المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي ECCI
نسخة PDF الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ الواقع، التنظيم، القيادات، والنشاط الرقمي
يشكل الوجود الإخواني في ألمانيا جزءاً من شبكة أوسع للإسلام السياسي ، الذي يعتمد على النشاط العلني عبر الجمعيات والمؤسسات المسجلة، مع الالتزام بالشكل بالقوانين الديمقراطية واستخدام أدوات العمل الاجتماعي لبناء نفوذ طويل المدى داخل الجاليات المسلمة. واكتسب هذا الوجود أهمية أكبر خلال الفترة 2023 ـ 2025 مع تشديد الرقابة الرسمية، ما استدعى دراسة دقيقة لشبكاته ومؤسساته وامتداداته الفكرية والتنظيمية. ملف الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ القيادات، شبكات العمل والتدابير
تشير بيانات مؤتمر الإسلام في ألمانيا إلى أن عدد المسلمين في ألمانيا 5.5 مليون مسلم، أي ما يعادل نحو 6–7% من السكان. ويشكل هذا الرقم الخلفية الاجتماعية التي تعمل ضمنها المؤسسات المرتبطة بالإخوان، حيث يتيح انتشار هذه الجماعات في الجاليات المسلمة فرصاً للتأثير الفكري والاجتماعي.
المؤسسات والكيانات المرتبطة بالإخوان
لا توجد بنية تنظيمية هرمية موحدة للإخوان في ألمانيا، بل شبكة مترابطة من الجمعيات والمراكز التعليمية والدعوية التي ترتبط فكريا بالحركة الأم. أبرز هذه الكيانات:
ـ الجمعية الألمانية المسلمة (DMG): المعروفة سابقاً باسم IGD، تُعتبر أبرز مؤسسة إخوانية في ألمانيا وفق تحليلات حكومية وبحثية. شهدت بعض الفروع المحلية، مثل فرع براونشفايغ 2024، رقابة وإجراءات حظر في ولاية نيدرزاكسن.
ـ المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (ECFR): جزء من شبكة أوروبية واسعة، له تأثير فكري على الجمعيات الإخوانية في ألمانيا وأوروبا.
ـ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية ـ فرع ألمانيا (EIHW): يشارك في الأنشطة الثقافية والتعليمية.
منظمة الأغاثة الإسلامية Islamic Relief Deutschland علاقات محدودة مع شخصيات قريبة من الإخوان، مما أدى إلى زيادة التدقيق حول نشاطها.
التموضع التنظيمي
إن نفوذ الإخوان لم يتراجع جذريًا، بل تغير أسلوبه نتيجة: تشديد الرقابة الأمنية على الجمعيات. حظر بعض الفروع المحلية في 2024. إدراج DMG في تقرير حماية الدستور 2024 كجهة رئيسية للإسلام السياسي. ويستمر النشاط عبر العمل الدعوي والاجتماعي والتعليم، ما يشير إلى إعادة تموضع ذكية للحركة أكثر من كونها تراجعا حقيقيا. ويركز الخطاب الرقمي على الاعتدال اللفظي مع تعزيز الهوية والدور المجتمعي للإخوان. تعتمد المؤسسات الإخوانية في ألمانيا على حضور رقمي قوي، يشمل: مواقع إلكترونية مثل DMG لنشر البيانات والأنشطة وأنشطة “دعوية” على وسائل التواصل الاجتماعي.
أبرز القيادات
ـ إبراهيم الزيات: يوصف بـ “مهندس الشبكات الإسلامية” في ألمانيا، ويقود منظمات شبابية، وله امتدادات في مؤسسات تعليمية وخيرية عابرة للحدود.
ـ أحمد طه صبري: إمام مسجد السلام في برلين وعضو بارز في “المركز الثقافي للحوار”. الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ التدابير الحكومية، ولماذا لا بتم حظر الجماعة ؟
ـ خضر عبد المعطي: المنسق العام للمجلس الأوروبي للأئمة والوعاظ، له دور دولي في دعم الإخوان.
ـ جعفر عبدالسلام: مدير مركز “الرسالة” لتعليم اللغة العربية في برلين، ساهم في توسيع نفوذ الإخوان بين الأطفال والجاليات.
ـ رشيدة النقزي: تتولى قسم المرأة في اتحاد المنظمات الإسلامية، وتعد أبرز القيادات النسائية للإخوان في أوروبا.
ـ ليديا نوفل: شاركت في تأسيس مجموعة العمل الإسلامية داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ما ساعد الإخوان على النفوذ داخل الأحزاب.
ـ نينا موهي: تدير منظمة “كليم”، وتستغلها الجماعة لمهاجمة منتقديها والضغط على الحكومة الألمانية، مستفيدة من ادعاءات التمييز والانتهاكات.
النشاط المؤسساتي والتنظيمي
تعمل شبكة الإخوان عبر جمعيات ومساجد ومراكز تعليمية مترابطة، لكن دون هيكل هرمي واضح. ويقدر عدد الأعضاء أو المرتبطين فكريا بالإخوان بين 1000 و1450 شخصا حتى 2024، ويتمركز أغلبهم في شمال الراين- وستفاليا، برلين، بافاريا، وبادن- فورتمبيرغ. كما يعتمد التنظيم على ما يسمى بـ “واجهة الشرعية“، حيث يمثل القادة الجمعيات إعلاميا ويقودون المراكز، بينما يبقى الارتباط الفكري والتنظيمي أوسع من الأدوار العلنية.
نشاط الجماعة على وسائل التواصل الاجتماعي
شهد نشاط جماعة الإخوان المسلمين على وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا نوعيا خلال العقد الأخير، ليصبح عنصرا مركزيا في استراتيجيتها الدعوية والسياسية. تستفيد الجماعة من المنصات الرقمية مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب لإنشاء حضور دائم وواسع النطاق، يتيح لها الوصول إلى جمهور متنوع محليًا وإقليميا ودوليا.
وتتمثل أبرز أدواتها في نشر المقالات التحليلية، مقاطع الفيديو، البث المباشر، والمجموعات التفاعلية المغلقة، بهدف بناء قاعدة جماهيرية واسعة، وتأطير الرأي العام حول قضايا سياسية واجتماعية محددة. الإخوان المسلمين في ألمانيا واقع التنظيم، الهيكل، وحجم النفوذ
يعتمد الإخوان على استراتيجيات متقدمة في استغلال الخوارزميات الرقمية والترويج المدفوع للوصول إلى جمهور مستهدف بعناية، مع التركيز على الشباب والفئات العمرية المتعلمة، ما يعزز قدرتهم على تشكيل الخطاب العام والتأثير في التوجهات السياسية والفكرية.
تستخدم المنصات الرقمية لتنسيق الأنشطة بين الفروع المختلفة على الصعيد الإقليمي والدولي، مما يقوي الشبكة الداخلية للتنظيم ويتيح توجيه الرسائل الدعوية والسياسية بشكل أكثر فاعلية.
وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه هذا النشاط، مثل الرقابة الحكومية، التضييق على حرية النشر، ومحاولات الكشف عن نشاطاتهم السرية، يظل الإخوان قادرين على التكيف مع المتغيرات التقنية واستغلال الوسائل الحديثة لتعزيز حضورهم وتأثيرهم.
يُظهر النشاط الرقمي للجماعة أن هذه الاستراتيجية تسهم في بناء صورة إيجابية لهم بين متابعين محددين، بينما تعمل في الوقت نفسه على التأثير في السياسات العامة والخطاب المجتمعي، مما يجعل وسائل التواصل الاجتماعي أداة استراتيجية رئيسية في قدرتهم على التأثير والتوسع.
التدابير
ينتقد كريستوف دي فريس، عضو الحزب الديمقراطي المسيحي، سياسة ألمانيا تجاه الإسلام خلال العقدين الماضيين، مؤكدا الحاجة إلى تطوير إستراتيجية شاملة لمكافحة الإسلام السياسي.
أسست الحكومة الألمانية في 2024 مجموعة عمل متعددة الأحزاب لمعالجة قضايا التطرف، بما يشمل التأثير على الحياة الاجتماعية ومعاداة السامية والهجمات الإسلاموية، بما في ذلك الأعمال الإرهابية. ويصنف المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية (BKA) حتى أبريل 2025 نحو 458 شخصا كخطرين ضمن التيار “الجهادي”، مع استمرار التركيز على ما يسمى بـ “الذئاب المنفردة.” الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
اعتمدت ألمانيا على إجراءات إدارية وأمنية محددة بدل حظر التنظيم كليا: حظر فرع DMG في براونشفايغ (2024). تشديد الرقابة على أنشطة الجمعيات. إدراج DMG في تقرير حماية الدستور 2024 كأبرز الجهات ذات التأثير الإخواني. تعزيز برامج مكافحة ما يسمى بـ “الإسلاموية “عبر الولايات الألمانية.
بعض المؤسسات الإسلامية في ألمانيا، مثل Milli Görüs المرتبطة مباشرة بتركيا، تتقاطع في بعض الفعاليات الدينية والسياسية مع الإخوان، رغم أنها ليست جزءاً مباشراً من الجماعة. تبقى بريطانيا مركز مهم لأنشطة الإخوان في أوروبا، وقد أُجريت مراجعة رسمية للحركة عام 2015، ما أثر في كيفية تعامل الدول الأوروبية مع الجماعة.
النتائج
ـ يعمل الإخوان في ألمانيا ضمن شبكة مؤسساتية مرنة واكتسبت أغلبها الموافقات القانونية للنشاط وتمزج بين الأنشطة الدعوية والتعليمية والخيرية مع الحفاظ على النفوذ الفكري والسياسي الخفي. ورغم الضغوط الأمنية، لم يتراجع التنظيم جذريا، بل تحول إلى أشكال أكثر احترافًا واندماجا.
ـ من المتوقع أن يظل نشاط الإخوان في ألمانيا قائما، لكنه سيكون أكثر حرصا ومرونة، مع التركيز على العمل المدني والثقافي والرقمي. وقد تشهد بعض الفروع تراجعا بسبب الضغوط القانونية، في حين ستظل الفروع الأكثر انفتاحا على الحوار المدني قائمة تحت المراقبة.
ويبدو أن التحول نحو أشكال مرنة وغير مباشرة من النفوذ الفكري سيكون السمة البارزة للنشاط الإخواني خلال السنوات القادمة، وهو ما يعكس مزيجا من القدرة على التكيف مع البيئة القانونية الصارمة مع المحافظة على شبكة التأثير داخل الجاليات المسلمة. الإسلام السياسي ـ لماذا باتت استراتيجية الإخوان المسلمين أكثر خطورة في ألمانيا؟
يبقى مستقبل الإخوان في ألمانيا مرتبطًا بقدرة الدولة على موازنة حماية الحريات الدينية مع تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة التطرف، وقدرة الجاليات المسلمة على بناء منظومات تمثيلية مستقلة لا تخضع للتأثيرات الأيديولوجية الخارجية.
يشير المشهد إلى أن الإخوان سيواصلون نشاطهم في أشكال أكثر احترافية ومرونة، محافظة على حضورها الاجتماعي والثقافي، مع استمرار صراع خفي بين الحرية الدينية ومكافحة التطرف.
ـ يعتمد مستقبل الإخوان على قدرة الدولة الألمانية على موازنة حماية الحريات الدينية مع تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة التطرف، وقدرة الجاليات المسلمة على بناء منظومات تمثيلية مستقلة بعيدا عن التأثيرات الأيديولوجية الخارجية.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=111812
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
