المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (27)
مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ الواقع، الاتجاهات والتدابير
نسخة PDF مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ الواقع، الاتجاهات والتدابير
شهدت أوروبا خلال عامي (2024–2025) مرحلة أمنية معقدة أعادت الإرهاب والتطرف إلى الواجهة، ولكن بصور مختلفة عمّا عرفته أوروبا. فبدلًا من الهجمات المعقدة والمرتبطة مباشرة بـ”داعش” أو “القاعدة”، برزت أنماط جديدة تعتمد على التعبئة السريعة والذاتية والرقمية، في ظل بيئات متوترة سياسيًا وجيوسياسيًا تُغذي التطرف بوصفه ردّ فعل أو انعكاسًا للصراعات الخارجية. تؤكد تقارير اليوروبول (TE-SAT 2025) أن أوروبا تواجه “مزيجًا غير مسبوق من التهديدات اليمينية والإسلاموية والمتطرفة الرقمية”.
يشير تقرير الاستخبارات الألمانية (BfV) لعام 2025 إلى أن “التهديد لم يعد مرتبطًا بتنظيمات هرمية بقدر ما يرتبط بأفراد يتطرفون داخل غرف دردشة مغلقة”. أدّت الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط وامتداد الجماعات الإرهابية في إفريقيا والساحل إلى رفع مستوى التوتر داخل المجتمعات الأوروبية، وولّدت حالة من “التغذية المتبادلة” بين التطرفين الإسلاموي واليميني. وتلخّص الاستخبارات الفرنسية (DGSI) هذا الواقع بقولها: “كل عملية إسلاموية تُنتج موجة تجنيد يميني، وكل تهديد يميني يدفع عناصر متشددة إلى الشعور بأن مبررات العنف لديهم قد عُززت.”
ما طبيعة التهديدات الإرهابية في أوروبا (2024–2025)؟
الإرهاب الإسلاموي، تراجع تنظيمي وصعود رقمي: رغم الضربات التي تلقّاها تنظيم “داعش” في الشرق الأوسط، إلا أنّ خطاب التنظيم لم يفقد تأثيره على قطاعات من الشباب الأوروبي، خاصة أولئك الذين يعانون من عزلة اجتماعية أو هشاشة نفسية. تشير الاستخبارات الهولندية AIVD إلى أن “الإسلاموية تتخذ شكل موجات رقمية متقطعة”، بينما تؤكد الاستخبارات البلجيكية إن “منصات الألعاب صارت واحدة من أدوات التجنيد الأكثر فعالية”. جاءت غالبية الهجمات أو محاولاتها في فرنسا وألمانيا والنمسا خلال (2024–2025) من أفراد مصنفين كـ”تهديد متوسط”، وليسوا ضمن الفئات الأكثر خطورة، ما يدل على أن قدرة الأجهزة على التنبؤ ارتبطت بعناصر لم تكن في دائرة الضوء.
الإرهاب اليميني المتطرف، التهديد الأكثر نموًا: تؤكد جهاز الاستخبارات الألماني (BfV) الألمانية في تقريرها لعام 2025 أن “عدد المتطرفين اليمينيين المستعدين للعنف بلغ (40) ألف عنصر، وهو أعلى رقم يتم تسجيله في ألمانيا. يشير جهاز الاستخبارات البريطانية (MI5) إلى أن “اليمين المتطرف بات يمثل المصدر الأسرع نموًا للتهديد الإرهابي داخل المملكة المتحدة، متجاوزًا في بعض المناطق التهديد الإسلاموي”. تبرز في هذا السياق ظاهرة “المجتمعات البديلة” التي تنشط عبر منصات مثل (Discord وTelegram) وتقدّم بثًا مباشرًا لخطاب الكراهية، تدريبًا على تصنيع مواد متفجرة بدائية، وسرديات عن “تطهير أوروبا من المهاجرين”. بيّنت التحقيقات البريطانية في ملف خلية “Online Patriots” عام 2025 أن أفرادًا تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا كانوا يتلقون “خطط اعتداء جاهزة” عبر خادم مشفّر على Discord.
تأثير الصراعات الجيوسياسية على الأمن الأوروبي
أوكرانيا، تدفقات السلاح والخبرات: شكل النزاع المستمر في أوكرانيا منذ 2022 أحد أبرز التحديات الأمنية الأوروبية في عامي 2024–2025. لم يقتصر تأثير الحرب على البنية التحتية والسياسة الإقليمية، بل امتد إلى أوروبا بشكل مباشر عبر تهريب الأسلحة الصغيرة والمتوسطة، وانخراط مقاتلين أجانب عادوا إلى بلدانهم الأوروبية مزوّدين بخبرات قتالية متقدمة. حذر تقرير اليوروبول 2024 من أن “تهريب السلاح من مناطق الحرب الأوكرانية يمثل خطرًا مباشرًا على الأمن الداخلي للدول الأوروبية”، ما يزيد من احتمال تنفيذ هجمات فردية أو جماعية. تشير التقارير إلى أن بعض المقاتلين الأوروبيين الذين قاتلوا في أوكرانيا عادوا مع شبكات اتصال متطورة وخبرة تكتيكية تجعلهم أكثر قدرة على التخفي والتخطيط للهجمات، وهو ما يمثل تحديًا للأجهزة الأمنية في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا على حد سواء.
تؤكد المصادر الاستخباراتية أن هذه التدفقات لم تقتصر على الأسلحة فحسب، بل شملت المعرفة التكتيكية والتدريب على المتفجرات والقتال الحضري، مما زاد من قدرة بعض “الذئاب المنفردة” على استهداف أهداف محددة داخل المدن الأوروبية. علاوة على ذلك، ساعدت الشبكات العابرة للحدود في تسهيل تحركات المقاتلين والمهربين، ما جعل أوروبا أكثر عرضة لتسرب العنف من ساحات القتال.
الشرق الأوسط، حرب غزة وعمليات التجنيد والاستقطاب: أثرت الصراعات في الشرق الأوسط، خصوصًا حرب غزة التي بدأت في أكتوبر 2023، بشكل ملحوظ على الديناميات الداخلية للتطرف في أوروبا. فقد سجّلت الأجهزة الفرنسية زيادة ملحوظة في نشاط التجنيد الرقمي، حيث تؤكد التقارير: “زيادة بنسبة 40)%( في المحتوى الإسلاموي العنيف وارتفاعًا حادًا في دعوات الانتقام عبر الإنترنت”. يشير جهاز الاستخبارات الفرنسي (DGSI) إلى أن “أغلب عمليات التجنيد منذ نهاية 2023 مرّت عبر بوابات القضية الفلسطينية”، موضحة كيف تحوّلت الأحداث إلى مادة سياسية وإيديولوجية سهلة الاستغلال على الإنترنت. فقد وجدت الجماعات المتطرفة في حرب غزة مصدرًا لتغذية مشاعر الكراهية لدى الشباب الأوروبي من أصول عربية ومسلمة، ما خلق بيئة خصبة لتجنيد المراهقين والشباب الضعفاء اجتماعيًا.
ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب الرقمية في نشر مقاطع فيديو وصور توثّق الانتهاكات الإسرائيلية أو الهجمات على الأرض، الأمر الذي أدى إلى تسريع عملية الاستقطاب لدى الفئات المستهدفة، وأدى إلى وقوع حالات فردية للهجوم في فرنسا وبلجيكا وهولندا. وبحسب التقارير، فقد أصبح “التطرف الإسلاموي مرتبطًا بشكل متزايد بأحداث الشرق الأوسط، بحيث يتزامن كل تصعيد هناك مع زيادة النشاط الرقمي في أوروبا”.
إفريقيا والساحل: الممرات الجديدة
أسهمت توسعات نشاط الجماعات المرتبطة بتنظيم “داعش” و”القاعدة” داخل إفريقيا ومنطقة الساحل، في خلق شبكة جديدة لتدفق المقاتلين والأسلحة والمهاجرين نحو أوروبا. أفادت الاستخبارات الإسبانية خلال العام 2025: “امتداد داعش في الساحل يخلق خطوط تواصل مع المهربين الذين يوجّهون مهاجرين محتملين نحو أوروبا، وبعض هؤلاء يحمل ميولًا متطرفة”. تشير التحقيقات إلى أن بعض المهاجرين الذين تمّت مراقبتهم كانوا يحملون ميولًا أيديولوجية متشددة، مستغلين مسارات الهجرة كغطاء للوصول إلى المدن الأوروبية. كما ساعد ضعف المراقبة في بعض الموانئ والمناطق الحدودية على خلق “قنوات سرية” يسهل من خلالها نقل السلاح والأفكار المتطرفة في آن واحد. تؤكد أجهزة الاستخبارات الأوروبية أن الارتباط بين الجماعات الإرهابية في الساحل والمهاجرين الأوروبيين المتطرفين أصبح أكثر وضوحًا، إذ تستخدم هذه الجماعات الهجرة كوسيلة لنشر خطابها وأيديولوجيتها، بينما تعمل بعض الشبكات الرقمية على توجيههم عبر الإنترنت قبل وصولهم إلى القارة. بات يمثل الهجرة والخطر الأيديولوجي تحديًا مستجدًا على مستوى الأمن الداخلي والتعاون الاستخباراتي الأوروبي.
أبرز العمليات الإرهابية في أوروبا
شهدت أوروبا خلال عامي (2024–2025) مجموعة من العمليات الإرهابية الفردية والجماعية، التي تعكس تحول المشهد الأمني من الهجمات المنظمة إلى الهجمات الفردية أو الموجات المتفرقة، سواء من قبل الإسلامويين أو اليمينيين.
ألمانيا
يوم 18 مايو 2025: طعن سوري يبلغ من العمر 35 عامًا خمسة أشخاص، خارج حانة قريبة من محطة القطار الرئيسية في بيليفيلد، لا يملك منفذ الهجوم أي سجل جنائي سابق، وينتمي إلى تنظيم داعش منذ عام 2014.
يوم 22 يناير 2025: طعن أفغاني يبلغ من العمر 28 عامًا مجموعة من الأطفال، في بلدة أشافنبورغ الألمانية، كان يعاني اضطرابات نفسية وأنه كان مسجلًا في نزل للاجئين في المنطقة.
فرنسا
يوم 25 أبريل 2025: أقدم مواطن فرنسي عمره 21 عامًا، من أصل بوسني على طعن مصلي داخل مسجد، في قرية لاغران كومب بمنطقة غارد بجنوب فرنسا بدافع يميني، ليس لديه سوابق جنائية
يوم 22 فبراير 2025: طعن رجل في مدينة مولوز الواقعة شرق فرنسا، يبلغ من العمر 35 عامًا، عدة أفراد من بينهم أفراد من الشرطة، المنفذ كان مطلوبا منه مغادرة البلاد، ويعاني من اضطرابات في الصحة العقلية، بدوافع إسلاموية.
بريطانيا
يوم 2 أكتوبر 2025: استهدف مواطن بريطاني من أصل سوري يبلغ من العمر 35 عامًا، كنيسا يهوديا قرب مدينة مانشستر يُعد “حادثًا إرهابيُا”، بدوافع إسلاموية
عمليات مكافحة التطرف الرقمي
كثفت الدول الأوروبية جهودها لمواجهة التحريض والتجنيد عبر الإنترنت، فككت الأجهزة الأمنية الألمانية غرفة دردشة لـ26 يمينيًا عبر Telegram، ومنع تبادل خطابات التحريض على العنف. كما أغلقت فرنسا 42 محفظة كريبتو كانت تموّل أنشطة دعاة التطرف الرقمي. أحبطت هولندا خلية تجنيد إسلاموية كانت تنشط على Discord، استهدفت الشباب الأوروبي. عطلت بريطانيا منصة تدريب افتراضي لليمين المتطرف، منعًا من نشر مهارات الهجوم الإلكتروني واليدوي. أمن أوروبا ـ ما مستقبل التعاون الدفاعي الأوروبي في ظل التوتر الفرنسي الألماني؟
الاتجاهات الجديدة في التهديدات
التطرف اليميني: يشير جهاز الاستخبارات الألماني BfV الألمانية إلى أن “اليمين المتطرف أصبح تهديدًا موازيًا للإسلاموية في الحجم والديناميكية”. يبرز التقرير ثلاثة سمات جديدة لهذا التطرف انخراط المراهقين من 15 إلى 19 عامًا، الذين يجدون في الإنترنت منصة للتعبير والتحريض. اعتماد السلاح القانوني بشكل متزايد، خصوصًا في دول تُتيح شراء الأسلحة الشخصية. إنشاء مجموعات بلا قائد (Leaderless Groups)، تعتمد على التواصل الرقمي والانتحارية الفردية، ما يجعلها أكثر صعوبة في الكشف والتفكيك.
التطرّف الرقمي: تظهر استبيانات أوروبية أجريت خلال عام 2025 أن 80% من المتطرفين بدأوا رحلة التطرف عبر الإنترنت. يتلقى 56% منهم محتوى عنيفًا يوميًا، سواء من منصات التواصل أو غرف الألعاب. استخدم 48% منهم منصات ألعاب للدردشة المشفرة، ما ساعدهم على التفاعل بعيدًا عن الرقابة. 50% من اليمينيين استخدموا محاكيات قتال لتدريب الأفراد على استراتيجيات العنف. يؤكد جهاز الاستخبارات الفرنسي DGSI أن “المراهقون هم الفئة الأكثر عرضة للتجنيد بسبب غياب الرقابة الرقمية”، وهو ما يجعل التدخل المبكر ضروريًا للحد من الانخراط في دوامة التطرف. ووفق تقرير AIVD الهولندية 2025: “المنظمات البيئية المتطرفة باتت أكثر قبولًا لاستخدام العنف ضد شركات الطاقة.” إضافة إلى ذلك، تصاعدت الهجمات السيبرانية ذات الدوافع الأيديولوجية، ما يعكس تحول التهديدات التقليدية إلى نماذج متطرفة هجينة.مكافحة الإرهاب ـ كيف سيؤثر تمدد داعش في إفريقيا على أمن أوروبا؟
التدابير والتشريعات الأوروبية
خصص الاتحاد الأوروبي 2025 ميزانية لرصد العملات المشفرة وتمويل الخلايا، حيث يؤكد اليوروبول: “التمويل الرقمي أصبح العمود الفقري للدعاية المتطرفة”. وتشير التقارير إلى أن تتبع المعاملات الرقمية يساعد في قطع سلاسل التمويل التي تعتمد عليها الشبكات العابرة للحدود. كما تم تحديث القوانين الوطنية لمكافحة التطرف في العديد من الدول الأوروبية:
فرنسا: قانون مكافحة “الانعزال الإسلاموي الرقمي” 2024، لتفكيك الشبكات الرقمية وتحجيم الدعاية المتطرفة.
ألمانيا: قانون مراقبة اليمين المتطرف 2025، لتعزيز الرقابة على اقتناء الأسلحة وتفكيك مجموعات العنف اليميني.
بلجيكا: تشديد عقوبات جديدة للمحتوى التحريضي على الإنترنت، بما في ذلك الغلق الفوري للمنصات المخالفة. أمن أوروبا ـ انعكاسات العلاقات البولندية الألمانية على الجناح الشرقي للناتو
تقييم وقراءة مستقبلية
– من المرجح أن تشهد أوروبا استمرار تهديدات التطرف الإسلاموي واليميني، حيث تعمل كل إيديولوجيةعلى تحفيز الأخرى. هذه الظاهرة تتجاوز مجرد العمليات الميدانية، لتشمل استراتيجيات التحريض الرقمي والتجنيد على المنصات المغلقة. كذلك سيشهد المستقبل القريب تصاعد محاولات استغلال الأزمات الاجتماعية والسياسية لتعزيز خطاب الكراهية المتبادل، ما يتطلب تحديث برامج الرصد الرقمي وتكثيف حملات التوعية لمنع التصعيد.
– من المتوقع أن تظل الهجمات الفردية أحد أبرز التهديدات حتى 2026، إذ تتميز بالقدرة على التخفي والتنفيذ السريع دون الحاجة لهيكل تنظيمي كبير. هذه العمليات تشكل تحديًا للاستخبارات الأوروبية، إذ يصعب التنبؤ بها أو منعها قبل وقوعها. وبجانب الرقابة التقليدية، ستزداد أهمية تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة الأنماط السلوكية الرقمية وتحديد المؤشرات المبكرة لانخراط الأفراد في التطرف.
– من المحتمل أن يصبح الفضاء الرقمي هو الساحة الأساسية للتطرف الأوروبي، مع تزايد استخدام الألعاب والمنصات المغلقة والمحادثات المشفرة. ستواصل الجماعات الإسلاموية واليمينية تطوير أدوات رقمية للتجنيد والتحريض والتمويل. كذلك سيلعب الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الكبيرة دورًا محوريًا في مراقبة هذه الشبكات، لكن يبقى التحدي في توازن المراقبة مع احترام الحقوق الرقمية للمواطنين.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=111689
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
German domestic intelligence agency officially designated the entire political party Alternative for Germany (AfD) as a confirmed far-right extremist organization.
https://bit.ly/4o13AIm
Illegitimate foreign influence operations targeting the upcoming German federal election
https://bit.ly/4r44bvu
Global Terrorism Index 2025
https://bit.ly/4nZ1Tej
Europe’s digital frontlines
https://bit.ly/43yVDTn
