الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الإخوان المسلمون في بريطانيا توظيف الإسلام السياسي، فاعلاً أيديولوجياً عابراً للدول

ديسمبر 29, 2025

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

بون ـ  جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي ECCI  https://x.com/jassim__press

الإخوان المسلمون في بريطانيا توظيف الإسلام السياسي، فاعلاً أيديولوجياً عابراً للدول

منذ عقود طويلة، تمثل بريطانيا إحدى أهم الساحات الغربية التي أعادت فيها جماعة الإخوان المسلمين إنتاج نفسها خارج المجال العربي، ليس فقط كحركة دينية أو اجتماعية، بل كلاعب سياسي ناعم، وشبكة علاقات، ومنصة إعلامية عابرة للحدود. تأتي تصريحات نائب الرئيس الأميركي فانس يوم 28 ديسمبر 2025، التي حذّر فيها من سيناريو محتمل يتمثل في تنامي نفوذ تيارات الإسلام السياسي داخل دول أوروبية تمتلك قدرات نووية خلال الخمسة عشر عاما المقبلة، في سياق نقاش أوسع داخل الأوساط السياسية والأمنية الغربية حول تحولات البيئة الاستراتيجية في أوروبا.

وقد نُقلت هذه التصريحات عبر تقارير إعلامية غربية في أواخر ديسمبر 2025، ما يعكس تصاعد القلق داخل بعض دوائر صنع القرار الأميركية من تداخل الديناميات السياسية الداخلية في أوروبا مع اعتبارات الأمن القومي العابر للحدود. ورغم الطابع الافتراضي لهذا السيناريو، إلا أن طرحه من قبل مسؤول أميركي رفيع يعكس إدراكا متزايدا لاحتمالات توظيف الإسلام السياسي، بصفته فاعلًا أيديولوجيا عابرا للدول، في التأثير على قرارات وسياسات دول مركزية داخل المنظومة الغربية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول مستقبل التماسك السياسي والأمني الأوروبي.

ورغم التحولات الجذرية في نظرة كثير من الدول الأوروبية إلى الإسلام السياسي بعد موجات الإرهاب، ما زالت لندن تحتفظ بوضع استثنائي في علاقتها مع الجماعة، سواء من حيث الحضور العلني، أو هامش الحركة، أو غياب التصنيف الرسمي كتنظيم متطرف. لا يمكن فهم موقع الإخوان في بريطانيا دون العودة إلى أربعينيات القرن الماضي، حين كانت الجماعة تتحرك في فضاء معقّد تشكّل على أنقاض النفوذ البريطاني في مصر. في تلك المرحلة، لم تكن الجماعة مجرد حركة دينية ناشئة، بل أداة وظيفية محتملة في مواجهة القوميين واليساريين، وهو ما جعلها موضع اهتمام مبكر من الاستخبارات البريطانية.

لم يكن هذا الاهتمام قائماً على تحالف أيديولوجي، بل على منطق براغماتي يرى في الإسلام السياسي قوة يمكن احتواؤها وتوجيهها لموازنة خصوم أكثر راديكالية أو معاداة للمصالح الغربية. هذا الإرث لم ينقطع تماما، بل انتقل تدريجيا من الشرق الأوسط إلى العاصمة البريطانية نفسها، حيث تحولت لندن لاحقًا إلى مركز استقبال لقيادات وكوادر الجماعة الهاربة من الصدام مع الأنظمة العربية.  الإخوان المسلمون في أوروبا، تحوّلات في السياسات الأمنية . ملف

الإخوان وبريطانيا: من الاستضافة إلى التوظيف

مع وصول الإخوان إلى بريطانيا، لم تُعامل الجماعة بوصفها تهديدا أمنيا مباشرا، بل كجزء من تنوع الحركات الإسلاموية التي يمكن مراقبتها، احتواؤها، وربما الاستفادة منها. في هذا السياق، تطورت علاقة غير معلنة بين بعض دوائر الدولة العميقة البريطانية والجماعة، قوامها السماح بالحركة مقابل الانضباط النسبي داخل الإطار القانوني البريطاني. لم يكن مطلوبا من الإخوان التخلي عن خطابهم الأيديولوجي، بقدر ما كان مطلوبا ضبطه بما لا يهدد الأمن الداخلي. هذا التعايش أنتج وضعا فريدا، حيث تمكنت الجماعة من بناء شبكة مؤسسات تعليمية، بحثية، إعلامية، وخيرية، دون أن تصنف رسميا كتنظيم متطرف، حتى بعد مراجعة الحكومة البريطانية عام 2015 التي انتهت إلى صيغة رمادية أبقت الباب مفتوحا أمام النشاط.

العلاقة مع الأحزاب السياسية: حزب العمال نموذجا

في الفضاء السياسي البريطاني، لم تسعَ جماعة الإخوان إلى بناء علاقة تنظيمية مباشرة مع الأحزاب، بل اعتمدت على نمط أكثر مرونة وتكتيكا يقوم على العلاقات الشخصية، والوساطات، والتقاطعات الظرفية. حزب العمال، بحكم خطابه التعددي، وتوجهه نحو الأقليات، شكل بيئة ملائمة لهذا النوع من التفاعل. هنا لا نتحدث عن تحالف أيديولوجي، بل عن تبادل مصالح سياسي بحت، حيث لعبت بعض شبكات الإسلام السياسي دورا في حشد أصوات الجاليات المسلمة لصالح مرشحين محددين، مقابل مواقف سياسية أقل تشددا تجاه قضايا الإخوان في الداخل والخارج. هذا النمط من العلاقات لا يدار في العلن، لكنه حاضر بقوة في حسابات الانتخابات المحلية والبرلمانية، خاصة في الدوائر ذات الكثافة المسلمة. الإخوان المسلمين ـ انعكاسات قرار ترامب بحظر الجماعة على أوروبا والشرق الأوسط؟ ملف

الإخوان كقوة ضغط انتخابي ناعمة

نجحت الجماعة في تقديم نفسها، داخل المشهد البريطاني، بوصفها ممثلًا غير رسمي لشريحة من المسلمين، مستفيدة من فراغ التمثيل، وضعف اندماج بعض الجاليات، وحساسية السياسيين تجاه خطاب الأقليات. هذا الموقع منحها قدرة على التأثير في الخطاب السياسي لبعض النواب، خاصة في قضايا السياسة الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط، ومواقف حقوق الإنسان، والتعامل مع أنظمة عربية تعادي الإخوان. ورغم أن هذا التأثير لا يصل إلى مستوى صناعة القرار، إلا أنه يخلق بيئة سياسية مترددة في اتخاذ خطوات حاسمة ضد الجماعة، خشية فقدان أصوات انتخابية أو الدخول في صدامات مجتمعية.

الإعلام: لماذا تبقى لندن المنصة الأهم؟

أحد أكثر الأسئلة هو: لماذا ما زالت بريطانيا الحاضنة الأهم للإعلام المرتبط بالإخوان؟ الإجابة: الإطار القانوني الليبرالي، والمصلحة الجيوسياسية، واستخدام الإعلام كأداة ضغط خارجية. لندن توفر بيئة قانونية تحمي حرية التعبير إلى حد بعيد، ما يسمح بإطلاق منصات إعلامية معارضة لأنظمة عربية دون مساءلة مباشرة. في الوقت نفسه، لا تنظر الدولة البريطانية إلى هذا الإعلام باعتباره خطرا داخليا، طالما أن نشاطه موجه إلى الخارج. بل إن وجود هذه المنصات يمنح لندن أوراق ضغط سياسية غير مباشرة في ملفات الشرق الأوسط، دون تحمل كلفة التدخل الرسمي. الإخوان المسلمون ـ تأثير قرار ترامب على جماعة الإخوان في الشرق الأوسط

لماذا لا تصنَّف الجماعة كتنظيم متطرف؟

رغم كل التحفظات، لا تزال بريطانيا ترفض تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا. التصنيف سيعني فتح ملفات قانونية معقدة، ومواجهة محتملة مع مؤسسات قائمة منذ عقود، إضافة إلى مخاوف من دفع الجماعة نحو السرية والراديكالية. وأن الدولة البريطانية تميّز بين العنف المباشر وبين الأيديولوجيا، وتفضل التعامل مع الأخيرة عبر الاحتواء والمراقبة بدل الحظر. هذه المقاربة، وإن بدت متساهلة، تعكس فلسفة أمنية ترى في الإخوان خطرا مدارا، لا تهديدا قائماً. الإخوان المسلمون ـ دوافع قرار ترامب وما يكشفه عن مستقبل الإسلام السياسي

الإستنتاج

ـ لا يمكن فهم العلاقة بين بريطانيا وجماعة الإخوان المسلمين بوصفها علاقة دعم أو عداء مباشر، ولا يمكن اختزالها في ثنائية الاحتواء أو المواجهة. نحن أمام علاقة مركبة ومتعددة الطبقات، تشكلت تاريخيا في سياق براغماتي حكمه المنطق الاستعماري البريطاني في الشرق الأوسط، واستمر لاحقًا ضمن حسابات الحرب الباردة، ثم أعيد إنتاجه في العقود الأخيرة داخل بيئة سياسية وأمنية أوروبية مختلفة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، وحرية التعبير، والتعددية السياسية، وحسابات الداخل الانتخابي.

ـ  إن تصريح نائب الرئيس لا يعني أن جماعات مثل الإخوان ستتمكن من السيطرة مباشرة على الأسلحة النووية. المقصود هو النفوذ السياسي والاستراتيجي، أي أن أيديولوجيات هذه الجماعات قد تصل إلى صانعي القرار أو القادة السياسيين، ما قد يؤثر على سياسات إدارة الترسانة النووية، أو يقلل من فاعلية الرقابة، أو يؤثر على استراتيجيات الردع والأمن القومي. باختصار، الحديث عن خطر غير مباشر على الأمن النووي من خلال التأثير على السياسات والإدارة. التحذير يجب أن يفهم في سياق أمني واستراتيجي، بينما يبدو السيناريو شديدا، إلا أنه يأتي ضمن تحليل المخاطر السياسية والأمنية.

ـ لم تنظر بريطانيا تأريخياً إلى جماعة الإخوان بوصفها حركة دينية فحسب، بل كفاعل سياسي قابل للتوظيف أو الاحتواء أو المراقبة، بحسب مقتضيات المرحلة. هذا المنطق لم ينقطع بعد نهاية الإمبراطورية، بل تكيّف مع واقع ما بعد الاستعمار، حيث أصبحت لندن ترى في الجماعة لا سيما في نسختها المنفية أو الأوروبية ، كيانا يمكن ضبطه وإدارته داخل الإطار القانوني، بدل دفعه إلى العمل السري أو الراديكالي خارج هذا الإطار. ومن هنا جاء خيار “الإدارة بدل الحظر”، وهو خيار يعكس فلسفة أمنية بريطانية تقليدية تفضل الرصد والتفكيك البطيء على المواجهة المباشرة.

ـ سياسيا، استفادت الجماعة من هذا الهامش، ونجحت في بناء شبكات علاقات تكتيكية مع بعض الفاعلين السياسيين، خصوصا في السياق المحلي والانتخابي، حيث يجري التعامل معها أحيانا بوصفها ممثلا غير رسمي لشرائح من الجاليات المسلمة، أو كوسيط اجتماعي قادر على التأثير في اتجاهات التصويت. هذا النمط من العلاقة لا يعني تبنيا أيديولوجيا من الدولة أو الأحزاب الكبرى، لكنه يعكس براغماتية سياسية متبادلة، تقوم على تبادل المصالح الآنية أكثر من الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ـ إعلاميا، تحولت بريطانيا إلى منصة رئيسية لنشاط الإخوان في المنفى، مستفيدة من البيئة القانونية التي تحمي حرية التعبير والعمل الإعلامي، حتى عندما يكون الخطاب سياسيا حادا أو موجها ضد أنظمة إقليمية بعينها. هذا الواقع منح الجماعة قدرة على ممارسة نفوذ ناعم، والتأثير في الرأي العام العربي والدولي، دون أن يعني ذلك غياب الرقابة الأمنية أو السياسية الكاملة على أنشطتها.

ـ  التقارير الحكومية، والمراجعات الأمنية، والمتابعة الاستخبارية المستمرة، تشير بوضوح إلى أن لندن تراقب الإخوان.

ـ إن تصاعد الهجمات الإرهابية في أوروبا، وتزايد القلق من خطاب الإسلام السياسي غير العنيف بوصفه بيئة حاضنة للتطرف، وتنامي الضغوط من شركاء أوروبيين يتبنون مقاربات أكثر تشددا، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة طرح السؤال القديم الجديد: هل ما زال نموذج الاحتواء البريطاني صالحا، أم أنه بات عبئا على الأمن والتماسك المجتمعي؟

ـ  أن الجدل لم يعد أمنيا فقط، بل بات مجتمعيا وسياسيا بامتياز. فالنقاش حول الإخوان اليوم يتقاطع مع أسئلة الهوية، والاندماج، والولاء السياسي، وحدود التعددية في الديمقراطيات الليبرالية. وفي هذا السياق، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بإدارة الظاهرة دون تقييم آثارها بعيدة المدى على الاستقرار الداخلي، والعلاقات بين الدولة ومواطنيها المسلمين، ومستقبل الإسلام السياسي في أوروبا عموما.

ـ إن بريطانيا لم تحسم علاقتها بجماعة الإخوان بعد، بل تؤجل الحسم عبر إدارة معقدة للتوازنات. غير أن استمرار هذا النهج مرهون بقدرة الدولة على ضبط تداعياته. ومع تغير المزاج الأمني والسياسي في أوروبا، قد تجد لندن نفسها مضطرة في المستقبل القريب إلى الانتقال من سياسة “الاحتواء الحذر” إلى سياسة “إعادة التقييم “، بما قد يعيد رسم ملامح وجود الجماعة ودورها داخل الفضاء الأوروبي .

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=113047

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...