بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
هاجمت حماس إسرائيل في أكتوبر 2023، مما أسفر عن مقتل نحو (1200) شخص واحتجاز (251) رهينة. شنّت بعدها إسرائيل هجومًا واسع النطاق على غزة. تفيد الإحصائيات في 22 سبتمبر 2025 عن مقتل أكثر من (65) ألف شخص في غزة، معظمهم من المدنيين، ونحو (%50) تقريبًا من النساء والأطفال. أجبرت الهجمات مئات الآلاف من الفلسطينيين على الفرار، وأفادت الأمم المتحدة أن أغلب سكان غزة البالغ عددهم (2.3) مليون نسمة أجبروا على ترك منازلهم، وأن المباني والبنية الأساسية في غزة تعرّضت لأضرار كارثية.
العنف باسم السياسة: من الإبادة الجماعية إلى الإرهاب الدولي
الإبادة الجماعية: تعني أيًّا من الأفعال المرتكبة، بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية كليًا أو جزئيًا، كقتل أعضاء المجموعة، والتسبّب في أذى جسدي أو نفسي خطير لأعضاء المجموعة، وفرض ظروف معيشية متعمّدة على الجماعة من شأنها أن تؤدي إلى تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، وفرض التدابير الرامية إلى منع الولادات داخل الجماعة، ونقل أطفال المجموعة إلى مجموعة أخرى بالقوة.
جرائم الحرب: انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، يتحمّل مرتكبوها المسؤولية الجنائية الفردية بموجب القانون الدولي. على النقيض من الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، فإن جرائم الحرب تقع دائمًا في سياق نزاع مسلح، سواء كان دوليًّا أم لا. تشمل جرائم الحرب عدة جرائم كالقتل، والتعذيب، والنهب، وتدمير البنية التحتية، كما يُعد استخدام أسلحة غير مصرّح بها بموجب الاتفاقيات الدولية، مثل الأسلحة الكيميائية، من ضمنها. وعلى النقيض من الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، يمكن ارتكاب جرائم الحرب ضد مجموعة متنوعة من الضحايا، سواء كانوا مقاتلين أو غير مقاتلين، وذلك حسب نوع الجريمة.
الجرائم ضد الإنسانية: الجرائم المرتكبة كجزء من هجوم واسع النطاق موجّه ضد مجموعة من السكان المدنيين، مثل القتل، والإبادة، والاستعباد، والتعذيب، والاغتصاب، أو أيّ شكل من أشكال العنف الجنسي أو العبودية الجنسية. لا يُشترط ربط الجرائم ضد الإنسانية بالنزاع المسلح. يمكن أن تحدث في أوقات السلم، كما هو الحال مع جريمة الإبادة الجماعية. يجب أن تتضمن ثلاثة عناصر “جسدي، وسياقي، وعقلي”. بخلاف الإبادة الجماعية، لا تستهدف الجرائم ضد الإنسانية بالضرورة فئة سكانية محددة، لذا يمكن توجيهها ضد أي فئة من السكان المدنيين.
الإرهاب السياسي: يُستخدم للإشارة إلى إستراتيجية يستخدمها فاعلون، سواء “دولة أو غير دولة”، بشكل متعمد لارتكاب أفعال عنف تستهدف أشخاصًا مدنيين أو غير مقاتلين، بهدف خلق الخوف أو الترهيب، أو الضغط على حكومة أو سلطة سياسية لتحقيق غايات سياسية أو أيديولوجية. يرتكز على أركان أساسية “الغاية سياسية أو أيديولوجية، ليست اقتصادية أو انتقامية فقط؛ استهداف المدنيين أو الأشخاص غير المحاربين؛ استخدام العنف أو التهديد به كوسيلة للإكراه أو التأثير”.
الإرهاب الدولي: يُشير إلى الأعمال الإرهابية التي تنطوي على عنف مقصود ضد المدنيين أو التهديد به، يكون هدفها سياسيًّا، وتُرتكب بواسطة فاعلين من دولة أو غير دولة، ويشملها عنصر عابر للحدود، سواء من حيث الفاعل أو الضحية أو التأثير أو الوسائل. العناصر المميزة له هي ” وجود عنصر دولي، يكون الهدف سياسيًّا أو أيديولوجيًّا كما في الإرهاب السياسي، لكن مع بُعد عابر للحدود، ويستهدف المدنيين أو يستخدم العنف لتحقيق تأثير يتجاوز المكان المحلي”. الاتحاد الأوروبي والعقوبات على إسرائيل، حرب غزة والاختبار الأوروبي
هل ارتكبت إسرائيل جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة؟
تنص اتفاقية الإبادة الجماعية في مادتها الأولى على أن جريمة الإبادة الجماعية قد تقع في سياق نزاع مسلح، دولي أو غير دولي، وكذلك في سياق حالة سلمية. ورغم أن الحالة الأخيرة أقل شيوعًا، إلا أنها لا تزال ممكنة. وتنص المادة نفسها على التزام الأطراف المتعاقدة بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. اتهمت لجنة الأمم المتحدة إسرائيل بارتكاب أربعة أفعال تندرج تحت مسمى الإبادة الجماعية كما يلي:
الفئة الأولى: استشهدت اللجنة بتقارير الأمم المتحدة التي تفيد بأنه حتى 15 يوليو 2025، كان ما لا يقل عن (%46) من الفلسطينيين الذين قُتلوا في غزة من النساء والأطفال. كما استشهدت اللجنة، استنادًا إلى معلومات استخباراتية، بأن (%83) من القتلى في غزة كانوا مدنيين. لقد استخدمت إسرائيل ذخائر ثقيلة غير موجهة بهامش خطأ واسع في مناطق سكنية مكتظة بالسكان. إن عدد القنابل التي استخدمتها إسرائيل منذ أكتوبر 2023 غير عادي، حتى بالمقارنة بصراعات أخرى.
الفئة الثانية: سلطت لجنة الأمم المتحدة الضوء على سوء معاملة المعتقلين الفلسطينيين من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، والنزوح الجماعي لسكان غزة، الذي تسبب في أضرار جسدية وعقلية خطيرة لا يمكن إصلاحها للفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم وأُجبروا على العيش في ظروف غير إنسانية صعبة.
الفئة الثالثة: أشار تقرير اللجنة إلى أن جزءًا كبيرًا من غزة أصبح شبه غير صالح للسكن، وأن أعدادًا هائلة من المخابز والمدارس والمواقع الثقافية والمعالم الدينية دُمِّرت بالكامل، وأن الهجمات على المستشفيات أدت إلى انهيار نظام الرعاية الصحية. كما سلط التقرير الضوء على إعلان مراقبين دوليين مدعومين من الأمم المتحدة عن المجاعة في أجزاء من غزة.
الفئة الرابعة: ركزت اللجنة إلى حد كبير على النسبة العالية من الضحايا الذين كانوا أطفالًا، والهجوم في ديسمبر 2023 على عيادة “البسمة” لأطفال الأنابيب، وهي أكبر عيادة للخصوبة في غزة، والتي ورد أنها دمرت نحو (4000) جنين. خلص التقرير إلى أنه “من المعقول أن نستنتج أن قوات الأمن الإسرائيلية كانت على علم بوظيفة العيادة، وكانت تنوي استهدافها وتدمير المواد الإنجابية الموجودة فيها”.
أشارت “ميلاني أوبراين”، الباحثة في القانون الدولي والإبادة الجماعية، إلى تصريحات قادة عسكريين أو مدنيين، بالإضافة إلى شخصيات بارزة من المجتمع المحلي وصحفيين وجنود، منذ أكتوبر 2023، تضمنت التصريحات نية حرمان الشعب الفلسطيني من ضروريات الحياة، وتهجيرهم قسرًا من غزة، وتدمير قطاع غزة ومحوه بالكامل”. أكد “سيرجي فاسيلييف” أستاذ القانون الدولي في الجامعة المفتوحة في هولندا: “أن قرار الامم المتحدة كشف عن أن التقييم القانوني أصبح سائدًا في الأوساط الأكاديمية، وخاصة في مجال دراسات الإبادة الجماعية”. الأمن القومي ـ الاعتراف بالدولة الفلسطينية هل يفرض الرأي العام الألماني رأيه؟
تصدّع في الموقف الأوروبي: الإبادة الجماعية بين التأييد والتحفظ
انتقدت “تيريزا ريبيرا”، نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية، أوروبا لفشلها في التحرك لإقناع إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في غزة، والتي أدت إلى تدمير جزء كبير من القطاع. أضافت: “إن الإبادة الجماعية في غزة تكشف عن فشل أوروبا في التصرف والتحدث بصوت واحد، حتى في الوقت الذي تنتشر فيه الاحتجاجات في مختلف المدن الأوروبية ويدعو فيه (14) عضوًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى وقف فوري لإطلاق النار”. أكدت “باولا بينهو” المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية: “ليس من اختصاص المفوضية الحكم في هذه المسألة والتعريف، بل من اختصاص المحاكم، ولم يصدر أي قرار من هيئة المفوضين بشأن هذا الموضوع على وجه الخصوص”.
أوضح “فريدريش ميرز ” المستشار الألماني: “أن أفعال إسرائيل في غزة لا تتناسب مع أهدافها المعلنة”. متابعًا: “أن ألمانيا لا تتفق مع الرأي القائل بأن هذه الأفعال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وأن ألمانيا لا ترى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمرٌ مطروح للنقاش”. أشار استطلاع للرأي في سبتمبر 2025 إلى أن (62%) من الناخبين الألمان يرون أن أفعال إسرائيل في غزة يمكن وصفها بالإبادة الجماعية. ويعارض (%17) هذا الرأي، رفض (21%) التعليق على هذا السؤال. يعتقد (71%) من ناخبي الحزب الاشتراكي الديمقراطي، و(71%) من حزب الخضر، و (79%) من حزب اليسار على وجه الخصوص، أن الأحداث في قطاع غزة يمكن وصفها بالإبادة الجماعية. يشاركهم هذا الرأي غالبية ناخبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي، ولكن بنسبة أقل (60%).
أوضح “ديفيد لامي” وزير الخارجية البريطاني في سبتمبر 2025: “إن الخسائر في صفوف المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، والدمار الشامل في غزة، أمرٌ مروّعٌ للغاية، ووفقًا لاتفاقية الإبادة الجماعية، لا تُرتكب جريمة الإبادة الجماعية إلا عند وجود نية محددة لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية كليًا أو جزئيًا، ولم تستنتج الحكومة البريطانية أن إسرائيل تتصرف بهذه النية”.
صرح “ديفيد فان ويل” وزير الخارجية الهولندي المؤقت في 18 سبتمبر 2025: “أن هولندا تمتنع عن وصف الحالات بالإبادة الجماعية، وأن تحديد الإبادة الجماعية هو في نهاية المطاف مسؤولية محكمة العدل الدولية، وهي عملية قد تستغرق سنوات”. أوضح “فان ويل”: “لا ينبغي اعتبار الحذر الهولندي في وصف الأوضاع بالإبادة الجماعية إنكارًا لخطورة الوضع في غزة، فالمعاناة الإنسانية غير مسبوقة، وخطورتها لا تغيب عن أذهان الحكومة”.
صرح “بيدرو سانشيز” رئيس الوزراء الإسباني في يونيو 2025: “أن غزة تعيش وضعًا كارثيًا يُشبه الإبادة الجماعية، وحثّ الاتحاد الأوروبي على تعليق اتفاقية التعاون مع إسرائيل فورًا”. تُمثل هذه التصريحات أقوى إدانة من رئيس الوزراء الإسباني، وهو منتقد صريح للهجوم الإسرائيلي، ومن أوائل القادة الأوروبيين، الذين استخدموا مصطلح “إبادة جماعية” لوصف الوضع في غزة. الاتحاد الأوروبي ـ هل يفقد تأثيره الدولي بسبب تباين مواقفه من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟
ارتدادات حرب غزة على الداخل الأوروبي
تزايدت المخاوف الأوروبية من النزوح من غزة والمناطق المحيطة بها، ما يؤدي إلى زيادة الضغوط على الدول الأوروبية لاستقبال اللاجئين أو إدارة تدفقات الهجرة، الأمر الذي من شأنه أن يخلق توترات سياسية على المستوى المحلي. خلق الرأي العام القوي والنشاط المناهض للحرب إلى احتجاجات واسعة النطاق، وأحيانًا أخرى إلى مواجهات مع الشرطة. شكّل ذلك ضغطًا على الحكومات الوطنية في الدول الأوروبية بشأن السياسة الخارجية، وصادرات الأسلحة، والاعتراف الدبلوماسي. أدت التوترات بين المجموعات المؤيدة للفلسطينيين مقابل المؤيدة لإسرائيل إلى صراع بين تلك المجموعات في الداخل الأوروبي، ما زاد من جرائم الكراهية، و معاداة السامية أو الإسلاموفوبيا.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تشكّل التطورات في غزة منذ أكتوبر 2023 تحديًا أخلاقيًا وقانونيًا وسياسيًا للمجتمع الدولي، وخاصة أوروبا، حيث لم تعد الانتهاكات بحق المدنيين تندرج فقط ضمن إطار الصراع التقليدي، بل باتت تُثير تساؤلات قانونية خطيرة حول مدى انطباق وصف الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.
– التقرير الأممي الذي رصد أربع فئات تُحتمل أن تشكّل إبادة جماعية، إضافة إلى تصريحات خبراء القانون الدولي، يُشير إلى تغيّر في المزاج الأكاديمي والقانوني تجاه تحميل إسرائيل مسؤوليات جنائية دولية. من جهة أخرى، يشهد الداخل الأوروبي تصدّعًا متزايدًا في التوافق السياسي تجاه حرب غزة.
– تدعو بعض الدول إلى محاسبة إسرائيل وتعليق الاتفاقات معها، بينما تتخذ أخرى موقفًا حذرًا، معتبرة أن تحديد وصف “الإبادة” من صلاحيات المحاكم الدولية. الانقسام لا يقتصر على الحكومات بل يمتدّ إلى المجتمعات الأوروبية نفسها، حيث أدى إلى تصاعد الاحتجاجات والتوترات بين المكونات المجتمعية، وزيادة جرائم الكراهية.
– من المرجح أن يتزايد الضغط على المؤسسات الأوروبية لتوضيح مواقفها تجاه ما يجري في غزة، خاصة في حال صدور تقارير أممية أو قضائية إضافية تُعزّز فرضية الإبادة. داخليًا، قد تتأثر سياسات الهجرة واللجوء بشكل واضح، كما ستضطر الحكومات إلى التوفيق بين التزاماتها القانونية الدولية واعتبارات الأمن الداخلي والرأي العام.
– من المحتمل على المستوى الدولي، أن تتعزز المطالب بإصلاح آليات المساءلة الدولية، وتعزيز صلاحيات محكمة العدل الدولية في مثل هذه الحالات. بالمجمل، تشكل حرب غزة لحظة اختبار لمصداقية النظام الدولي وقوة تماسك الاتحاد الأوروبي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109947
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
EU distances itself from Commissioner’s claims Israel committing genocide in Gaza
https://tinyurl.com/3en9jmwh
Merz: Germany still to decide whether to back sanctions on Israel
https://tinyurl.com/4jxhs4dp
Dutch MPs vote against Palestinian state recognition amid government fallout over Israel
https://tinyurl.com/3ssyve7w
UN commission says Israel is committing genocide in Gaza
https://tinyurl.com/yzywb3s7
