجوي؟
1ـ الإرهاب والتجسس في الحروب الهجينة ـ عندما تتداخل أدوات الصراع
لا تقتصر الحروب خلال العقد الأخير على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تطورت لتشمل أدوات هجينة تجمع بين القوة العسكرية التقليدية والتجسس والهجمات السيبرانية والتضليل والتخريب. أدى اتساع “المنطقة الرمادية” في طمس الحدود بين الحرب والسلام، بما يسمح باستهداف الدول والمجتمعات والبنية التحتية الحيوية دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مفتوحة. أصبحت الاستخبارات والجهات غير الحكومية والقدرات السيبرانية والمعلوماتية عناصر أساسية في إدارة الصراعات وتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
من الحرب التقليدية إلى الحرب الهجينة
ـ مفهوم الحرب الهجينة وتطوره: تٌعرف بإنها استراتيجية تجمع بين التكتيكات العسكرية التقليدية وغير التقليدية لتحقيق أهداف سياسية. وتشمل مزيجًا من استخدام القوة العسكرية، والعمليات السيبرانية، والمعلومات المضللة، والضغط الاقتصادي. ويسمح هذا النهج متعدد الأبعاد للجهات الحكومية وغير الحكومية باستغلال نقاط الضعف لدى الخصوم، وغالبًا ما يتم ذلك دون تجاوز عتبة الصراع المفتوح. ونتيجة لذلك، تتحدى الحرب الهجينة آليات الدفاع التقليدية، وتتطلب استراتيجيات تكيفية في العلاقات الدولية.
ـ تداخل الأدوات العسكرية وغير العسكرية: تجمع التهديدات الهجينة بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، وكذلك السرية والعلنية، ونشر الجماعات المسلحة غير النظامية، واستخدام القوات النظامية. تُستخدم هذه الأساليب الهجينة لطمس الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام، ومحاولة بثّ الشك في أذهان السكان المستهدفين. وتهدف هذه الأساليب إلى زعزعة استقرار المجتمعات وتقويضها، كما تستغل الدول السيطرة على قطاعات تكنولوجية وصناعية رئيسية، وبنية تحتية حيوية، ومواد استراتيجية وسلاسل إمداد لخلق تبعيات استراتيجية وتعزيز سيطرتها
تصاعد أهمية المنطقة الرمادية في الصراعات الحديثة: تُشير المنطقة الرمادية إلى مجموعة من الأنشطة التي تقع بين السلام والحرب، وتندرج ضمن هذه المنطقة الغامضة أنشطةٌ عديدة، تهدف هذه الأنشطة إلى إحباط الخصم أو زعزعة استقراره أو إضعافه أو مهاجمته، وغالبًا ما تُصمّم خصيصًا لاستغلال نقاط ضعف الدولة المستهدفة. ورغم أن أنشطة المنطقة الرمادية ليست بجديدة، إلا أن ظهور التقنيات الحديثة قد زوّد الدول بأدوات أكثر للعمل وتجنب التصنيف والتحديد والكشف الواضح. وتكمن الأهمية الأساسية لأنشطة المنطقة الرمادية في علاقتها بالتصعيد وليس بحجم الضرر. فلا يتعين على الهجمات أن تتسبب في أضرار فورية واسعة النطاق. بل يجري ضبط كل إجراء بما يسمح بإنكار المسؤولية عنه، ويتم تطبيقه بشكل متقطع.
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” في أكتوبر من العام 2025: “إن أوروبا يجب أن تعزز دفاعاتها لردع الحرب الهجينة في أعقاب سلسلة من التوغلات الجوية والهجمات الإلكترونية وتلف الكابلات البحرية”. وتابعت: “هذه الحوادث مُدبّرةٌ لتبقى طي الكتمان. هذا ليس تحرشًا عشوائيًا”، قالت في خطاب ألقته أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ: “إنها حملةٌ مُنظّمة ومتصاعدة لزعزعة استقرار مواطنينا، واختبار عزيمتنا، وتفتيت وحدتنا، وإضعاف دعمنا لأوكراني”. وأضافت: “إن الوقت قد حان لتسمية هذه الحملة باسمها الحقيقي، أنها حرب هجينة، “حادثتان هما مصادفة، لكن ثلاث أو خمس أو عشر حوادث هذه حملة متعمدة وموجهة في المنطقة الرمادية ضد أوروبا، ويجب على أوروبا أن ترد”.

التجسس كأداة في الحروب الحديثة
ـ التجسس البشري والتقني والسيبراني: لا يزال العنصر البشري حجر الزاوية في عمل أجهزة الاستخبارات حيث تعمل إلى تجنيد عملاء للحصول على المعلومات الاستخباراتية نيابة عنهم، عبر إنشاء شبكات من العملاء الذين يمكنها استخدامهم على مدى فترة طويلة، لضمان تدفق موثوق للمعلومات. يعمل العملاء من خلال استغلال العلاقات والمناصب الموثوقة للحصول على معلومات حساسة. كما تُمارس أنشطة التجسس في الفضاء الإلكتروني. وتستخدم أجهزة الاستخبارات بشكل متزايد الإنترنت والتقنيات الإلكترونية للتجسس، ويمكن أن يكون الفضاء الإلكتروني وسيلة جذابة لجمع المعلومات الاستخباراتية لعدة أسباب منها قد يكون ذلك أكثر فعالية من حيث التكلفة من الوسائل التقليدية؛ إن طبيعتها البعيدة تعني أن لدى المعنيين بها طبقة إضافية من الإنكار؛ إن حجم البيانات التي يمكن سرقتها هائل للغاية.
ـ جمع المعلومات واستهداف البنية التحتية الحيوية: يمكن جمع المعلومات الاستخباراتية لاستهداف البنية التحتية للدول عبر مختلف التخصصات، بما في ذلك الاستخبارات البشرية، واستخبارات الإشارات، واستخبارات الصور، والاستخبارات مفتوحة المصدر، والاستخبارات السيبرانية التي تزداد أهميتها. وفي كل من القطاعين الحكومي والخاص، لا تقتصر أجهزة الاستخبارات على مجرد الحصول على الأسرار والمعلومات، بل تتعداها إلى تقليل حالة عدم اليقين وتعزيز الاستشراف الاستراتيجي في بيئات معقدة وتنافسية، وغالبًا ما تكون معادية.
ـ دور الاستخبارات في تمهيد العمليات أو دعمها: ظهرت منذ بدء حرب أوكرانيا وإيران العديد من المؤشرات والتقارير المتعلقة بتمهيد الأجهزة الاستخباراتية للحروب، ومن الأمثلة البارزة على ذلك استخدام الطائرات الأمريكية بدون طيار التي يتم التحكم فيها عن بعد والمجهزة بكاميرات وأجهزة استشعار وأجهزة مراقبة لجمع وتحليل المعلومات باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. كذلك الجمع بين العديد من الوظائف التشغيلية، بدءًا من إعداد المعلومات والعمل على الأرض وإدارة ساحة المعركة من خلال المراقبة والاستشعار والقيادة والسيطرة على المجال الجوي وصولًا إلى القدرة على استهداف القتال بشكل مباشر.
دعا المكتب الفيدرالي لحماية الدستور الألماني “BFV” في يوليو من العام 2026 العاملين في شركات التسليح إلى توخي الحذر، محذرًا من ارتفاع احتمالات تعرض القطاع لهجمات تجسس وتخريب تقف وراءها جهات حكومية روسية أو جهات تعمل بتكليف منها. كما أشار إلى أنه، وبحسب تطورات حرب أوكرانيا، لا يمكن استبعاد استهداف موظفين أفراد، لا سيما في المستويات الإدارية العليا. أشار المكتب إلى قائمة نشرتها وزارة الدفاع الروسية تضم (21) شركة أوروبية تتهمها موسكو بالمشاركة في تصنيع وتوريد طائرات مسيرة لأوكرانيا. ذكّر المكتب بعدد من عمليات التوقيف التي نُفذت خلال العامين 2025 و2026 للاشتباه في ممارسة أنشطة تجسسية، إضافةً إلى هجمات اصطياد احتيالي استهدفت مستخدمي تطبيق “سيغنال”، وصُنفت باعتبارها جزءًا من حملة روسية. ملف الدفاع والأمن في ألمانيا، مفاهيم جديدة بعد حرب أوكرانيا
الإرهاب داخل البيئة الهجينة
ـ استغلال الجماعات المسلحة في الصراعات: تتسم طبيعة هذه الجماعات ودوافعها بتنوع كبير في تصنيفاتها، إذ تشمل “منظمات إرهابية، وجماعات معارضة، ومتعاقدين، ومنظمات متطرفة”. ورغم اختلاف أهدافها، فإن العديد من هذه الجماعات تمتلك القدرة على السيطرة على الأراضي، وتعبئة الموارد، وتحدي سلطة الدولة، واستغلال الثغرات في الحكم لزيادة نفوذها وشرعيتها بين فئات سكانية معينة. بينما تُضفي جماعات أخرى، الشرعية على نفسها بوصفها متمردة على أنظمة استبدادية أو غير شرعية. تُساهم هذه الجماعات في تحويل الصراع من مواجهات مركزية إلى أشكال لا مركزية وغير متكافئة من الحروب.
أوضحت “دانييلا إيريرا” أستاذة العلاقات الدولية في كلية الدراسات الدفاعية المتقدمة “CASD” في روما في 30 مارس من العام 2026: “أصبحت الجهات الفاعلة غير الحكومية، ولا سيما تلك المسلحة والقادرة على استخدام العنف والقدرات العسكرية، عنصرًا أساسيًا في دراسة الأمن المعاصر. وتابعت: “تُعرف هذه الجهات على نطاق واسع بأنها أفراد وكيانات لا تمثل حكومة رسميًا، ومع ذلك تتمتع بنفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي كبير، وهي تُشكِّل بشكل متزايد أنماط العنف في المناطق المتأثرة بالهشاشة وعدم الاستقرار السياسي. ويعكس هذا تحولات أوسع في الحروب، تتسم بتزايد الصراعات الداخلية على حساب الحروب بين الدول، وخصخصة استخدام القوة”.
العلاقة بين الوكلاء والجهات الراعية: أفادت “اليوروبول” في العام 2026 أن خطر الهجمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي قد ازداد بسبب الصراع في إيران، مضيفة أن الوكلاء الموجهين من إيران ـ كجماعات الجريمة المنظمة في أوروبا ـ قد يشاركون في أنشطة مزعزعة للاستقرار في الاتحاد الأوروبي. يقدر أن مستوى التهديد الإرهابي والمتطرف العنيف على أراضي الاتحاد الأوروبي مرتفع. وقد يتجلى ذلك من خلال التطرف المحلي الذي يقوم به أفراد منفردون أو خلايا صغيرة ذاتية التكوين
ـ استخدام التخريب والعنف المحدود لتحقيق أهداف استراتيجية: يعتقد “مارك هنريشمان”، رئيس لجنة الرقابة البرلمانية على أجهزة المخابرات “PKGr” وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي “CDU” المنتمي ليمين الوسط، أن اتخاذ إجراءات انتقامية أمر من إيران وارد، وصرح “هنريشمان”: “بأن النظام الإيراني أظهر استعداده لتنفيذ أعمال إرهابية خارج حدوده”. وتشير تقارير أمنية ألمانية إلى أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية نشطة للغاية في البلاد من خلال وكلاء وعملاء، خصوصًا في مراقبة المعارضين الإيرانيين في المنفى، خاصة بعد مقتل المرشد الإيراني “علي خامنئي”، وقد تستهدف هذه الهجمات ممثلين دبلوماسيين أو مواقع عسكرية.
الحرب السيبرانية والمعلوماتية
ـ الهجمات السيبرانية: وصف الناتو التهديدات السيبرانية لأعضائه بأنها “معقّدة ومُدمّرة وقسرية”، ويزداد شيوعها، حيث تستهدف هذه الهجمات البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الطاقة والرعاية الصحية، أو قد تشمل اختراق الأنظمة وتسريب المعلومات. كما قد تشمل مهاجمة الشبكات الاقتصادية، وتعطيل الاتصالات الحيوية. تعرّضت عدة مطارات أوروبية لهجوم إلكتروني خلال سبتمبر 2025 باستخدام برامج الفدية، وفقًا لوكالة الأمن السيبراني التابعة للاتحاد الأوروبي “ENISA”. أشارت تقييمات من مجموعة من وكالات الاستخبارات إلى أن عملاء إلكترونيين مرتبطين بروسيا استهدفوا شركات لوجستية وتكنولوجية غربية في بلدان دعمت المجهود الحربي لأوكرانيا.
يوضح “روبرت هانيغان” الرئيس السابق لجهاز الأمن السيبراني والاستخبارات البريطاني (GCHQ): “إن المهاجمين يراقبون الشركات باستمرار بحثًا عن نقاط ضعف أو ثغرات في درعها السيبراني”. ويقول “هانيغان”: “إن أكثر من (80%) من الهجمات خلال السنوات الخمس الماضية جاءت من جهات خارجية في سلاسل التوريد. وقد يشمل ذلك مزوّدي البرامج أو الشركات التي تقدّم خدمات تكنولوجيا المعلومات”. الناتو وروسيا ـ أوروبا في مواجهة الحرب الهجينة، بين الاستعداد والترويج لاقتصاد الحرب
ـ التضليل والتلاعب بالمعلومات: كشف استطلاع للرأي في يناير من العام 2026 أجرته “يوروباروميتر” أن “التلاعب والتدخل والتضليل من الخارج، بما في ذلك في سياق الانتخابات”، يمثل ثاني أخطر تحد يواجه الاتحاد الأوروبي. ويتفق أكثر من (42%) من الأوروبيين مع هذا الرأي. وفي بعض الدول، يتجاوز مستوى القلق (50%). أما التحدي الثالث الأكثر صعوبة فهو داخلي، ولكنه ذو صلة موضوعية: “انعدام الشفافية فيما يتعلق بما إذا كان يتم نشر المحتوى السياسي عبر الإنترنت من خلال تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي”. ويوافق على ذلك ما يقرب من ثلث المشاركين في الاستطلاع (32%) أشار المشاركون الأوروبيون إلى “تزايد انعدام ثقة الجمهور بالمؤسسات والعمليات الديمقراطية” كسبب رئيسي.
ـ استهداف المؤسسات والمجتمعات وليس الجيوش فقط: وسعت روسيا نطاق عملها الاستخباراتي في ألمانيا، فهي لم تعد تحاول حصريًا استهداف الجيش الألماني والتأثير على الرأي العام في ألمانيا وأماكن أخرى من خلال آلاف الحسابات التي يتم التحكم فيها مركزيًا على وسائل التواصل الاجتماعي بل أصبحت مسؤولة عن عمليات العلم الزائف ويعمل على نسخة من “ويكيبيديا” لألمانيا تهدف إلى تزويدها بمعلومات مضللة عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي. يمتلك المكتب الاتحادي لحماية الدستور دلائل تحتوي على سجلات محادثات، وخطط مشاريع، وتقارير، ومذكرات تُقدم نظرة معمّقة على عمل هؤلاء الخبراء في مجال المعلومات، و تشير الوثائق الموجودة في مجموعة البيانات إلى تحركات قام بها عملاء مأجورون في ألمانيا.
الحرب الهجينة في النموذج الأوكراني، الأمريكي ـ الإيراني، السوداني
تتوسع العمليات الروسية على نطاق أوسع في العديد من العواصم الأوروبية، بعد أن رسخت موسكو الحرب المعلوماتية باعتبارها أداة دائمة في استراتيجيتها الجيوسياسية. فمنذ اندلاع حرب أوكرانيا عام 2022، لم تعد العمليات المعلوماتية الروسية مقتصرة على الدعاية وحدها، إذ تتضافر جهود التضليل الروسية مع الضربات الصاروخية والهجمات الإلكترونية والأنشطة الاستخباراتية. ويجمع هذا النهج بين الأتمتة الرقمية والتنسيق الاستراتيجي والضغط النفسي، بهدف زعزعة الاستقرار وتضليل الرأي العام.
تهدف إيران إلى زعزعة الاستقرار الداخلي عبر حملات التضليل الرقمي، لا سيما في أوروبا. وتعمل عمليات التأثير على إضعاف الثقة في الحكم والمؤسسات العامة، وتفاقم الانقسامات الأيديولوجية، وتضعف الدعم للتعاون متعدد الأطراف. ولا تُدار هذه الحملات بالضرورة تحت قيادة مركزية، لكنها تتحرك بصورة متوازية من حيث الهدف والتوقيت والنتيجة. وتتسق عمليات المعلومات الإيرانية مع استراتيجيتها غير المتكافئة الأوسع نطاقًا، إذ تعتمد إيران على أدوات غير مباشرة منخفضة التكلفة، سواء عبر وكلاء أو عمليات إلكترونية، كوسيلة لتعويض نقاط الضعف التقليدية. فعلى سبيل المثال، استخدمت جماعات إلكترونية موالية لإيران، مثل مجموعة “CyberAv3ngers” المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، مجموعة من التكتيكات لاختراق منظمات حيوية في مختلف القطاعات.
بات الصراع في السودان يُشبه حرب استنزاف مع دخوله عامه الرابع، مدعومًا باستمرار الدعم الخارجي للأطراف وتدفق الأسلحة من مصادر متعددة، مما يفاقم مخاطر الامتداد الإقليمي وديناميكيات الحرب بالوكالة. وبينما تحولت خطوط المواجهة إلى حد كبير، تزايد استخدام الطائرات المسيّرة وغيرها من الأسلحة المتطورة، مع استهداف منشآت استراتيجية في منطقة الخرطوم. وفي الرابع من مايو من العام 2026، استهدفت سلسلة من الهجمات بطائرات مسيّرة مطار الخرطوم الدولي وعدة منشآت عسكرية في العاصمة، مما أدى إلى تعطيل جميع الرحلات الجوية.
كيف يظهر البعد الاستخباري والسيبراني وغير المباشر في النماذج أعلاه؟
يظهر البعد الاستخباري بصورة أكثر مباشرة في النموذج الروسي، أما في النموذج الإيراني، فيظهر البعد الاستخباري بصورة غير مباشرة كاستخدام الشبكات والوكلاء، أما في السودان، يرتبط البعد الاستخباري بتحديد المواقع والمنشآت الاستراتيجية واستخدام المعلومات في توجيه الطائرات المسيّرة والعمليات العسكرية، ولا سيما مع تزايد الاعتماد على الطائرات الغير مأهولة. يظهر البعد السيبراني في النموذجين الروسي والإيراني من خلال عمليات التضليل الإلكترونية والهجمات السيبرانية بما يجعل المجال السيبراني جزءًا من منظومة أوسع للحرب الهجينة. أما في السودان، يأخذ البعد التكنولوجي شكلًا مختلفًا؛ إذ يرتبط أساسًا باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة في استهداف المنشآت والمواقع الاستراتيجية والبنية التحتية، وليس بالضرورة بالهجمات السيبرانية بالمعنى التقليدي. الناتو وروسيا ـ الحرب الهجينة وأدواتها في حرب أوكرانيا
**
2ـ التطرف والإرهاب نتيجة الصراعات والحروب وانعكاساتها على الأمن الدولي
تُشكل الحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة محركات رئيسية لإعادة هندسة المشهد الجيوسياسي العالمي، متجاوزةً تداعياتها الميدانية المباشرة لتخلق بيئات هشّة ومناخات مُحفزة لإنتاج وتغذية التطرف والإرهاب العابر للحدود. وفي ظل تحول صراعات القوى واسترتيجيات الحروب الهجينة، لم تعد التهديدات الأمنية حبيسة بؤر التوتر التقليدية، بل تتمدد عبر ممرات النزوح، والأزمات الاقتصادية، والاستقطاب المجتمعي، لتلقي بظلالها على الأمن والاستقرار الدوليين.
الحروب كبيئة مولدة للتطرف
تشير خبيرتا معهد بروكينغز، “فاندا فلباب-براون” و”تشارلوت ووكر-جونسون”، إلى أن المشهد المستقبلي للتهديدات العابرة للحدود يشهد تحولات جذرية ستعيد هندسة طبيعة الصراعات، حيث تعمد التنظيمات المسلحة وشبكات الجريمة إلى توظيف تقنيات متقدمة كالطائرات المسيرة ومنظومات الذكاء الاصطناعي. وعليه فإن هذه التطورات قد تؤدي إلى تراجع الارتباط التقليدي بين نفوذ تلك الجماعات والسيطرة على الأرض، لصالح مصادر تمويل رقمية مستحدثة كالجرائم السيبرانية والعملات المشفرة.
كما تسهم أدوات التصنيع الحديثة والطباعة ثلاثية الأبعاد في تقويض الاعتماد على شبكات التهريب التقليدية، بينما تتحول الأساليب الهجومية نحو التخريب الرقمي للبنية التحتية عن بعد. ونتيجة لذلك، تتخلص هذه التنظيمات من عبء الجيوش البشرية الكثيفة، لتغدو “البيانات” والتحكم بالبنية التحتية الرقمية ميدان الصراع الحقيقي الذي يتجلى في الأبعاد الهيكلية الآتية:
ـ انهيار الدولة والمؤسسات: حذّر المشاركون في فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد في الفترة من 13 إلى 15 فبراير 2026 من دخول النظام الدولي “عصر سياسات الهدم” وتصدع الشراكات التقليدية؛ حيث لفت المستشار الألماني ميرتس إلى أن صراع القوى الكبرى يتسم بالسرعة والقسوة، ويعتمد على استغلال تبعيات الآخرين وقت الحاجة. ويتطابق هذا الواقع الاستراتيجي مع أزمة انهيار الدول ومؤسساتها، إذ تتسع الفراغات الأمنية والسياسية وسط عجز الهياكل الرسمية عن الصمود أمام الأزمات المترابطة، مما يخلق بيئة رخوة تتغلغل فيها التنظيمات وتتراجع فيها كفاءة العقد الاجتماعي وحوكمة الأسواق.
ـ الفراغ الأمني: برز “الفراغ الأمني” كقضية استراتيجية مركزية في تقييمات عام 2026، نتيجة لتآكل السلطة المركزية وعجز الهياكل التقليدية عن ضبط التهديدات المتصاعدة. وفي هذا الصدد، تشير تقديرات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن: “تراجع كفاءة إدارة النزاعات متعددة الأطراف وتفشي الجماعات المسلحة في الفراغات السلطوية يستمران في تغذية عدم الاستقرار الإقليمي، متجاوزين قدرة أطر حفظ السلام”. ويؤدي هذا التراجع المؤسسي إلى غياب سيادة القانون، مما يسمح للجهات الفاعلة من غير الدول بتعزيز نفوذها وملء الشواغر التي تركتها مؤسسات الدولة المتهالكة، الأمر الذي يضعف العقد الاجتماعي ويزيد من تعقيد التدخلات الدولية الرامية لاستعادة الاستقرار.
ـ النزوح والتهجير: تمثل أزمة النزوح والتهجير القسري أبرز التداعيات الهيكلية لتصدع البنى الأمنية واتساع رقعة الفراغات السلطوية؛ إذ تشير نقاشات وتقارير تشاتام هاوس Chatham House لعام 2026 إلى أن: “اتساع نطاق الأزمات الإقليمية واستمرار حالة عدم الاستقرار يفجران موجات تهجير واسعة النطاق تضغط بشدة على البنى التحتية والدول المضيفة، مما يحول التحديات الإنسانية إلى أزمات استراتيجية مستدامة تعيق جهود السلام والاستقرار في مناطق النزاع”. ويمثل هذا التدفق البشري الضغط الديموغرافي الأبرز الذي يختبر قدرة المنظومة الدولية على الاستجابة الفاعلة للتغيرات الأمنية المتسارعة. مكافحة الإرهاب والتطرف في أوروبا: المفهوم، الاستراتيجيات، والتحديات الأمنية
ـ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: تشكل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية انعكاساً مباشراً لتصدع البنى المؤسسية، إذ تفيد تحليلات مؤسسة بروكينغز Brookings Institution لعام 2026 بأن: “التجزئة الجيوسياسية واضطرابات الأسواق العالمية تدفعان نحو تآكل حاد في مستويات الدخل، مما يخلق بيئات اجتماعية هشة تفتقر إلى مقومات الاستقرار والنمو”. ولا يقتصر أثر هذا التراجع على الجانب المعيشي فحسب، بل يمتد ليصبح وقوداً محفزاً لانتشار التطرف والإرهاب؛ فمع تلاشي الفرص الاقتصادية وتدهور الخدمات الأساسية، تجد الجماعات المتطرفة في صفوف الشباب المهمشين بيئة خصبة للاستقطاب والتحريض. وهكذا، تتحول الأزمات الاقتصادية من مجرد تحديات مالية إلى محركات أمنية خطيرة تمنح التنظيمات الإرهابية فرصة لملء الفراغ، مستغلةً حالة السخط الشعبي لتعزيز نفوذها وتفكيك الروابط الوطنية.
ـ التجنيد والتطرف: تسعى الجماعات المتطرفة باستمرار إلى استغلال الفجوات الاجتماعية والسياسية لتحقيق أهدافها الاستقطابية؛ إذ إن تراكم الأزمات وغياب العدالة الاجتماعية يخلقان بيئة خصبة تتيح للتنظيمات المتطرفة استغلال مشاعر الإحباط والسخط لدى الفئات المهمشة لدفعها نحو مسار التجنيد والتبعية. ومع التطور التكنولوجي المتسارع، باتت هذه التنظيمات توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات تحليل البيانات لإنتاج دعاية موجهة، وتوليد محتوى مضلل يتكيف مع اهتمامات كل فئة مستهدفة لتأجيج الأزمات وتسريع وتيرة التأثير الرقمي. ويتحول هذا التوظيف الممنهج للأزمات المجتمعية والأدوات التقنية الحديثة إلى أداة فاعلة لتوسيع شبكات العنف والتطرف، مما يضاعف من حجم التهديدات الأمنية ويعيق جهود تحقيق الاستقرار. الذكاء الاصطناعي ـ كيف تحولت الجماعات المتطرفة إلى شبكات رقمية عابرة للحدود؟
من ساحة الحرب إلى البيئة الدولية
تتجاوز ارتدادات النزاعات المسلحة حدودها الجغرافية الضيقة لتلقي بظلالها الثقيلة على الأمن الإقليمي والدولي؛ إذ تشير أحدث التقارير الصادرة في 16 يناير 2026 إلى أن: “تداعيات الحروب المعاصرة لا توتّر محيطها المباشر فحسب، بل تعيد تشكيل البيئة الدولية عبر تصدير الفوضى وكسر الحواجز الأمنية بين الدول”. ويمثل هذا التداخل العابر للحدود تحولاً خطيراً يحيل النزاعات المحلية إلى أزمات عالمية تختبر صلابة المنظومة الأمنية الدولية وتفرض تحديات استراتيجية جديدة تتجاوز قدرة الدول منفردة على احتواائها.
ـ انتقال الأفراد والأفكار والخبرات القتالية: لا تقتصر تداعيات النزاعات على الخسائر الميدانية المباشرة، بل تمتد لتشكل ممرات عابرة للحدود تنقل المقاتلين والأفكار الراديكالية؛ إذ يشير تقرير صادر في السادس من مايو 2026 إلى أن: “تصدع الجبهات الداخلية وانفراط عقد الأمن الإقليمي يسهلان حركة الأفراد والخبرات القتالية نحو بيئات جديدة، مما ينقل عدوى العنف والفكر المتطرف إلى دول ومناطق لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع الأصلي”. ويتجلى هذا الواقع بوضوح في العمليات الأمنية الأخيرة بسوريا، والتي أسفرت عن توقيف مقاتلين أجانب وعناصر وافدة عابرة للحدود، مما يمثل تحدياً أمنياً خطيراً يغذي خلايا كامنة ويخلق شبكات ارتباط معقدة بين بؤر التوتر المختلفة، معيداً إنتاج الأزمات بصيغ أكثر شمولاً وخطورة.
ـ شبكات التجنيد والتمويل: تعتمد التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة على آليات مرنة لتوسيع نفوذها واستدامة عملياتها؛ إذ يشير تقرير أعده الكاتب شتيفان شتاينباخ في الرابع من مارس 2025 إلى أن: “شبكات التطرف والإرهاب طوّرت أساليبها لتستغل الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في استقطاب العناصر الجديدة وتأمين مصادر تمويل خفية”. ويوضح التقرير أن هذا التحول الاستراتيجي نحو التجنيد الافتراضي يتيح لهذه التنظيمات تجاوز القيود الأمنية التقليدية، مما يسهل عليها الوصول إلى الفئات الهشة، وتعبئة الموارد المالية، وإدارة شبكاتها المعقدة بمعزل عن الرقابة المباشرة.
ـ التأثير الرقمي للحروب: لم تعد ساحات القتال مقتصرة على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل فضاءات شبكية واسعة تستخدم فيها التكنولوجيا كأداة توجيه وتعبئة؛ إذ يشير تقرير صادر في 14 يونيو 2026 إلى أن: “التأثير الرقمي للحروب بات يلعب دوراً محورياً في صناعة الرأي العام، وتوجيه مسار الصراعات، وتسريع وتيرة الاستقطاب العابر للحدود”. ويوضح التقرير أن استغلال المنصات الرقمية لترويج الدعاية وتنسيق العمليات يعقّد الجهود الأمنية ويجعل مواجهة هذه الشبكات تتطلب أدوات استباقية تتجاوز العمل العسكري التقليدي.
ـ احتمالات عودة المقاتلين أو ظهور أجيال جديدة من المتطرفين: أخذت التهديدات الأمنية أشكالاً متجددة مع تفكك البنى الميدانية للجماعات المسلحة؛ إذ أشار تقرير صدر في17إبريل 2026 إلى أن: “المقاتلين الأجانب المعتقلين في شمال شرق سوريا مثلوا هاجساً أمنياً رئيسياً، سيما مع تزايد مخاوف عودة نشاط التنظيمات المتطرفة وفرار بعض المعتقلين من المخيمات مثل مخيم الهول”. ووضح التقرير أن عمليات نقل آلاف المعتقلين المرتبطين بتنظيم داعش -والتي شملت عناصر من حملة الجنسيات الأوروبية كالألمان والفرنسيين- من السجون السورية إلى المرافق العراقية وضعت دول الاتحاد الأوروبي أمام تحديات قانونية وأمنية معقدة، تمثلت في التعامل مع تطبيق عقوبة الإعدام وتفادي تجدد الأجيال القتالية العابرة للحدود.

أوكرانيا كنموذج
وفرّ النزاع في أوكرانيا مرجعاً عملياً لاختبار تكتيكات الحرب المعاصرة وأساليب الاستنزاف الميداني؛ إذ أشار تقرير صادر في 24 يوليو 2026 إلى أن: “مراحل الحرب الحاسمة فرضت تبني تقنيات غير مسبوقة في العمليات العسكرية والضربات الموجهة”. وفي هذا السياق، يرى الخبير صامويل شاراب أن الدور الأوروبي لا يجب أن يقتصر على الدعم العسكري، بل استدعى تهيئة المسارات الدبلوماسية لدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات وصياغة ترتيبات تمنع تفاقم الصراع. وقد تجاوزت هذه التجربة الأطر العسكرية الضيقة لتشكل اختباراً لكفاءة المنظومة الأمنية الأوروبية برمتها، ممهدة الطريق نحو وقائع استراتيجية فرضت على العواصم الأوروبية التعامل مع تداعيات أمنية بالغة التعقيد تمتد إلى خارج حدود القارة.
التداعيات الأمنية للحرب على أوروبا: أحدثت الأزمة الأوكرانية هزة استراتيجية عميقة وتحولات هيكلية أعادت هندسة عقيدة الأمن والدفاع الأوروبي؛ فقد بيّن تقرير لمؤسسة راند في 22 مايو 2025 أن الحرب دفعت القادة لإعادة تقييم أدوات إدارة الطوارئ ومواجهة التهديدات المستقبلية. وفرضت هذه البيئة ضغوطاً لمضاعفة ميزانيات الدفاع وحماية البنى التحتية الحساسة. وتداخلت هذه التحولات مع احتمالات عودة المقاتلين وظهور أجيال جديدة من المتطرفين؛ إذ استغلت التنظيمات الإرهابية حالة الانكشاف الأمني وثغرات الحدود الناشئة عن الحرب، مما أجبر الأجهزة الأمنية على مواجهة مزدوجة تجمع بين احتواء صراعات القوى الكبرى وكبح جماح شبكات الإرهاب العابر للحدود.
النموذج الأمريكي ـ الإيراني
أفرزت الأزمات الميدانية المتلاحقة تحولات عميقة في طبيعة الاشتباك الإقليمي؛ فقد بيّن تقرير صدر في الثالث من مارس 2026 أن: “الصراعات الإقليمية لعبت دوراً محورياً في تنشيط أنماط العنف غير المباشر، حيث اعتمدت الأطراف المتصارعة على استراتيجيات الحرب بالوكالة لتجنب المواجهة المباشرة”. وقد أدت هذه الاستراتيجيات المدمّرة إلى إطالة أمد الحروب وتفكيك سيادة الدول، مما وفر بيئة خصبة ومثالية لتكاثر التنظيمات الإرهابية، وتسهيل اندماج شبكات التطرف المسلح في الصراعات المحلية والإقليمية. الأمن الدولي في الرؤية الأوروبية: كيف تنظر دول أوروبا إلى تهديدات إيران؟
تعكس مؤشرات الصراع الأمريكي الإيراني تصاعد الهجمات الإرهابية عالمياً نتيجة لجوء طهران إلى شبكات الوكلاء للرد على استهداف مصالحها، عبر عمليات مركزية وأعمال لامركزية ينفذها أفراد متعاطفون تستهدف السفارات والمصالح الغربية والإسرائيلية. كما تسعى تنظيمات كالقاعدة وداعش لاستغلال حالة الفوضى الجيوسياسية للعودة إلى المشهد الأمني. وقد رصدت الأجهزة الأمنية مؤشرات مبكرة لتلك التهديدات بتفكيك خلايا تخريب وتأمين منشآت حيوية، مما دفع وكالات الاستخبارات في أمريكا وأوروبا لرفع مستوى التأهب الأمني وشدد الرقابة حول البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحساسة، وسط توقعات ببقاء مستوى التهديد مرتفعاً طوال فترة الأزمة وما بعدها.
أكد الخبير الأمني كايل وانكينز، في تقرير له نشر بتاريخ 22 أغسطس 2026، أن إيران تعتمد على شبكة وكلاء مرنة لبسط نفوذها الخارجي مع تفادي الانزلاق نحو صراع عسكري مباشر. ويرى وانكينز أن طهران تمنح الأولوية المطلقة للفعالية العملياتية والولاء على حساب التوافق الأيديولوجي الصارم. كما يوضح أنه على الرغم من الضغوط الميدانية، إلا أن شبكة التهديد الإيرانية تتكيف بمرونة مفرطة عبر اللامركزية. ويشير التحليل إلى توسع نشاط هؤلاء الوكلاء بشكل ملحوظ داخل الساحة الأوروبية، حيث يفيد بأن الاعتماد المتزايد على المجندين المحليين والشبكات الإجرامية يخلق تهديدات أمنية بالغة التعقيد. وتخلص القراءة إلى أن هذا التقارب المستجد بين الإرهاب والجريمة المنظمة يفرض تحديات جوهرية تعطل كفاءة جهود مكافحة الإرهاب التقليدية.
أفادت التقارير الاستراتيجية الصادرة في منتصف أغسطس 2026 بأن تصاعد الهجمات الميدانية التي تستهدف البنية التحتية لقطاع الطاقة في المنطقة قد ضاعف من المخاطر التي تواجهها شرايين التجارة العالمية. وأشارت التحليلات إلى أن استمرار التهديدات الموجهة ضد منشآت التكرير والممرات البحرية الحيوية فرض ضغوطاً واسعة على الأسواق الدولية، مما دفع الدول الكبرى والشركات الغربية إلى تبني مسارات بديلة وإجراءات طارئة لتأمين إمدادات الوقود وحماية خطوط الملاحة من التداعيات المستمرة للأزمة.
تتجسد خطورة الأزمة الراهنة في السودان في الترابط الوثيق بين أزمات الهجرة الجماعية وحركة النزوح القسري، والتي أدت إلى تفريغ واسع للمناطق الحيوية ومضاعفة أعباء دول الطوق الإقليمي بحسب التقرير الصادر في التاسع من يناير 2026. وتوثق التقارير الدولية أن هذه الموجات البشرية الضخمة خلقت فراغاً أمنياً وبيئة حدودية سارعت شبكات التطرف لاستغلالها والانخراط فيها. ومع استمرار تدهور الظروف المعيشية وغياب مقومات الاستقرار، تجد التنظيمات الإرهابية مناخاً مناسباً لتغذية عمليات الاستقطاب والتجنيد مستغلة الفئات المتضررة في مخيمات اللجوء وطرق الهجرة غير النظامية، مما يربط بين تفاقم الأزمات الإنسانية وصعود التهديدات الأمنية العابرة للحدود. ويشير التقرير إلى أن غياب التمويل الكافي لخطط الاستجابة الإنسانية يضاعف من سرعة تحول الكتلة البشرية المتضررة إلى ورقة ضغط أمنية، مما يجعل الحصار المفروض على مسارات الإغاثة عاملاً مساعداً في تغذية دوامة العنف وإطالة أمد المخاطر الإقليمية والدولية المرتبطة بهذه الأزمة.
يُشخص تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر بتاريخ 13 أغسطس 2026 “النموذج اليمني” كأحد أخطر مهددات الأمن الإقليمي والملاحة، لاستخدام باب المندب كأوراق ضغط استراتيجية. وتشير التحليلات إلى أن استمرار استهداف خطوط الشحن أدخل المنطقة في تصعيد يضاعف أعباء التجارة العالمية وتهديدات الإقليم، مما يفرض ضغوطاً دولية لإيجاد مقاربات تحول دون تحول الممرات لساحات مواجهة. كما تشير التقديرات إلى أن الانكشاف الأمني بالبيئات الساحلية يهدد بخلق فراغات تنشط فيها شبكات التطرف والإرهاب للاستفادة من تعقيدات المشهد البحري في التهريب وربط الجبهات، مما يجعل التحديات مرتبطة بكبح هذه المخاطر على امتداد الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية وخليج عدن.
أوروبا كمساحة لتلقي التداعيات
تمثل القارة الأوروبية الميدان الأبرز لتلقي ارتدادات الأزمات المتسارعة في مناطق الجوار الإقليمي والشرق الأوسط، حيث تنتقل تداعيات الاضطرابات الأمنية والنزاعات المسلحة بسرعة عابرة للحدود لتصيب الاستقرار الداخلي للقارة. فاستمرار الصراعات وأزمات النزوح الإنساني، جنباً إلى جنب مع تصاعد التهديدات الجسيمة في الممرات البحرية الاستراتيجية كمضيق باب المندب وخليج عدن، لم يعد محصوراً في إطاره الجغرافي الضيق؛ بل يفرض ضغوطاً هيكلية ومباشرة على المنظومة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الأوروبية.
وفي ظل هذا الترابط المعقد بين أزمات الجوار المشتعلة والعمق الاستراتيجي الأوروبي، تجد العواصم الأوروبية نفسها في مواجهة حتمية مع سلسلة من الارتدادات المباشرة التي تختبر قدرة مؤسسات الاتحاد على احتواء الأزمات الخارجية. وتتجلى هذه التداعيات في تصاعد التهديدات الأمنية المتمثلة في شبكات التططرف والهجرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الحادة المرتبطة بسلاسل الإمداد وأمن الطاقة، فضلاً عن الانقسامات المجتمعية الداخلية التي تعيد تشكيل المشهد السياسي والقارّي بأكمله.
ـ الإرهاب والتطرف: تشير التقارير الاستراتيجية الصادرة عن معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي لعام 2026 إلى أن البيئة الأمنية للقارة تواجه ضغوطاً متصاعدة وهجمات هجينة تستهدف البنية التحتية واستقرار الدول الأعضاء. ومع تراجع مظلة الردع التقليدي واتساع رقعة الفراغات الأمنية في مناطق الجوار الإقليمي، تجد العواصم الأوروبية نفسها عرضة لمخاطر هيكلية عابرة للحدود. ويحذر مراقبون من أن تراجع الاستقرار في الجوار الإفريقي والشرق أوسطي يفتح باباً واسعاً أمام شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود؛ حيث تعمد التنظيمات المتطرفة إلى إعادة تموضعها واستغلال هشاشة الحدود والاضطرابات الميدانية لتأمين مصادر تمويل جديدة وتسهيل حركة العناصر المقاتلة. وتؤكد هذه القراءات أن الارتباط الوثيق بين الحروب الهجينة التي تقودها قوى معادية وتنامي شبكات التطرف يفرض على الأجهزة الأمنية الأوروبية تحديات مزدوجة لصد الاختراق الرقمي والبشري، وحماية الج الجبهة الداخلية من التهديدات المتشابكة.
ـ الهجرة واللجوء والأمن الحدودي: تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 أن اتساع نطاق النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط – وتحديداً التداعيات الميدانية في لبنان وسوريا وتأثيرات الأوضاع في إيران وباكستان وأفغانستان – أدى إلى موجات نزوح واسعة تجاوزت المليون نازح داخلياً في لبنان، بالإضافة إلى عشرات آلاف العابرين للحدود نحو سوريا ودول الجوار. وتفرض هذه الأزمات الإنسانية المتسارعة ضغوطاً هيكلية ولوجستية بالغة التعقيد على البنى التحتية المحلية ومجتمعات الاستضافة. وفي سياق تداعيات هذه الحروب المستمرة، تحذر التقارير الأمنية من أن استمرار حالة الهشاشة وانفلات المسارات الحدودية يوفر بيئات خلفية وثغرات خطيرة تستغلها شبكات الجريمة المنظمة والتنظيمات المتطرفة لتسهيل تمرير عناصر عابرة للحدود، مما يربط أزمة اللجوء والنزوح بشكل وثيق بتصاعد مخاطر التطرف والإرهاب داخل القارة.
ـ الاستقطاب المجتمعي: تتسبب التداعيات المستمرة للنزاعات والضغوط الاقتصادية وأزمات الهجرة في تصاعد حاد لحالة الاستقطاب المجتمعي والسياسي داخل الدول الأوروبية، حيث تبرز أمثلة واضحة في تآكل تماسك النسيج الاجتماعي وانقسام الشارع في دول محورية مثل المجر وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والدنمارك وإيطاليا بين تيارات تدعو للتشدد وأخرى تتمسك بقيم الوسطية. وتشير تحليلات معهد بروكنجز الصادرة في يونيو 2026 إلى أن هذا الانقسام المتنامي يعيد تشكيل المشهد الحزبي ويختبر بحدة تماسك القارة؛ وفي ظل هذا المناخ المشحون، تحذر الدوائر الأمنية من أن تفكك التضامن المجتمعي يمنح شبكات التطرف والإرهاب بيئة خصبة ومثالية لتسريع عمليات التجنيد الرقمي وتشكيل خلايا نائمة بين الفئات المهمشة، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف المناعة المجتمعية للقارة، ويسهل على التنظيمات المتطرفة اختراق جبهتها الداخلية وتهديد أمنها القومي.
ـ أمن الطاقة: تلقي الصدمات المتلاحقة لأسواق الطاقة بظلال ثقيلة على الاستقرار الاقتصادي والمعيشي في عمق القارة الأوروبية، لا سيما مع اندلاع أزمات الإمداد المرتبطة بالتوترات العسكرية والعمليات المرتبطة بالملف الإيراني. وتسلط صحيفة The Guardian لعام 2026 الضوء على تداعيات هذه الصدمات داخل أوروبا، حيث تواجه الحكومات موجات غير مسبوقة من التضخم وارتفاع فواتير الكهرباء التي تثقل كاهل الأسر والمصانع على حد سواء. تشير التقارير الأمنية إلى أن حالة الإنهاك المعيشي واتساع فجوة عدم المساواة تخلقان بيئة حاضنة ومناخاً مشحوناً، تستغله شبكات التطرف والإرهاب لنشر خطاباتها التخريبية وتجنيد الفئات الأكثر تضرراً، مما يجعل أمن الطاقة حلقة وصل مباشرة تتغذى منها مخاطر زعزعة الاستقرار الداخلي.
ـ تهديدات البنية التحتية والمصالح الأوروبية خارج الحدود: تُوجّه التقارير الاستراتيجية الصادرة عن معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي لعام 2026 تحذيرات بالغة الأهمية من تصاعد المخاطر المباشرة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والمصالح الحساسة لأوروبا، سواء عبر التخريب المتعمد لشبكات الاتصالات وخطوط الطاقة تحت البحر، أو من خلال التعرض للممرات المائية واللوجستية خارج الحدود. وتشير التحليلات إلى أن هذه العمليات الهجينة العابرة للحدود تهدف إلى شل المرافق الحيوية وتعطيل سلاسل الإمداد وإرباك الأسواق الأوروبية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. وتؤكد الدوائر الأمنية أن استمرار هشاشة البنى التحتية وتكشف خطوط الإمداد الاستراتيجية يوفر ثغرات واسعة ومثالية تستغلها شبكات التطرف والتنظيمات الإرهابية لتنفيذ ضربات سيبرانية أو مادية تكاملية مع التهديدات الجيوسياسية، مما يجعل حماية المنشآت الحيوية خط الدفاع الأول لضمان استقرار القارة وأمنها القومي.
**
3ـ التجسس والإرهاب ـ أوروبا في مواجهة الحروب الهجينة
دفعت التحولات الأمنية والجيوسياسية على مدار السنوات الأربع الماضية، الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة مفهوم الاستراتيجية العسكرية، وإعداد نموذج أمني أوروبي جديد قادر على مواجهة التهديدات الحالية، ويتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع مستجدات المرحلة. ويعني ذلك ابتعاد أوروبا تدريجيًا عن مشروعها التقليدي للسلام، الذي تأسس عليه الاتحاد الأوروبي بعد نهاية الحرب الباردة. وبات الاستقلال الاستراتيجي تدريجيًا هدفًا للتكتل الأوروبي، في أعقاب الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسياساته المغايرة تجاه حلفائه، والتي تهدد أمنهم.
كيف تغير مفهوم الأمن الأوروبي؟
ـ من حماية الحدود إلى حماية المجتمع: تحول تركيز الاتحاد الأوروبي من النهج العسكري لحماية الحدود إلى استراتيجية الجاهزية لمواجهة مختلف أنواع التهديدات. إذ أطلقت المفوضية الأوروبية، في 26 مارس 2025، استراتيجية “اتحاد التأهب” لتعزيز قدرة الاتحاد على توقع الأزمات والوقاية منها والاستجابة السريعة لها. وطالبت مفوضة التأهب وإدارة الأزمات هادجا لحبيب، سكان الاتحاد بتجهيز حقيبة طوارئ تكفي (72) ساعة، مؤكدة أن تهديدات اليوم التي تواجه أوروبا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
تشمل أهداف الاستراتيجية بناء احتياطي استراتيجي، يضم طائرات إطفاء الحرائق، ومعدات طبية وطاقية ونقل، وأصولًا متخصصة لمواجهة التهديدات البيولوجية والكيميائية والنووية، إلى جانب إنشاء مراكز تابعة للاتحاد لتنسيق الأزمات، لتحسين التكامل بين هياكل إدارة الأزمات الحالية بالاتحاد. تركز هذه الاستراتيجية على تعزيز مرونة المجتمع وجاهزيته بالتوازي مع الجاهزية المدنية والعسكرية. وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على أن الواقع الجديد يتطلب مستوى جديدًا من التأهب في أوروبا، وامتلاك أدوات مناسبة لمنع الأزمات أو للتفاعل السريع عند وقوعها. وقدمت المفوضية الأوروبية، في 1 أبريل 2025، الاستراتيجية الأوروبية للأمن الداخلي “ProtectEU”، التي تجمع بين حماية البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، ومكافحة التهديدات الأمنية والهجينة، بعد تضرر (10) كابلات بحرية تربط منطقة البلطيق منذ 2022، ووقعت (7) من هذه الحوادث خلال الفترة (نوفمبر 2024- يناير 2025).
ـ صعود مفهوم الأمن الشامل: اعتمد الاتحاد الأوروبي أول إطار أمني شامل له، وهو استراتيجية الأمن الأوروبي لعام 2003، بعد دخول معاهدة “ماستريخت” حيز التنفيذ. وحُدثت هذه الاستراتيجية في 2016. إلا أن حرب أوكرانيا والتهديدات الهجينة والهجمات السيبرانية، دفعت الاتحاد إلى إطلاق مجموعة من الاستراتيجيات الأمنية المترابطة. قدمت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، في 19 مارس 2025، “الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبي – الجاهزية 20230″، الذي (7) مجالات للاستثمار الدفاعي، من بينها حماية البنية التحتية الحرجة، والدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة المدفعية والذخائر والمسيرات، والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية. وترافق الكتاب الأبيض خطة إعادة تسليح أوروبا 2030، التي تسعى لحشد ما يصل (800) مليار يورو لتعزيز البنية التحتية الدفاعية الأوروبية، ما يعني استعداد أوروبا لبناء نهج استباقي تجاه الأمن.
ونظرًا لتزايد أشكال التحديات الأمنية، قدمت المفوضية والممثل الأعلى للاتحاد، في 12 نوفمبر 2025، مبادرة “الدرع الأوروبي للديمقراطية” لمواجهة تهديدات متزايدة التعقيد، مثل التدخل في الفضاء المعلوماتي “FIMI” والتلاعب بالمعلومات والتهديدات الهجينة، التي تستهدف التأثير على الانتخابات وتآكل الثقة في مؤسسات الدول. كما أطلقت “المركز الأوروبي للمرونة الديمقراطية”، لتعزيز المواطنة والمهارات الرقمية، وإطلاق برنامج مرونة إعلامية لجميع الفئات العمرية في الحضر والريف. الحرب الهجينة وانعكاساتها على أمن البلطيق؟
ـ تداخل الأمن الداخلي والخارجي: يواصل التكتل الأوروبي تطوير منظومته الأمنية، من خلال توسيع أدوار الوكالات الداخلية لتصبح أدوات ذات بعد أمني خارجي، ومن بينها وكالة “يوروبول” ويسعى الاتحاد لتعزيز دورها إلى وكالة إنفاذ قانون تشغيلية بالكامل في 2026، وتقوية دور وكالتي “فرونتكس” و”يوروجست”، وتأسيس نظام اتصالات حرجة أوروبي في 2026، لدمج مهام الشرطة الداخلية مع حرس الحدود الخارجية. تمثل هذه السياسات امتدادًا للتوجيه التأسيسي لفرق الاستجابة السريعة الهجينة الأوربية، التي تم اعتمادها في مايو 2024، للتحرك السريع عبر الحدود الوظيفية بين التهديدات الداخلية والخارجية.
في إطار مواكبة المستجدات الأمنية الدولية، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في يناير 2026، عن نيتها لصياغة استراتيجية أمنية أوروبية جديدة، وكررت الدعوة بمؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2026. ومن المتوقع نشر الاستراتيجية في سبتمبر 2026، بحلول خطاب حالة الاتحاد الأوروبي. تعد هذه الخطوة لافتة، نظرًا لأنها جاءت عقب (4) سنوات من اعتماد البوصلة الاستراتيجية. ويرى بيير فيمونت، زميل بارز في مؤسسة كارنيغي أوروبا، أن التحولات التي شهدتها أوروبا بداية من حرب أوكرانيا والهيمنة الاقتصادية الصينية، وصولًا إلى تحول الولايات المتحدة من الحليف الأكثر ثقة إلى شريك غير موثوق به، أدت إلى تغلغل المخاوف الأمنية في جميع السياسات متجاوزة القطاع العسكري بكثير، لتشمل الاعتماد الاقتصادي المفرط من الطاقة إلى التطبيقات الرقمية والمعادن الحيوية، وخطر استغلالها لأغراض سياسية.
وترى أوريلي فيتو، زميلة زائرة بمركز أوروبا التابع للمجلس الأطلسي، الدافع وراء الاستراتيجية المتوقع إطلاقها، يرتبط بتصاعد الضغوط الأمريكية على غرينلاند، وتصعيد روسي متوقع، لاسيما وأن واشنطن ستقدم دعمًا أكثر محدودية مستقبلًا، ما يؤدي إلى تحول التعاون عبر الأطلسي إلى طابع معاملاتي في مجالات بيع الأسلحة والتعاون الصناعي وتبادل الاستخبارات.
أوروبا في مواجهة التجسس والتخريب
ـ النشاط الاستخباري: اتبع التكتل الأوروبي سياسة مزدوجة تجمع بين إجراءات مواجهة التضليل المعلوماتي بجانب العقوبات، لمواجهة التهديدات الاستخبارية، ولاسيما مع تصاعد التوترات مع روسيا. أضاف المجلس الأوروبي في 16 مارس 2026، (4) أفراد لقائمة العقوبات الأوروبية، بسبب أنشطة التضليل بالمعلومات، ضمن التدابير التقييدية بشأن أنشطة روسيا المزعزعة للاستقرار. فرض الاتحاد الأوروبي، في 13 يوليو 2026، عقوبات على ضباط استخبارات عسكرية روس وقراصنة وشركات خاصة، واستهدفت العملية (9) أشخاص و(4) كيانات متهمين بالارتباط بشبكة تجسس إلكترونية، مستهدفة حكومات وبنية تحتية حيوية في عدة دول من بينهم، فرنسا وألمانيا وبولندا، وهولندا، والنمسا، وسلوفاكيا.

ـ حماية المنشآت الحيوية: تركز سياسات الاتحاد الأوروبي على توجيه مرونة الكيانات الحرجة “CER”، الذي يعالج المرونة المادية وغير السيبرانية، وضمان حماية واستمرارية البنية التحتية الحيوية والخدمات الأساسية، وتوجيه أمن الشبكات والمعلومات “NIS2″، الذي يعد أول تشريع شامل للأمن السيبراني على مستوى الاتحاد، لدعم الحماية برؤية أكثر صرامة.
ـ أمن الطاقة والاتصالات والكابلات البحرية: اعتمدت المفوضية والممثل الأعلى للاتحاد، في 21 فبراير 2025، “خطة عمل الاتحاد الأوروبي لأمن الكابلات”، لتغطي دورة المرونة الكاملة المتمثلة في الوقاية، والكشف، والاستجابة، والتعافي، والردع. نشرت مجموعة خبراء الكابلات، في 23 أكتوبر 2025، تقييم مخاطر أوروبي شامل للبنية التحتية للكابلات البحرية، وشكل أساس صندوق “أدوات أمن الكابلات” الجديد. تم تخصيص (420) مليون يورو سابقًا لدعم (51) مشروع اتصال سياسي، مع تمويل إضافي (540) مليون يورو بين (2025-2027) لمشاريع البنية التحتية الرقمية، بما يتضمن الكابلات البحرية الذكية، ويبلغ إجمالي التمويل مليار يورو ضمن برنامج “CEF” الرقمي. خصصت المفوضية، في 5 فبراير 2026، (347) مليون يورو إضافية لمشاريع الكابلات البحرية الاستراتيجية، من أصل (533) مليون يورو مخصصة ضمن برنامج العمل الحالي (2024-2027)، وخصصت منها (186) مليون يورو لـ (25) مشروعًا.
ـ التهديدات المرتبطة بالمجالين الجوي والبحري: استجابت المفوضية، في 11 فبراير 2026، لدعوات برلمانية، لاتخاذ موقف تجاه الانتهاكات الروسية في المجال الجوي لدول الاتحاد في 2025، والمسيرات وأنظمة الحرب الجديدة وحاجة الاتحاد للتكيف مع البيئة الأمنية المتغيرة. ونشرت المفوضية “خطة العمل بشأن أمن الطائرات المسيرة ومكافحتها”. ركزت الخطة على تعزيز التأهب عبر تسريع التطوير التقني والإنتاج الصناعي، وتقوية الكشف باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكات “5G”، وتقوية الجاهزية الدفاعية عبر التعاون الصناعي والابتكاري، وتنسيق الاستجابة عبر أنظمة مكافحة مسيرات أوروبية موحدة وفرق طوارئ.
المسيرات والحرب السيبرانية والمعلوماتية
ـ المسيرات: تسببت حادثة اختراق (19) مسيرة روسية المجال الجوي البولندي في ليل (9-10) سبتمبر 2025، في إغلاق بعض مطارات وارسو وإطلاق أعلى حالة تأهب للناتو منذ بداية 2022، وجاء بعدها حادث مماثل للمجال الجوي الروماني، ما دفع بوخارست لإقلاع مقاتلات اعتراضية استجابة لأي تهديد محتمل. هذه الحوادث تشير إلى قدرة المسيرات على تعطيل حركة المطارات، كونها أداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير، ولديها قدرة على مراوغة أنظمة الرادار التقليدية. سرعان ما أطلقت المفوضية مبادرة “جدار المسيرات الأوروبي”، كمنظومة دفاعية جوية متكاملة متعددة الطبقات، ومن المتوقع تشغيلها بحلول نهاية 2027، لحماية الأجواء الأوروبية من تهديدات المسيرات والحروب الهجينة.
ـ الهجمات السيبرانية: أوضح تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني”ENISA”، في تحليله لـ (4875) حادثة سيبرانية خلال الفترة (1 يوليو 2024- 30 يونيو 2025)، أن هجمات “حرمان الخدمة الموزع” شكلت (77%) من إجمالي الحوادث المبلغ عنها، ونفذ أغلبها ناشطون سيبرانيون وليس مجرمين إلكترونيين. وجاء التصيد الاحتيالي في المرتبة الأولى بين متجهات الوصول الأولي بنسبة (60%)، يليه استغلال الثغرات الأمنية بنسبة (21.3%). برزت قطاعات النقل والملاحة البحرية أهداف استراتيجية. وشكلت الهجمات على القطاع الحكومي (38%) من إجمالي الحوادث، إضافة إلى (82) نوعًا مختلفًا من برمجيات الفدية النشطة، وتسجيل أكثر من (42,595) ثغرة أمنية جديدة. وقال المدير التنفيذي لـ “ENISA”، جوهان ليباسار، إن “الأنظمة والخدمات اليومية مترابطة، لذا أي اضطراب في أحد أطرافها يمكن أن يؤثر على سلسلة التوريد بأكملها”.
ـ تضليل الرأي العام: أفاد تقرير جهاز العمل الخارجي الأوروبي “EEAS”، في مارس 2026، واستنادًا إلى التحقيق في (540) حادثة موثقة خلال 2025، وشملت نحو (10,500) قناة ومنصة اجتماعية. وارتبطت (35%) منها بجهات حكومية و(29%) منها بروسيا، و(6%) بالصين. واستهدفت حملات تضليل الانتخابات في ألمانيا وبولندا ورومانيا ومولدوفا والتشيك خلال 2025، وكانت أوكرانيا هدفًا رئيسيًا لهذه الحملات لإضعاف الدعم الدولي لها والتشكيك في شرعية الحكومة.
ـ تحديد مصدر الهجوم: أوضح معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن، أن بعض حوادث إطلاق المسيرات يصعب تحديد مصدرها، مثل المسيرات مجهولة الهوية التي تم إطلاقها على مطارات دنماركية، وتجسست على قواعد عسكرية في ألمانيا والدنمارك والسويد. وتجاوز النشاط الروسي الهجين في الدول الأوروبية خلال 2025 مقارنة بالحوادث في 2024. أشارت منظمة “GLOBSEC” إلى أن الكرملين يستغل حالة عدم اليقين، وغياب التوجه الاستراتيجي الموحد في أوروبا بشأن الاستجابة السريعة لعمليات الاختراق الجوي والبحري، لإقناع القادة الأوروبيين بأن تقديم دعم أكبر لأوكرانيا يخاطر بتفجير تصعيد مباشر مع روسيا. ملف حرب أوكرانيا ـ من الجبهة العسكرية إلى استهداف البنى التحتية
دور الناتو والاتحاد الأوروبي
ـ التعاون الاستخباري: يتبادل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي التقييمات الاستخبارية للمخاطر، حيث لا يمتلك الناتو جهازًا استخباريًا موحدًا، بل يعتمد على المشاورات بين الدول الأعضاء بموجب المادة (4) من ميثاق الحلف. ويعمل الاتحاد الأوروبي عبر مركز الاستخبارات والاستطلاع التابع للاتحاد “EU INTCEN”، لتتبع شبكات التجسس، لذا يجرى الاتحاد والناتو أول حوار بنيوي حول الأمن السيبراني، لتعزيز الوعي الظرفي المشترك وبناء القدرات السيبرانية، ومنع وردع الأنشطة السيبرانية الحديث.
ـ الدفاع الجوي: أطلق الناتو في 12 سبتمبر 2025، عملية “الحارس الشرقي” عقب اختراق المسيرات الروسية للمجال الجوي البولندي. وقال الأمين العام للناتو مارك روته إن “العملية تضيف مرونة وقوة إلى الموقف الدفاعي للحلف”، وأتفق معه القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش، بالإشارة إلى أن العملية تعمل لنشر تقنيات جديدة مثل أسلحة مضادة للمسيرات وأجهزة استشعار. في عمليات الدفاع الجوي يوفر الناتو الأصول العسكرية، بينما يوفر الاتحاد الأوروبي الإطار التنظيمي والتمويل الصناعي.
ـ حماية البنية التحتية: أعلن الناتو والاتحاد الأوروبي، في 11 يناير 2023، عن فرقة عمل مخصصة مشتركة بشأن مرونة البنية التحتية الحرجة، وتطوير تقييمات دورية متوازية للتهديدات التي تواجه البنية التحتية، وتعزيز الحوار البنيوي حول المرونة والتنقل العسكري، وتوسيع المحادثات حول الأمن السيبراني، والأمن البحري، والطاقة، والفضاء.
ـ الردع: يعتمد الناتو على الانتشار السريع والقوة العسكرية، بينما يعتمد الاتحاد الأوروبي على العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية. ويوضح مركز “CEPA” أن تفعيل المادة (5) من ميثاق الناتو لا يعني بالضرورة عمل عسكري، بل يمكن أن يشمل عقوبات اقتصادية منسقة تستهدف دولًا ثالثة تسهل صادرات الطاقة الروسية. وقد يستخدم الناتو عبارة “الهجمات السيبرانية الخطيرة قد تفعل المادة (5)”، لكن يظل معنى خطيرة غير واضح على الإطلاق. حرب إيران ـ محور المقاومة داخل أوروبا، استراتيجية الحرب الهجينة
أوروبا بين الردع والتصعيد
ـ بناء ردع أوروبي مستقل: قال الأمين العام للناتو مارك روته إن “أوروبا إذا أردت الدفاع عن نفسها بعيدًا عن الولايات المتحدة، فهي بحاجة لإنفاق (10%) من الناتج المحلي الإجمالي بدلًا من (5%) وبناء القدرات النووية”، بينما قال المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس إن “الاتحاد يستطيع ويجب أن يعمل نحو الاستقلالية في الدفاع التقليدي”. يوضح أندرو ميختا، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بكلية هاملتون، أن فشل الاتحاد الأوروبي في تطوير بنية أمنية معتمدة على الاتحاد نفسه، يعود لتشرذم سياسي وتصورات متباينة للتهديد وعقبات تنظيمية قوضت القدرات الدفاعية الجماعية. بينما يرى الرئيس السابق للأكاديمية الفيدرالية الألمانية للسياسة الأمنية كارل هاينز كامب، أن أوروبا تستطيع تأمين دفاعها بدون الولايات المتحدة. ويشير معهد “بروجل” إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي لاتزال تواجه مشكلة الاعتماد على الموردين غير الأوروبيين، إضافة إلى تجزؤ سوق الدفاع وضعف التنسيق بين الدول الأعضاء.
ـ تداعيات حرب أوكرانيا: أوضح تحليل لمجلس العلاقات الخارجية، في فبراير 2026، أن أوكرانيا صنعت ما بين (2.5-4) مليون مسيرة في 2025، وتهدف لإنتاج نحو (7) مليون مسيرة في 2026، لكن الإمكانيات تفوق البنية التحتية والتمويل، ويشير إلى أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية لأوكرانيا يمثل استثمارًا استراتيجيًا في الأمن والمرونة الأوروبيين، إذ كشفت الحرب عن قصور الإنتاج الأوروبي من الذخيرة ومكونات الصواريخ.
ـ تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني: تجلت حدود الاعتماد على الولايات المتحدة في حرب إيران 28 فبراير 2026، ورغم أن العمليات العسكرية وقعت بعيدًا عن القارة الأوروبية، فإن التبعات جاءت مباشرة عليها بارتفاع أسعار الطاقة، بحسب مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس. وبدأت أوروبا في 2026، بتخزين (46) مليار متر مكعب مقارنة بـ (60) مليار في 2025، نتيجة إغلاق مضيق هرمز. حذر المحلل كولن ب. كلارك من مركز سوفان، من أن الحرب لإيران حرب وجودية، في إشارة لردود فعل غير متوقعة من إيران على الأراضي الأوروبية. التجسس ـ أبعاد الحرب الهجينة على الجيش الألماني
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– باتت الحروب المستقبلية لا تُقاس فقط بحجم الجيوش أو عدد الأسلحة المستخدمة، بل بقدرة الدول والجهات الفاعلة على دمج أدوات عسكرية واستخباراتية وسيبرانية ومعلوماتية واقتصادية ضمن منظومة واحدة.
– من المحتمل أن تتسع “المنطقة الرمادية” لتصبح ركيزة رئيسية في التنافس الدولي، مع تزايد العمليات التي تقع بين منطقتي السلام والحرب، وتستهدف الخصم بصورة تدريجية دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
– من المرجح أن تشهد الحروب الهجينة تحولًا متسارعًا بفعل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، بما يعزز قدرة أجهزة الاستخبارات على اكتشاف الأنماط وتحديد نقاط الضعف واستشراف تحركات الخصوم.
– من المتوقع أن تصبح البنية التحتية الحيوية، وسلاسل الإمداد، وشبكات الطاقة والاتصالات، أكثر أهمية باعتبارها أهدافًا استراتيجية يمكن التأثير فيها دون استهداف المؤسسات العسكرية بصورة مباشرة.
– يمكن القول أن الاعتماد على الجهات غير الحكومية والوكلاء والجماعات المسلحة لتنفيذ عمليات محدودة أو قابلة للإنكار سيزداد، بما يمنح الجهات الفاعلة هامشًا أوسع للمناورة ويعقّد عمليات الإسناد والردع.
– قد تواجه الدول الأوروبية بصورة خاصة تحديًا مزدوجًا يتمثل في حماية أمنها الداخلي ومواجهة تهديدات خارجية تتداخل مع الجريمة المنظمة والتجسس والتخريب.
**
– من المحتمل أن تصبح تداعيات الحروب الخارجية والصراعات الإقليمية الممتدة المصدر الأبرز والمتصاعد للتهديدات الأمنية الداخلية في عمق القارة الأوروبية، متجاوزة حدود الأزمات العابرة لتشكل ضغطاً هيكلياً مستداماً على استقرارها.
– يُعتقد استناداً إلى المعطيات الاستراتيجية أن هذا المسار التصاعدي سيبلغ ذروته في حال تزامنت الأزمات الجيوسياسية -بدءاً من اضطرابات أسواق الطاقة وصولاً إلى موجات النزوح القسري- مع تنامي أنشطة التططرف الرقمي واستغلال الفضاء السيبراني للتجنيد الافتراضي.
– تشير التقديرات إلى أن حالة الاستقطاب المجتمعي الحاد وتصدع النسيج الاجتماعي وانقسام الشارع الأوروبي ستلعب دوراً رئيسياً في إضعاف المناعة المجتمعية للقارة، مما يسهل على الشبكات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة اختراق جبهتها الداخلية.
– يُرجح أن يتفاقم هذا الخطر مع تراجع الثقة بالمؤسسات وعجز الهياكل الحكومية والتقليدية عن تقديم استجابات سريعة وفعالة تحصن الفئات الهشة ضد خطابات الكراهية والتحريض المستمرة.
– يستوجب هذا الواقع الاستراتيجي مقاربة أمنية وسياسية شاملة تتجاوز الإجراءات الحدودية والعسكرية التقليدية، لتردم الفجوات الاقتصادية والمجتمعية وتستبق الاختراقات البشرية والرقمية بما يضمن حماية الأمن القومي الأوروبي على المدى الطويل.
– تفيد القراءات الاستشرافية بأن ارتدادات الصراعات الإقليمية ستتجاوز نطاق الأزمات المؤقتة لتتحول إلى ضغوط هيكلية طويلة الأجل، حيث ستمس الاستقرار الداخلي وتفرض أعباءً بالغة على منظومات الأمن القومي للدول المستضيفة والبعيدة عن مسار المواجهات المباشرة.
– تشير التقديرات الاستراتيجية إلى بلوغ المخاطر الجيوسياسية أوجها عند نقطة التلاقي بين صدمات أسواق الطاقة وموجات النزوح القسري، بالتوازي مع تسارع التجنيد الشبكي وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات تحليل البيانات لتوجيه الرأي العام وبث التضليل.
– تتجه السيناريوهات الجيوسياسية المرجحة نحو اتساع الانقسامات السياسية وانحسار التماسك المجتمعي، مما سيمنح التنظيمات المتشددة فرصة نمطية لنشرخطاب الكراهية واستقطاب الفئات الأكثر تضرراً من تداعيات التراجع الاقتصادي.
– تستشرف الدراسات الأمنية عمق التعاون اللوجستي المتبادل بين شبكات الجريمة المنظمة والعناصر المتطرفة، مما سيزيد من تعقيد مهمات التقصي الاستخباري نتيجة تداخل الجرائم الجنائية مع الأنشطة الإرهابية الموجهة وتوافق المصالح المادية بينهما.
– يُرتقب على المدى المتوسط توظيف ملفات النزوح القسري واللجوء كأوراق ضغط ومناورة سياسية من قبل أطراف النزاع، لإرباك المنظومات الحدودية والأجهزة الأمنية في البلدان المستقبلة وتسهيل حركة وتسلل العناصر المسلحة.
– تذهب التحليلات المتقدمة إلى ترجيح توجيه الهجمات الهجينة والضربات غير المباشرة نحو البنى التحتية الحيوية، مثل خطوط نقل الطاقة وكوابل الاتصالات البحرية وشبكات البيانات، بغرض إحداث شلل حيوي في المرافق الأساسية بأقل كلفة عسكرية ممكنة.
– من المرجح جيوسياسياً تكرار أنماط تعويق حركة الملاحة والتجارة العالمية في المعابر والمضايق الحيوية كباب المندب، لفرض تكاليف اقتصادية باهظة وخلق بيئات شاطئية غير منضبطة تُستغل في عمليات التهريب وترتيب الجبهات الإقليمية.
– تُنبئ التقييمات الأمنية بتصاعد الاعتماد على الأنظمة الذاتية والتكتيكات المسيرة منخفضة التكلفة، إلى جانب التوسع في منصات التمويل المشفر والعملات الرقمية، لتنفيذ العمليات وإدارتها بعيداً عن أعين الرصد الاستخباري والمؤسسات المصرفية الرسمية.
– تعزز احتمال فرض الواقعية الاستراتيجية لحتمية الانتقال من أطر الاستجابة الحدودية الضيقة إلى مقاربة شمولية خماسية الركائز تدمج الأبعاد الأمنية، والسياسية، والاقتصادية، والسيبرانية، والمجتمعية لردم الفجوات التنموية وتحصين البيئات الهشة على المدى البعيد.
**
– انتقلت سياسة أوروبا في التعامل مع التهديدات الأمنية، من نهج مزدوج يجمع بين العقوبات والدبلوماسية، إلى مرحلة الاستعداد والجاهزية للرد على أي هجمات، ولكن تطورات المشهد الأمني العالمي دفع أوروبا إلى تبني مقاربة أكثر تطورًا، تجمع بين الكشف المبكر عن التهديدات واتخاذ إجراءات أمنية استباقية، ما قد يزيد الأعباء الاقتصادية على الحكومات والمؤسسات الأوروبية، وقد يكشف عن مزيد من الفجوات بين دول الاتحاد في كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.
– من المتوقع تصاعد حدة الأنشطة الاستخبارات وعمليات التخريب للبنية التحتية الحيوية في أوروبا، إضافة إلى زيادة الهجمات السيبرانية التي تستهدف المؤسسات الحكومية والمنشآت الحيوية، نظرًا لتصاعد المعارك بين كييف وموسكو ودخولها مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، إضافة إلى أن الصراع الأمريكي الإيراني لايزال مفتوحًا، في ظل الحرب الاقتصادية الأمريكية التي تشنها ضد إيران وشركائها التجاريين، ما قد يؤدي إلى تشابك تداعيات حربي أوكرانيا وإيران وزيادة التهديدات الأمنية على أوروبا.
– من المرجح أن تكثف أوروبا جهودها لتطوير استراتيجياتها الأمنية، بتسريع وتيرة الاستقلال الدفاعي، وتعزيز تسليح الجيوش وإعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، للتصدي لمخاطر مرحلة غير مسبوقة، في ظل تراجع مستوى الثقة بين ضفتي الأطلسي جراء سياسات واشنطن تجاه حلفائها الأوروبيين.
– رغم توتر المشهد داخل حلف الناتو، فإن العلاقات بين الناتو والتكتل الأوروبي تظل في إطار التكامل وليس التنافس، ولاسيما أن الاتحاد الأوروبي يوفر الأدوات التنظيمية والاقتصادية، بجانب توفير الناتو الردع التقليدي والأصول العسكرية الصلبة، مما يؤكد على ضرورة تماسك الحلف في التوقيت الراهن، ويشير إلى أن خطوات أوروبا لتعزيز الصناعات الدفاعية تصب في صالح هذا التعاون عبر الأطلسي.
– من المحتمل أن تتحول نسبة أكبر من التهديدات الأمنية المنسوبة إلى روسيا وإيران، إلى داخل الأراضي الأوروبية، عبر هجمات هجينة تجمع بين التجسس والعمليات السيبرانية واستهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات، لذا قد تتضمن الاستراتيجية الأوروبية المترقب إعلانها في سبتمبر 2026، توجهًا واضحًا نحو تسريع خطوات الاستقلال العسكري، واتخاذ خطوات استباقية للكشف عن المخاطر.
– يقود المشهد في حرب أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين روسيا وأوروبا، ولاسيما بعد اتهامات روسيا لبريطانيا بالسماح لأوكرانيا باستخدام مسيرات بريطانية لضرب العمق الروسي، إلى استنتاج مفاده أن تداعيات الحرب على المستويين الاقتصادي والأمني طويلة الأمد، ما يضع أوروبا أمام اختبارًا جديدًا للتعامل مع الصراع.
– رغم أن أوروبا ليست طرفًا في الحرب بين واشنطن وطهران، فإن التوترات بينهما واحتمالية دخول موسكو وبكين على خط الأزمة، بعد شن الولايات المتحدة أكبر هجوم مالي على إيران والدول التي تتعاون معها، قد يجعل أوروبا في مرمى الهجمات الإيرانية والتهديدات الروسية والصينية.
روابط ذات علاقة : الاستخبارات ، مكافحة الإرهاب ، أمن دولي ، دفاع ، أمن قومي ، “الجهاديون” ، اليمين المتطرف ، أمن سيبراني ، الاتحاد الأوروبي ، الهجرة واللجوء، الذكاء الأصطناعي، قناة المركز الأوروبي
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123687
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Hybrid WarfareDefinition, Meaning, and Why It Matters
https://tinyurl.com/d42nvz29
Countering hybrid threats
https://tinyurl.com/bdzcwbez
Welcome to the ‘gray zone’ − home to nefarious international acts that fall short of outright conflict
https://tinyurl.com/44vynwcw
Tackling Russia’s hybrid war on Europe: Jamming and spoofing in the ‘grey zone’
https://tinyurl.com/mr2a7fra
**
How technology is transforming crime and terrorism
Munich Security Conference opens with a focus on destruction
Seven Peace and Security Priorities for Africa in 2026
London conference 2026
Foresight Africa at the 2026 Spring Meetings: Strategies for success in a changing world
Materielle Missstände sind Nährboden für Extremismus
Von der Leyen announces new EU security strategy for 2026
Syrian forces detain Uzbek fighters in security sweep
The Digital Battlefield: How Terrorists Use the Internet and Online Networks for Recruitment and Radicalization
Europe wants @you: Armies go digital to recruit young soldiers
EU fears new resurgence of Islamic State terrorism
Europe Could Help Get Ukraine and Russia to the Negotiating Table
**
Strengthening the security and resilience of Europe’s submarine cables
European Security Strategy: In Search of a New Ambition
What a winning European Security Strategy looks like
European Union and NATO hold the first Structured Dialogue on Cyber

