المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تواجه ألمانيا وأوروبا تصاعدًا في الهجمات الهجينة، من الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية إلى التضليل والتخريب. وتبحث دول بحر البلطيق عن آليات مشتركة لتعزيز الردع وحماية البنية التحتية الحيوية في مواجهة التهديدات الروسية. ويبرز التحدي أمام برلين وأوروبا في الانتقال من رصد الهجمات إلى امتلاك قدرة فعالة على الردع والاستجابة.
قمة أمن بحر البلطيق
تتحدث الحكومة الألمانية عن “قوى أجنبية” قد تكون وراء حادث اكتشاف طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ. إلا أن هذا الوصف يظل غامضًا إلى حد ما، إذ تتعمد الحكومة عدم ذكر روسيا بالاسم. ومع ذلك، تبقى موسكو حاضرة بقوة في خلفية المشهد. فمن الواضح أن روسيا تمارس ضغوطًا متواصلة على ألمانيا من خلال هجمات هجينة. والحكومة الألمانية تدرك ذلك. ولهذا السبب، دعا وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريِنت إلى اجتماع وزاري بشأن التهديدات الهجينة في مدينة فلنسبورغ. يحمل الاجتماع اسم “قمة أمن بحر البلطيق”، ويُعقد في المدرسة البحرية بمورفيك. ووفقًا لوزارة الداخلية، من المتوقع أن يشارك ممثلون عن حكومات الدول المطلة على بحر البلطيق، وهي بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وفنلندا والسويد والدنمارك. كما تشارك أيرلندا، التي تتولى حاليًا رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي. وجاء في الدعوة أن “قوى أجنبية تحاول يوميًا مهاجمة وإضعاف الديمقراطية والأمن والقوة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي”. ولذلك، تسعى الدول المشاركة إلى بحث استراتيجيات مشتركة لتحسين التصدي للتهديدات الهجينة والتحقيق فيها.
تجمع التهديدات الهجينة بين وسائل مثل الهجمات السيبرانية والتضليل والضغط الاقتصادي واستخدام الطائرات المسيّرة، بهدف إحداث حالة من عدم الاستقرار بصورة متعمدة، وتقسيم المجتمع، وفي نهاية المطاف إضعاف الديمقراطية. وهناك أمثلة كافية على مثل هذه الهجمات في ألمانيا خلال السنوات الماضية، منها تحليق طائرات مسيّرة فوق منشآت عسكرية أو مطارات، ونشر أخبار زائفة، خصوصًا قبل الانتخابات، وعمليات تُنفذ تحت رايات زائفة، مثل سد أنابيب عوادم السيارات برغوة البناء، إلى جانب ملصقات تحمل شعار “كن أكثر خضرة!”، فضلًا عن هجمات القرصنة والتصيد الإلكتروني.
هل ألمانيا مستعدة؟
كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد استخدم كلمات واضحة بالفعل العام 2025. وفي ظل تزايد الهجمات على البنية التحتية، وعلى خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا، قال: “لسنا في حالة حرب، لكننا لم نعد في حالة سلام أيضًا”. وقبل أكثر قليلًا من شهرين، افتتحت الحكومة الألمانية المركز المشترك لمكافحة التهديدات الهجينة في برلين، المعروف اختصارًا باسم “GAZ Hybrid”. ويهدف المركز إلى ربط أجهزة مثل هيئة حماية الدستور والمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، من أجل اكتشاف الهجمات الهجينة والتصدي لها. ويظهر ذلك مدى إدراك ألمانيا لحجم الخطر. لكن خبير الأمن يان شتوكمان من الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية (DGAP) ينتقد رد فعل الحكومة على حادث الطائرة المسيّرة في لايبزيغ. وقال، في إشارة إلى عدم إعلان ألمانيا عن الجهة التي تقف وراء الحادث: “التخبط في الظلام لمدة أربعة أسابيع وعدم فعل أي شيء على الإطلاق، هذا بالطبع بالضبط ما يخدم مصالح المهاجمين”.
أضاف أن ذلك يفتح المجال أمام النقاشات وحالة عدم اليقين والتكهنات ونظريات المؤامرة. وطالب قائلًا: “يجب ببساطة عكس معادلة التكلفة والعائد هذه”. وبررت الحكومة الألمانية موقفها بالقول إنه عند توجيه الاتهام إلى جهة ما، يجب أن تكون قادرة كذلك على إثبات ذلك بشكل قاطع، وأن مثل هذا الاتهام سيجعل من الضروري اتخاذ رد واضح. ولا يُستبعد أن تكون الحكومة قد التزمت حتى الآن بالحذر في مسألة تحديد المسؤول، بسبب انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في السادس من سبتمبر من العام 2026 سبتمبر، انطلاقًا من مبدأ: “لا داعي الآن لتأجيج الأجواء أكثر والدخول في دوامة تصعيد مع روسيا”. لكن مؤشرات على تغير في الموقف ظهرت مؤخرًا. وقال المستشار خلال اجتماع الحكومة في قصر نويها ردنبيرغ، إن الحكومة ستعلن “قريبًا” عن نتائج تحقيقاتها. وهدد المسؤولين عن الهجوم بأنهم “سيدفعون الثمن”.
الرد خطوة في الاتجاه الصحيح
ويؤكد شتوكمان من الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية أن من المهم ألا يقتصر الأمر على نسبة الهجوم إلى جهة معينة، بل يجب أن تتبع ذلك كذلك إجراءات عملية. وقال: “يمكن أن يكون ذلك ردًا مضادًا مثل هجوم إلكتروني مضاد، أو الكشف المتعمد عن الهياكل التي تقف وراءه”. ويقصد بمصطلح “Hackback” تنفيذ هجوم رقمي مضاد. وأضاف: “يجب أن يرى الطرف الآخر، وكذلك السكان الألمان، أن ألمانيا قادرة على التحرك”. ونشرت الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية قبل بضعة أسابيع ورقة تتضمن تصورًا لمواجهة الحرب الهجينة ضد ألمانيا، تحت عنوان: “التحقيق، والردع، والدفاع”. ويشرح شتوكمان، الذي شارك في إعداد الورقة، قائلًا: “تحسين القدرة على الكشف والتحقيق هو الخطوة الأولى”.
ويرى أن أحد الخيارات يتمثل في أن تتواصل الحكومة الألمانية بشكل أكثر استراتيجية مستقبلًا، من خلال الكشف المدروس عن بعض المعلومات الاستخباراتية. ويذكر مثالًا على ذلك، إذ عمدت الولايات المتحدة قبل بدء الغزو الروسي لأوكرانيا إلى نشر معلومات استخباراتية بشكل متعمد حول خطط روسيا. وكان الهدف هو ردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الإقدام على الخطوة، أو على الأقل تقويض الدعاية الروسية وحشد الدعم الدولي. لكن الهدف الأول لم يتحقق. وقد تندرج في الفئة نفسها الرحلة الحالية لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو. فلم تظل الرحلة السرية المزعومة سرية لفترة طويلة. كما ظهرت في وسائل إعلام أمريكية معلومات حول ما يُعتقد أنه فعله هناك.
وبحسب هذه التقارير، حذّر راتكليف المسؤولين في موسكو شخصيًا من شن هجوم على حلف شمال الأطلسي “الناتو”.وقد يُفهم من الزيارة أنها رسالة موجهة إلى بوتين، علم بها العالم كله الآن، وربما عن قصد. وهذا أيضًا قد يكون جزءًا من الرسالة. يعتبر شتوكمان أن الردع يمثل نقطة حاسمة أخرى في التعامل مع الهجمات الهجينة. ويقول: “لن نتمكن من صد كل هجوم سيبراني، ولن نتمكن من اعتراض كل طائرة مسيّرة”. ولهذا، يجب ردع الجهات التي تنفذ هجمات هجينة مسبقًا، من خلال جعلها تدرك أن هجماتها قد تترتب عليها تكاليف. وأوضح أن الأمر لا يتعلق بوضع جدول ينص على أنه إذا أُطلقت طائرة مسيّرة، فستُرسل طائرة مسيّرة في المقابل.
وتابع: “بل يجب، مع الحفاظ على قدر معين من الغموض الاستراتيجي، أن يدرك المهاجم أن الهجمات ستكون لها عواقب”. وأخيرًا، يرى شتوكمان أن ألمانيا تحتاج إلى قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الهجمات الهجينة. ويصف ذلك بأنه “مهمة تقع على عاتق المجتمع بأسره”. فعند تطوير بنية تحتية جديدة، مثل الموانئ والكابلات والأنفاق، ينبغي تركيب أجهزة استشعار مناسبة منذ البداية، بحيث يمكن اكتشاف الهجمات في وقت مبكر والرد عليها. كما أن هناك حاجة إلى وعي جديد. ويؤكد الخبير أن الهدف ليس “وصم المواطنين بالغباء”، لكنه يقول: “نحن نواجه شكلًا جديدًا من الاختراق والتغلغل، ولا يمكن مواجهته إلا بالقدر المناسب من الانتباه”.
يرى شتوكمان أن قانون جهاز الاستخبارات الاتحادي الألماني الجديد، الذي أقرته الحكومة مؤخرًا، يمثل نهجًا جيدًا. وينص القانون على ألا يقتصر دور جهاز الاستخبارات الاتحادي وهيئة حماية الدستور مستقبلًا على جمع المعلومات، بل أن يُسمح لهما أيضًا بالتدخل على المستوى العملياتي. ويمثل ذلك تحولًا جذريًا بالنسبة إلى ألمانيا. ومن خلال أساليب مثل تخريب منشآت الجهات المهاجمة، يمكن في أفضل الأحوال منع بعض الهجمات. لكن مثل هذه العملية يمكن أن تكون أيضًا بمثابة رسالة، بحيث يفكر الطرف الآخر في المرة المقبلة في تكلفة أفعاله. وبوجه عام، يرى شتوكمان أن الحكومة الألمانية تسير في الاتجاه الصحيح، لكنه يقول: “لكنني أعتقد أن وتيرة التحرك لا تزال غير كافية”.
أمن الموانئ والملاحة البحرية
في قمة دوبريِنت في فلنسبورغ، يجري بحث أمن الموانئ والملاحة البحرية. وسواء تعلق الأمر بتخريب البنية التحتية الموجودة تحت الماء أو الهجمات السيبرانية على أنظمة الملاحة الخاصة بالسفن التجارية، فإن بحر البلطيق يقع ضمن دائرة اهتمام روسيا. وتقول إيرينا هيسلر، المسؤولة عن سياسات الأمن البحري في رابطة ملاك السفن الألمان، إن “الهجمات باستخدام التشويش والتضليل الملاحي ازدادت بشكل كبير منذ بداية الحرب في أوكرانيا”.
يعني التشويش “Jamming” تعطيل إشارات الاتصالات أو الإشارات اللاسلكية بشكل متعمد. أما “Spoofing”، فيشير إلى التلاعب بالإشارات من خلال إرسال بيانات خاطئة أو مزيفة. ومنذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، تنقل روسيا أيضًا النفط عبر بحر البلطيق باستخدام مئات الناقلات التابعة لما يُعرف بـ”أسطول الظل”، بهدف الالتفاف على العقوبات. ويرى خبراء أن هذه السفن قد تُستخدم أيضًا لأغراض التجسس والتخريب. وهي سفن ناقلات متهالكة لا تلتزم بقواعد السلامة، وتبحر تحت أعلام زائفة. وترى هيسلر أن أسطول الظل الروسي في بحر البلطيق يمثل “خطرًا مزدوجًا”. فمن ناحية، تكون هذه السفن غالبًا قديمة ومتهالكة، وقد تتسبب في مشكلات بيئية. ومن ناحية أخرى، يُشتبه أيضًا في إمكانية استخدام هذه السفن كمنصات لتنفيذ هجمات هجينة، لأنها تستطيع التحرك بحرية في المنطقة البحرية. وتؤكد هيسلر: “الهجمات الهجينة على السفن التجارية تخلق في المقام الأول حالة من عدم اليقين”.
وتهدف إلى عرقلة حركة البضائع. أما بالنسبة إلى البحارة، فتتطلب هذه الهجمات مستوى أعلى من التركيز، لأن عليهم التشكيك باستمرار في إشارات الملاحة والتحقق منها. وفي الوقت الذي تهدد فيه الطائرات المسيّرة السفن التجارية أو تهاجمها بصورة منتظمة في مضيق هرمز أو البحر الأسود، لم تُعرف حتى الآن حوادث مماثلة في بحر البلطيق. لكن هيسلر توجه تحذيرًا واضحًا: “وقوع حادث باستخدام طائرة مسيّرة في بحر البلطيق سيكون مرحلة جديدة من التصعيد ومثيرًا للقلق بدرجة هائلة”. وتضيف بثقة: “مثل هذه الهجمات يمكن أن تشل المنطقة البحرية بأكملها، كما رأينا بالفعل في مناطق أخرى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123675
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

