المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الهولندي ـ إشكاليات التمويل الدفاعي
يشهد الإنفاق الدفاعي في هولندا تحولًا ملحوظًا، مع توجه الحكومة إلى تعزيز القدرات العسكرية والاستجابة للبيئة الأمنية الأوروبية المتغيرة. ويعكس هذا التحول توجهًا أوسع لإعادة بناء القدرات العسكرية، وتحديث المعدات، وتعزيز الجاهزية والصناعة الدفاعية، بما ينسجم مع التحول الاستراتيجي الذي تشهده أوروبا.
زيادة الانفاق الدفاعي الهولندي
بدأ تعهد الحكومة الهولندية بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، في إطار التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يواجه صعوبات بالفعل بسبب خلافات مع بعض المؤسسات المالية التي تريد الحكومة إشراكها في تمويل الخطة. وتعثرت المحادثات التي بدأتها وزارة الدفاع الهولندية عام 2024 مع شركات تأمين محلية كبرى لاستكشاف إطار محتمل للاستثمار في قطاع الدفاع، بسبب طلب شركات التأمين الحصول على مساعدة حكومية في فحص الشركات الدفاعية قبل الاستثمار فيها. وتملك شركات التأمين الهولندية مجتمعة أصولًا تحت الإدارة بقيمة 455 مليار يورو (531.44 مليار دولار) في نهاية مارس من العام 2026، بما في ذلك صناديق التقاعد التابعة لها، مثل AZL، وصندوق أطباء الأسنان الهولنديين SPT، وفقًا لبيانات البنك المركزي الهولندي.
مع ذلك، قالت رابطة شركات التأمين الهولندية، التي تمثل القطاع في هذه المحادثات، إنها تفتقر إلى الخبرة اللازمة لإجراء العناية الواجبة على الشركات العاملة في قطاع الدفاع، الذي يتسم بالسرية، بينما قال متحدث باسم وزارة الدفاع إن مسؤولية فحص الاستثمارات تظل على عاتق المستثمرين. أكد متحدث باسم رابطة شركات التأمين: “نحن بحاجة إلى الحكومة في هذا الأمر. قطاع الدفاع غير شفاف بالنسبة إلينا، والحكومة هي الجهة التي تمتلك السياق والمعلومات اللازمة لاتخاذ قرار جيد حقًا”. وعُقدت آخر مناقشات جوهرية مع الحكومة في سبتمبر من العام 2025، ولم تُحدد أي محادثات أخرى منذ ذلك الحين، وفقًا للرابطة.
السندات الخيار المفضل
أنفقت هولندا نحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع العام 2025، وتقدر وزارة الدفاع أن الوصول إلى هدف 3.5% بحلول عام 2035 سيتطلب زيادة إضافية في الإنفاق الدفاعي تتراوح بين 16 و19 مليار يورو سنويًا. وتهدف الحكومة إلى تأمين نحو نصف مشترياتها الدفاعية المستقبلية محليًا ومن موردين أوروبيين، بهدف تعزيز قطاع الدفاع في البلاد. وأبدت شركات التأمين الهولندية اهتمامًا متزايدًا بالقطاع. إلا أنها لكي تصبح مستثمرًا مهمًا فيه، ستحتاج إلى معلومات محددة حول الجهات التي تبيع إليها الشركة الدفاعية، وتفاصيل جميع منتجاتها، حتى تتمكن من الالتزام بسياساتها الخاصة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، التي تحظر الاستثمار في شركات تنتج أنواعًا معينة من الأسلحة أو تزود دولًا معينة. وتقر وزارة الدفاع بأن جمع المعلومات المتعلقة بالموردين قد يكون صعبًا بسبب متطلبات السرية، وقد أطلقت موقعًا إلكترونيًا يجمع المعلومات المتاحة للعامة عن الموردين، لكن قطاع التأمين يقول إن هذه المواد لا تلبي احتياجاته بشكل كامل.
هناك تحدٍ آخر أمام شركات التأمين عند الاستثمار في الشركات الدفاعية، يتمثل في أن طبيعة مخاطرها وملفها الاستثماري يتناسبان بصورة أفضل مع أدوات الدخل الثابت، مثل السندات وغيرها من أشكال الديون، وفقًا لمحللين ورابطة شركات التأمين. وقال متحدث باسم الرابطة: “قد تكون سندات دفاعية تصدرها الحكومة استثمارًا أكثر طبيعية. وتمثل الأوراق المالية ذات الدخل الثابت حصة أكبر بكثير من محافظ شركات التأمين مقارنة بالأسهم المباشرة. وبالتالي، يمكن أن تكون السندات أكثر ملاءمة”. وبلغت قيمة محافظ الدخل الثابت لدى أكبر شركات التأمين الهولندية، NN Group وASR Nederland وAchmea، مجتمعة نحو 146 مليار يورو في نهاية يونيو، وكانت الحصة الأكبر منها مخصصة للديون الحكومية.
ترى الرابطة أن أحد الحلول يتمثل في إنشاء هولندا أداة للديون السيادية، على غرار فرنسا التي تتصدر جهود تعزيز قطاع الدفاع الأوروبي. ومن شأن ذلك توسيع قاعدة الأموال المتاحة أمام شركات التأمين للاستثمار، مع نقل مسؤولية فحص الشركات الدفاعية إلى الجهة المصدرة للديون. وفي العام 2025، أطلق بنك الاستثمار العام الفرنسي المدعوم من الدولة Bpifrance برنامجين: صندوقًا دفاعيًا بقيمة 450 مليون يورو يستهدف المستثمرين الأفراد، وسندات دفاع أوروبية بقيمة مليار يورو موجهة إلى المستثمرين المؤسسيين، بهدف دعم الشركات الفرنسية والأوروبية الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الدفاع.
أجرت شركة ASR Nederland أول استثمار دفاعي لها العام 2025 في شركة لم تكشف عن اسمها، وقالت إنها مستعدة لتخصيص ما يصل إلى 100 مليون يورو لكل صفقة. ورفعت Achmea حجم انكشافها على قطاع الدفاع إلى 150 مليون يورو في عام 2025، مقارنة بـ20 مليون يورو، وتتوقع المزيد من النمو. وقالت ASR إنها تحتاج إلى مزيد من المعلومات قبل إجراء استثمارات أكبر. ومع ذلك، فإن قواعد ESG الخاصة بشركة ASR Nederland، على سبيل المثال، لا تسمح لها بالاستثمار إلا في شركات دفاعية مقرها هولندا، وفقط في الشركات التي لا تزود الدول عالية المخاطر، وفقًا لتعريف الإطار الدولي للمسؤولية التجارية وحقوق الإنسان (IRBC) بشأن الأسلحة المثيرة للجدل والتجارة مع الدول عالية المخاطر. وحدّثت NN Group نهجها لدعم سلسلة القيمة الدفاعية الأوروبية، بما يشمل الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات المرتبطة بالقطاع العسكري، والبنية التحتية، والمعدات، والفضاء والطيران. أكد المستشار السياسي في رابطة شركات التأمين، دينيس هاينن، لرويترز: “الدفاع لم يعد كلمة سيئة… لكن إذا أردنا اتخاذ خطوة أكبر، فسنحتاج حقًا إلى معلومات إضافية من الحكومة”.
تحديات القطاع الدفاعي
حتى إذا اتفقت الحكومة وشركات التأمين على إطار للاستثمار، يواجه المستثمرون تحديًا آخر يتمثل في نقص الفرص الاستثمارية الكبيرة بما يكفي لجذب رؤوس الأموال المؤسسية. ويمتلك قطاع الدفاع الهولندي خبرات في بناء السفن الحربية، وأنظمة الرادار البحرية، والمركبات البرية الصغيرة، والطائرات المسيّرة، وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR)، إلى جانب مكونات الدفاع وأنظمة الأقمار الصناعية. وتشمل الشركات المصنعة الكبرى Damen Naval وThales Nederland وGKN Fokker وAirbus Netherlands وVDL Group، إلا أن إجمالي الإيرادات السنوية للقطاع بلغ 10.2 مليار يورو في عام 2025، وفقًا لوزارة الدفاع، وهو رقم صغير مقارنة بقطاعات الدفاع في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا.
يقول هانس هاويخن، الرئيس التنفيذي لرابطة الصناعات الدفاعية الهولندية (NIDV): “غالبًا ما يشعر المستثمرون المؤسسيون، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، بأن قيمة الاستثمارات الفردية صغيرة للغاية”. وقدرت PwC Nederland في تقرير صدر عام 2025 أن وزارة الدفاع ستحتاج إلى إنفاق نحو 62 مليار يورو بحلول عام 2030 على المعدات الدفاعية، ومن المتوقع تخصيص 41 مليار يورو منها للمصنعين الهولنديين، سواء في عقود مباشرة أو عقود من الباطن. وتضم هولندا نحو 400 شركة محلية تنتج المكونات والأنظمة الفرعية، والأجزاء المعدنية، والهياكل، والمحركات، والهياكل السفلية، وأنظمة الاستشعار. لكن للتعامل مع هذا المستوى من الإنفاق، ستحتاج هذه الشركات مجتمعة إلى زيادة إنتاجها بمقدار ثلاثة إلى أربعة أضعاف بحلول عام 2030، وفقًا لـPwC.
أكد هاويخن إن إنشاء صندوق بقيمة تتراوح بين 300 و500 مليون يورو، قادر على تقديم القروض، يمكن أن يساعد في سد فجوة تمويل رئيسية تواجه الشركات التي تسعى إلى التوسع، لكنه شكك في وجود عدد كافٍ من الشركات حاليًا لتبرير إنشاء مثل هذا الصندوق. وقال هاويخن: “الأمر برمته يتعلق بخفض المخاطر، وليس بزيادة العوائد”. وحتى ذلك الحين، قد يظل مصدر مهم محتمل لرأس المال، يمكن أن يساعد هولندا على توسيع صناعتها الدفاعية والوفاء بالتزامها تجاه الناتو، على الهامش.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123537
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

