اختر صفحة

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

عصر الإرهاب دون إنترنت: الدوائر الضيقة أضمن وأقوى

العرب اللندنية ـ تكشف العمليات الإرهابية التي ضربت مؤخرا العديد من الدول الأوروبية أن الإرهاب يسبق بخطوات خطط محاربته. فكلما زادت الحكومات من إجراءاتها الأمنية جاءت العملية الإرهابية أكثر دموية. ويعود ذلك أساسا حسب الخبراء إلى كون الجماعات الإرهابية تغير خططها وفق مسرح العملية وحسب الوضع في الجهة المستهدفة لكن الحكومات تميل إلى الرد بنفس المجموعة الضيقة من الأدوات المستخدمة لمكافحة الإرهاب.

وتوضح ملابسات العملية الإرهابية التي شهدت إسبانيا مؤخرا جانبا من هذه المعضلة، حيث أنه في الوقت الذي تتكثف فيه مساعي محاربة الإرهاب عبر الإنترنت وتتركز الجهود حول متابعة ما ينشر على منصات تويتر وفيسبوك ومدونات الجهاديين، اختارت المجموعة المتورطة في عملية إسبانيا العودة إلى الطرق البدائية في التواصل والتخطيط والتنفيذ، وكشفت أن الإرهاب قد لا يحتاج إلى إنترنت أو هواتف قد تمكن مراقبتها ليضرب في عمق المجتمعات الأوروبية.

مدريد – يقول الخبراء إن الخلية الجهادية التي نفذت اعتداءي إسبانيا الأسبوع الماضي تشكلت حول “معلّم” وكانت مقطوعة تماما عن الإنترنت لتجنب الوقوع في قبضة شرطة مكافحة الإرهاب. يأتي هذا الاستنتاج ويعيد قلب الكثير من الموازين في استراتيجيات الحرب على الإرهاب. ويأتي أيضا ليعيد تسليط الضوء على مظاهر قديمة ومتأصلة في العمل الإرهابي (الجهادي) مثل ظاهرة “الإخوة الإرهابيين” وتقنيات التجنيد والتخطيط، ما يمكن أن يتم أمام أعين السلطات دون أن تلحظه.

استفادت الجماعات المصنفة على قائمة الإرهاب الدولية كثيرا من الإنترنت والتطور الحاصل في مجال التواصل الاجتماعي، خصوصا في فترة ازدهار تنظيم الدولة الإسلامية، الذي أرسى قواعد الإرهاب الإلكتروني واتخذ من تويتر وفيسبوك وغيرهما منصات للتجييش والدعاية والتواصل وتحريك الخلايا النائمة واستقطاب الذئاب المنفردة.

لكن ذلك لم يغن هذه الجماعات من العمل بالوسائل التقليدية خصوصا وأن التواصل عبر الشبكة العنكبوتية غير مضمون النتائج ويمكن اختراقه بسهولة. فبعيدا عن أعين الاستخبارات وسيطرة الحكومات، تمكن الجهاديون والقائمون على التنظيمات المتشددة من التواصل بسرية تامة.

ويذهب الخبراء إلى القول إن الجماعات الإرهابية ستكثف في الفترة المقبلة عملها بالطريقة التقليدية، بعد أن استفادت كثيرا من الإنترنت في نشر دعايتها ومخططاتها، والعمل في الفترة المقبلة سيكون بالتركيز على إرهاب الداخل، حيث ستتولى كل مجموعة في مكان محدد، أساسا في أوروبا، بمهمتها، وسيكون التنسيق بين أفراد الجماعة في الداخل بين الأشقاء والأصدقاء وعبر المساجد والتجمعات العائلية.

تطور الجهاد المحلي ثم الإقليمي إلى جهاد عالمي يقرع أبواب بلدان أوروبا، ويدفع بكل قوة نحو القيام بعمليات ضخمة وخلق حرب متعددة الجبهات، وهي قادرة على ذلك دون أن تستعمل الإنترنت. مثلا نجح أفراد الخلية الإسبانية في تجنب لفت انتباه السلطات إلى حد كبير. فالانفجار القوي الذي وقع في منزل كانوا تعدّ فيه قنابل في ألكانار، وحيث اكتشفت الشرطة في وقت لاحق كميات هائلة من المواد التي تدخل في صنع المتفجرات، لم يتضح في بادئ الأمر أنه من فعل متطرفين إسلاميين. ولم يتوصل المحققون إلى الربط بينه وبين المنفذين إلا بعد عمليتي الدهس في برشلونة وكامبرليس الساحلية المجاورة.

ويقول الخبراء إن السبب الرئيسي لذلك هو أسلوب تشكيل وطريقة عمل المجموعة. وتوضح لورديس فيتال، المديرة في المعهد الأوروبي للبحر المتوسط، أن “تقنيات الدعاية والتجنيد” تشبه عمل جماعة دينية مغلقة. وتشرح “يتم التشديد على دور العائلة، وعلى عزل المجموعة وانغلاقها على نفسها وتجنب كل ما يمكن أن يفشي عن وجودها”.

ويقول البرتو بوينو، من المرصد الدولي للدراسات حول الإرهاب، إن المجموعة تحاشت شبكات التوصل الاجتماعي على الإنترنت ولم تستخدم الهواتف النقالة، في وقت كانت شرطة مكافحة الإرهاب تمشط فيه الإنترنت بحثا عن بوادر تشدد بين مستخدمي الشبكة. ويضيف آلان رودييه، الضابط السابق لدى الاستخبارات الفرنسية، أن “هذا النموذج الكلاسيكي من الأشخاص الذين يعرفون بعضهم بعضا ويلتفون حول معلّم يرافق تطور الخلية، يعود إلى ما بين 15 و20 سنة”، مضيفا أنه في الوقت الذي أمضى المهاجمون أشهرا يحضرون للاعتداءين، فإن جنوحهم نحو التطرف بدأ على الأرجح قبل وقت طويل.

وعادة ما يوجد على رأس المجموعة شخص يجمع الكل حوله ويقدم الإجابات للشبان الذين يشعر الكثيرون منهم بالضياع ويفتقدون الإحساس بالانتماء وتتضارب في دواخلهم أسئلة عديدة واستفسارات كثيرة لم يجدوا لها إجابات في المحيط “الغريب” الذي يعيشون فيه.

وكان الشخص المحوري في الخلية الإسبانية الإمام المغربي عبدالباقي الساتي، الذي قتل في الانفجار العرضي في ألكانار. ويرجح ألبرتو بوينو أن الساتي عاش بشخصيتين مختلفتين بين أهالي بلدة ريبول الصغيرة حيث كان يقيم هو والعديد من المشتبه بهم. ويضيف بوينو، وهو أيضا باحث في جامعة غرناطة بجنوب إسبانيا، أن الساتي “كان يظهر وجها عندما يؤم المصلين في ريبول، ووجها آخر عند تجنيد الشباب وتشريبهم الفكر المتطرف”.

وكشف القضاء الإسباني أن الإمام عبدالباقي الساتي كاد يطرد من إسبانيا لكن قاضيا قدر في 2015 أنه لا يشكل “تهديدا حقيقيا وخطرا بما يكفي (..) على الأمن العام”. بعدما أمضى عقوبة سجن لإدانته في قضية مخدرات في 2014، كان هذا الإمام معرضا لقرار طرد من إسبانيا، لكن القرار ألغي بداعي “جهوده في الاندماج”، بحسب بيان للقضاء أكد معلومات كانت نشرتها صحيفة إل موندو. ولم يقرر الشبان الجهاديون استخدام سيارات لدهس مارة إلا بعد مقتل الإمام في انفجار عرضي لمخبرهم في 16 أغسطس.

روابط عائلية

ما يزيد من ترابط المجموعة، حقيقة أن العديد من أعضائها إخوة، بحسب الخبير الذي يشير إلى أن بين المشتبه بهم الاثني عشر، أربع مجموعات تضم إخوة من أربع عائلات. وفي فرنسا مطلع عام 2015، اتهمت السلطات الفرنسية سعيد وشريف كواشي بالهجوم على صحيفة شارلي إيبدو، واللذين قتلا في ما بعد خلال اشتباكات مع الشرطة الفرنسية. كما أن صلاح عبدالسلام الذي ألقت الشرطة البلجيكية القبض عليه بتهمة المشاركة في هجمات باريس في نوفمبر 2015، هو أيضا شقيق إبراهيم عبدالسلام، أحد الانتحاريين في هجمات باريس.

وكانت دراسة أجريت على 466 من الجهاديين نشرت نتائجها صحيفة دير شبيغل الألمانية أظهرت أن حوالي ربع المقاتلين الغربيين في تنظيم داعش انضم إليهم بعض الأقارب في فترات لاحقة. كما أن دراسة أجرتها جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية شملت 46 بالمئة من 120عملية إرهابية تمت دراستها، أظهرت وجود معرفة مسبقة لأحد أفراد أسرة المهاجم بهذه العمليات.

ويقول إيف تروتينيون، العضو السابق في جهاز مكافحة الإرهاب في فرنسا، إن المجموعات التي تضم أقارب، شوهدت أيضا بين منفذي اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، وتفجيرات قطارات مدريد في 2004. ويشير رودييه إلى أن الخبراء الإسبان كانوا يدركون تماما بأن المجموعات التي تضم أفرادا من عائلة واحدة تكون متراصة “لأنك لن تخون شقيقك”. وأضاف أن الروابط الأسرية تسهل أيضا عملية غرس العقيدة.

 استغلال الماضي

يقول رودييه إنه في الوقت الذي أمضى المهاجمون أشهرا يحضرون للاعتداءين، فإن جنوحهم نحو التطرف بدأ على الأرجح قبل وقت طويل. ويلمح الخبراء إلى أن الأعمار الصغيرة للعديد من المشتبه بهم، بعضهم لم يتجاوز 17 عاما، ليست مصادفة. وترى فيدال أن تلك الأعمار يمكن التأثير عليها بسرعة مشيرة إلى “استخدام الدين للوصول إلى الشبان من أجل إحداث تأثير عاطفي قوي جدا في بناء هويتهم”.

ويقول رودييه “إنهم مسلمون وليسوا ممن اعتنق الإسلام. وجود إمام المسجد ضروري، إنه حاضن جاء من محيطهم، لإقناعهم بأن دينهم يملي عليهم أن يتحركوا”. ويضيف “ربما تصوروا أنفسهم يعيدون فتح إسبانيا… مثلما تلمح رسالة عثر عليها في ألكانار”؛ ففي ركام المنزل الذي وقع فيه الانفجار في ألكانار، عثرت الشرطة على ورقة موضوعة في كتاب أخضر كتب عليها “رسالة قصيرة من جنود الدولة الإسلامية في أرض الأندلس إلى الصليبيين والفاسقين والظالمين والفاسدين”.

وتعيد السير الذاتية سواء لأعضاء الخلية المتورطة في هجوم إسبانيا، أو غيرها من الأسماء المتورطة في الهجمات التي شهدتها دول أوروبية بكثافة في الفترة الأخيرة، وضع نقاط استفهام حول استراتيجيات الحرب على الإرهاب وجدوى مشاركة القوات الوطنية في حروب الخارج ضد داعش أو القاعدة أو بوكوحرام وشن هجمات في مالي في حين يجري وبنجاح استقطاب شباب ولد وكبر في كنف المجتمع الفرنسي أو البلجيكي أو الإسباني، لكنه في النهاية انقاد بسهولة وراء من يحضه على استهداف هذا البلد الذي إما يحمل جنسيته وإما حلم في يوم ما بأنه سيكون وطنه البديل.

حتى في حالة تقويض تنظيم داعش ودحره نهائيا من العراق وسوريا عسكريا، فإن خارطة الجيل الجديد من تنظيمات العنف الجهادية مازالت في توسع وتستهوي الكثيرين دون الحاجة إلى استعمال الشبكة العنكبوتية، فالرقعة اتسعت وأعداد الموالين تضخمت بحيث يمكن الحديث عن عصر انتشار الإرهاب من دون إنترنت؛ والحروب القادمة ضد الإرهاب لن تكون عسكرية بل كر وفر بين خلايا نائمة وذئاب منفردة محبطة وسلطات وفرت الكثير لهؤلاء “الغرباء” وتسعى جاهدة لكسب “وطنيتهم” لكن مساعيها تصطدم في الكثير من الأحيان بعقدة الهوية ومرض الانفصام الثقافي الذي يصيب المهاجرين ويتم توارثه جيلا بعد جيل وينمو هذا الإحساس بالاغتراب أكثر مع تصاعد الإسلاموفوبيا بسبب العمليات الإرهابية.