المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
د. شاهر الشاهر، أستاذ في كلية الدراسات الدولية، جامعة صن يات سين/ الصين shaher@mail.sysu.edu.cn
خبير دولي زائر في المركز الأوروبي ECCI
ملخص الدراسة:
مثّل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عام 2014 نقطة تحول بارزة في تطور ظاهرة الإرهاب الدولي، إذ تجاوز التنظيم نموذج الجماعات الإرهابية التقليدية التي تعتمد على الخلايا السرية والعمليات المحدودة، وسعى إلى بناء كيان جغرافي ذي خصائص شبه دولاتية، من خلال السيطرة على الأراضي، وإدارة السكان، وتطوير هياكل إدارية ومالية، وإنشاء منظومة إعلامية رقمية ذات قدرة عالية على التجنيد والتأثير. غير أن انهيار مشروعه الإقليمي وسقوط آخر معاقله في عام 2019 لم ينهِ ظاهرة الإرهاب، بل كشف عن تحول أعمق في طبيعتها وأساليب عملها.مكافحة الإرهاب
يدرس هذا البحث التحولات البنيوية التي شهدها الإرهاب العالمي في مرحلة ما بعد داعش، من خلال تحليل الانتقال من نموذج “الخلافة الجغرافية” القائم على السيطرة الإقليمية إلى نموذج الشبكات الإرهابية المرنة العابرة للحدود. ويبين أن التنظيمات المتطرفة أعادت تشكيل استراتيجياتها عبر الاعتماد على الخلايا اللامركزية، والعمليات الفردية، والمنصات الرقمية، واستغلال البيئات السياسية والاجتماعية الهشة لإعادة بناء النفوذ. كما يناقش البحث الدور المتنامي للتكنولوجيا الحديثة، ولا سيما الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي، في إعادة تعريف أدوات التجنيد، ونشر الدعاية، والتأثير في السلوك الفردي والجماعي.
ويجادل البحث بأن التحدي الرئيسي في مرحلة ما بعد داعش لا يرتبط فقط بقدرة التنظيمات الإرهابية على تنفيذ الهجمات، وإنما بقدرتها على التكيف مع التحولات الأمنية والتكنولوجية، والانتقال من السعي إلى السيطرة على الجغرافيا إلى التأثير في شبكات المعلومات والعقول. وعليه، فإن مواجهة الإرهاب في القرن الحادي والعشرين تتطلب تجاوز المقاربات العسكرية التقليدية نحو استراتيجية شاملة تجمع بين القدرات الأمنية والاستخباراتية، وتعزيز الأمن السيبراني، ومعالجة العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في إنتاج بيئات حاضنة للتطرف العنيف. الجهاديون
الكلمات المفتاحية:
تنظيم داعش؛ الإرهاب الشبكي؛ التطرف العنيف؛ الأمن السيبراني؛ الحرب الرقمية؛ الجماعات المسلحة العابرة للحدود..
المقدمة:
شهدت ظاهرة الإرهاب الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولات جوهرية أعادت تعريف طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجه الدول والمجتمعات. فبعد أن ارتبط الإرهاب تقليدياً بتنظيمات محدودة القدرات تعتمد على العمل السري والهجمات النوعية، ظهر في القرن الحادي والعشرين نموذج أكثر تعقيداً تمثل في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، الذي تجاوز نمط الجماعات المسلحة التقليدية عبر محاولة بناء كيان جغرافي يمتلك خصائص شبه دولاتية، من خلال السيطرة على الأراضي، وإدارة السكان، وتطوير مؤسسات مالية وإدارية، وإنشاء منظومة إعلامية متقدمة.
في عام 2014، أعلن داعش قيام ما سماه “الخلافة الإسلامية” بعد سيطرته على مناطق واسعة في العراق وسوريا، مستفيداً من بيئات سياسية وأمنية هشة نتجت عن ضعف مؤسسات الدولة، والصراعات الداخلية، والتدخلات الإقليمية والدولية. وقد مثل التنظيم حالة استثنائية في تاريخ الجماعات الإرهابية الحديثة، إذ جمع بين القدرات العسكرية، والخبرة التنظيمية، والموارد المالية، والاستخدام المكثف للتكنولوجيا الرقمية بهدف التجنيد، والدعاية، والتأثير النفسي على نطاق عالمي.
لكن انهيار مشروع داعش الإقليمي، خاصة بعد سقوط الموصل عام 2017 وانهيار آخر معاقله في الباغوز السورية عام 2019، طرح سؤالاً مركزياً في دراسات الأمن والإرهاب: هل أدى القضاء على “الخلافة الجغرافية” إلى نهاية التهديد الإرهابي، أم أنه شكل انتقالاً إلى مرحلة جديدة أكثر مرونة وقدرة على التكيف؟
أظهرت التطورات اللاحقة أن الإرهاب لم يختفِ بعد سقوط داعش، بل أعاد تنظيم نفسه وفق منطق مختلف. فقد تراجعت أهمية السيطرة الإقليمية لصالح نموذج الشبكات اللامركزية، حيث أصبحت الخلايا الصغيرة، والعمليات الفردية، والدعاية الرقمية، والقدرة على استغلال الأزمات المحلية، أدوات أساسية للحفاظ على التأثير والاستمرارية. ولم تعد السيطرة على الأرض شرطاً ضرورياً لبقاء التنظيمات المتطرفة، بل أصبحت القدرة على الوصول إلى الأفراد وإدارة التأثير داخل الفضاء الرقمي عاملاً حاسماً في قوتها.
كما كشفت مرحلة ما بعد داعش عن تغير في الخريطة الجغرافية للإرهاب العالمي؛ إذ انتقل جزء مهم من النشاط المتطرف من الشرق الأوسط إلى مناطق أخرى، ولا سيما منطقة الساحل الإفريقي وأفغانستان وأجزاء من آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا. وقد استفادت التنظيمات المرتبطة بداعش والقاعدة من ضعف مؤسسات الدولة، والفراغات الأمنية، والصراعات المحلية، لتطوير شبكات نفوذ جديدة تتجاوز الحدود التقليدية.
وفي الوقت نفسه، أدى التطور التكنولوجي إلى تغيير طبيعة المواجهة بين التنظيمات الإرهابية وأجهزة الأمن والاستخبارات. فقد أصبح الفضاء السيبراني مجالاً رئيسياً للتجنيد، ونشر الدعاية، والتواصل، وتنسيق النشاطات، فيما فرض ظهور الذكاء الاصطناعي تحديات جديدة تتعلق بإمكانية استخدام التقنيات الحديثة في إنتاج المحتوى المتطرف، والتلاعب بالمعلومات، وتعزيز عمليات الاستقطاب.
وعليه، فإن دراسة الإرهاب بعد داعش لا تقتصر على تحليل مستقبل تنظيم بعينه، وإنما تهدف إلى فهم تحول أوسع في طبيعة الإرهاب الدولي. فالتحدي الأمني المعاصر لم يعد يتمثل فقط في مواجهة تنظيمات هرمية يمكن استهداف قياداتها ومراكزها، بل في التعامل مع شبكات مرنة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، والتكيف مع الضغوط الأمنية، واستثمار التحولات السياسية والتكنولوجية لصالحها.داعش
إشكالية البحث:
تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسية تتمثل في أن الهزيمة العسكرية لتنظيم داعش لم تؤدِّ إلى القضاء على الإرهاب، وإنما ساهمت في انتقاله من مرحلة السيطرة الجغرافية إلى مرحلة الشبكات العابرة للحدود. وعليه، يسعى البحث إلى الإجابة عن السؤال الرئيسي الآتي: كيف أعاد الإرهاب العالمي تشكيل نفسه بعد سقوط تنظيم داعش، وما طبيعة التحديات الجديدة التي يفرضها نموذج الشبكات الإرهابية اللامركزية على منظومات الأمن الدولي والاستخبارات؟ ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات:
- ما الذي جعل تنظيم داعش نموذجاً مختلفاً عن التنظيمات الإرهابية السابقة؟
- كيف انتقلت التنظيمات الإرهابية من السيطرة على الأرض إلى العمل الشبكي؟
- ما دور التكنولوجيا والفضاء السيبراني في تطور الإرهاب المعاصر؟
- هل تحتاج استراتيجيات مكافحة الإرهاب الحالية إلى إعادة بناء لمواجهة التهديدات الجديدة؟
أهمية البحث:
تنبع أهمية هذه الدراسة من عدة مستويات:
أولاً: الأهمية العلمية: يساهم البحث في تطوير فهم نظري لتحولات الإرهاب الدولي، من خلال الانتقال من دراسة التنظيمات باعتبارها كيانات هرمية إلى تحليلها باعتبارها شبكات مرنة قادرة على إعادة التنظيم والتكيف.
ثانياً: الأهمية الأمنية: تساعد الدراسة في فهم طبيعة التحديات الجديدة أمام أجهزة الاستخبارات والأمن، خصوصاً فيما يتعلق بالخلايا الصغيرة، والتطرف الرقمي، والهجمات غير التقليدية.
ثالثاً: الأهمية الاستراتيجية: توضح الدراسة أن مواجهة الإرهاب لم تعد قضية عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بإدارة المعلومات، والأمن السيبراني، وبناء القدرة على منع التطرف قبل تحوله إلى عنف منظم. ، أمن قومي
منهجية البحث:
يعتمد البحث على المنهج التحليلي لدراسة التحولات التي شهدتها ظاهرة الإرهاب بعد سقوط داعش، إضافة إلى المنهج المقارن من خلال مقارنة نموذج داعش القائم على السيطرة الجغرافية مع نموذج الشبكات الإرهابية اللامركزية. كما يستفيد البحث من أدبيات الأمن الدولي ودراسات الإرهاب والتقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية المتخصصة.
* عن الكاتب :الدكتور شاهر إسماعيل الشاهر هو باحث وأكاديمي وأستاذ في العلاقات الدولية والدراسات الدولية، ويُعرف بكونه خبيراً بارزاً في الشؤون الصينية والآسيوية وقضايا الشرق الأوسط. خبيردولي زائر في المركز الأوروبي ECCI
للأطلاع على الدراسة كاملة.. نسخة PDF Skip to PDF content
رابط نشر مختصر..https://www.europarabct.com/?p=124979
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

