المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الأوروبي ـ هل تستطيع أوروبا سد فجوة التكامل الدفاعي؟
تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا في بناء منظومة دفاعية قادرة على العمل بصورة متكاملة في ظل تراجع الدور الأمريكي وتنامي التهديدات الأمنية. ولا يقتصر هذا التحدي على زيادة الإنفاق الدفاعي أو تطوير القدرات العسكرية، بل يمتد إلى ضمان قابلية التشغيل البيني وتوحيد البنى الرقمية والبرمجية. وتبرز الحاجة إلى قاعدة تقنية أوروبية مشتركة تضمن التكامل بين الجيوش والصناعات الدفاعية وتعزز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
الأمن والدفاع الأوروبي يخضعان للاختبار بسبب التهديد الروسي
يُشاع أنه في عام 1983، خلال غزو غرينادا، وهي واقعة منسية في تاريخ الحرب الباردة، استخدمت البحرية الأمريكية ومشاة البحرية الأمريكية أنظمة اتصالات غير متوافقة. ومع تطور العملية، أدى ذلك إلى حدوث فجوة في الاتصالات بين مركز القيادة والسيطرة الموجود على متن السفينة ومشاة البحرية الذين كانوا ينفذون عملية الإنزال على الشاطئ. تهدد فجوة مماثلة خلال العام 2026، ولكن على نطاق أكبر بكثير، الدفاع عن أوروبا، وفقًا لما تكتبه جوزفين سولارد. تستجيب الدول الأوروبية للتحدي المتمثل في تولي المسؤولية الأساسية عن دفاعها. وهذا أمر صائب، فدفاعها وأمنها يخضعان للاختبار بسبب التهديد الروسي غير المبرر على أوكرانيا، الذي يدخل الآن عامه الخامس. لكن في الوقت الذي تعمل فيه هذه الدول على زيادة ميزانياتها الدفاعية، وإنشاء أدوات تمويل جديدة، والاستعداد لإقامة ركيزة أوروبية داخل حلف شمال الأطلسي، فإنها تواجه مشهدًا مجزأً من الجيوش الوطنية وأنظمة الأسلحة شديدة التنوع. وأي دفاع موثوق عن أوروبا سيتطلب دمج هذه القوات ضمن منظومة موحدة ومتماسكة. ولا يمكن أن يقتصر هذا التكامل على الاتصالات أو القيادة والسيطرة، بل يجب أن يشمل الطيف الكامل للقدرات العسكرية.
الدفاع الأوروبي يواجه تحديًا مزدوجًا
خلال العقود الأخيرة، توسع نطاق القدرات العسكرية بصورة كبيرة. فالصراعات الجارية في أوكرانيا والشرق الأوسط، واحتمال اندلاع صراع حول تايوان، والتنافس المستمر بين القوى الكبرى والمتوسطة، تسرّع تطوير القدرات السيبرانية والاستخباراتية والفضائية والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة واللوجستيات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مجالات الحرب التقليدية المتمثلة في البر والبحر والجو. وبالتالي، يواجه الدفاع الأوروبي تحديًا مزدوجًا: يتمثل الأول في كيفية تطوير هذه القدرات والحفاظ عليها، بينما يتعلق الثاني بكيفية دمجها بصورة فعالة في بيئة سياسية وعسكرية مجزأة وطنيًا. وكان من الممكن في السابق تأجيل كلا الأمرين طالما كان من المسلم به أن الولايات المتحدة ستؤدي دورًا قياديًا في الدفاع عن أوروبا. ومع انتقال الولايات المتحدة إلى دور داعم، أو احتمال انسحاب دعمها، ستقع المسؤولية بصورة مباشرة على عاتق الأوروبيين.
بافتراض أن الأوروبيين مستعدون وقادرون على مواجهة هذا التحدي من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، فقد تم بالفعل تقديم الالتزامات وبدأت ميزانيات الدفاع في الارتفاع، فإن عليهم ضمان أن تسهم هذه الجهود بصورة فعالة في سد الفجوات التي خلفها تراجع التحالف عبر الأطلسي، ولا سيما في مجالات الاستخبارات، وقدرات الأقمار الصناعية، والدفاع الصاروخي، والنقل الجوي الاستراتيجي. ومن دون هذه القدرات الحيوية، سيظل الأوروبيون يعتمدون استراتيجيًا على واشنطن، بغض النظر عن عدد الدبابات والطائرات المقاتلة والسفن التي يضيفونها إلى ترساناتهم.
ثم هناك الفجوة غير المرئية: كيف يمكن تعويض عنصر الترابط الذي وفرته القيادة الأمريكية في دمج القدرات العسكرية المتعددة والمتنوعة وطنيًا؟ وكيف تستطيع أوروبا الآن سد فجوة قابلية التشغيل البيني في الاتصالات، كتلك التي واجهتها البحرية الأمريكية ومشاة البحرية الأمريكية قبالة سواحل غرينادا عام 1983؟. في ذلك الوقت، جرى حل المشكلة بطريقة بدائية، لكنها فعالة، تمثلت في تثبيت شاحنة اتصالات تابعة لمشاة البحرية على سطح سفينة القيادة. وقد نجح ذلك. ولم تؤكد وزارة الدفاع الأمريكية تلك الرواية أو تنفها، لكنها تحركت بسرعة بعد غرينادا لإنشاء منصة موحدة للاتصالات والعمليات. ومنذ ذلك الحين، أصبحت قابلية التشغيل البيني وتكامل القيادة والسيطرة من السمات الأساسية للقوات المسلحة الأمريكية.
تعميق قابلية التشغيل البيني الأوروبي
أصبح من غير المتصور حدوث مثل هذا التجزؤ بين البحرية ومشاة البحرية كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي. وعلى العكس، أدت التطورات التكنولوجية، ولا سيما الاعتماد على الأدوات والشبكات السيبرانية والرقمية عبر مختلف أنظمة الأسلحة، إلى جانب استمرار الابتكار في منظومة الدفاع الأمريكية، إلى تعميق قابلية التشغيل البيني بصورة كبيرة. وأصبحت هذه القابلية الآن ضرورة لا غنى عنها. ولم تغب هذه الدروس عن حلفاء الولايات المتحدة. فقد أحرز حلف شمال الأطلسي تقدمًا كبيرًا في تعميمها بين الحلفاء، وجعل قابلية التشغيل البيني إحدى نقاط القوة المميزة للحلف، كما أصبحت سمة بارزة له في مختلف صيغ الشراكة. والآن تنتقل الشعلة إلى الدفاع الأوروبي. ومع استعداد الأوروبيين لتولي مسؤوليات أكبر، هل سيتمكنون من الحفاظ على مبدأ قابلية التشغيل البيني والابتكار المستمر والبناء عليهما؟
في ثمانينيات القرن الماضي، كان الأمر يتطلب قدرًا محدودًا من المتطلبات، يتمثل في مشاركة أنظمة الاتصالات نفسها أو أنظمة متوافقة على الأقل، بما يسمح للقوات بالتواصل فيما بينها. أما اليوم، فيجب أن تكون القوات قادرة على العمل معًا وفي الوقت الفعلي. ويتطلب ذلك مشاركة أسس برمجية مشتركة أو هياكل برمجية قابلة للتشغيل البيني. ويجب أن يبدأ هذا التعاون من المصدر، أي داخل قطاع الصناعات الدفاعية. ومن الناحية المثالية، يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال إنشاء منصة تعاون مفتوحة جديدة على مستوى أوروبا، تستطيع الحكومات والجيوش والشركات الدفاعية الكبرى والشركات الصغيرة والمتوسطة والمطورون الأفراد من خلالها بناء برمجيات دفاعية سيادية وقابلة للتشغيل البيني بصورة مشتركة وعلى أساس تكافؤ الفرص.
من شأن تجميع الجهود أن يسمح للصناعات الوطنية بالتركيز على القدرات ذات القيمة الأعلى التي تُبنى فوق هذه القاعدة، مع توفير أساس تقني مشترك لأوروبا، ودورات تطوير أسرع، واستجابة موثوقة للمخاطر الاستراتيجية الناجمة عن الاعتماد على البرمجيات. ومن دون وجود قاعدة برمجية مشتركة كهذه، قد تواجه الجيوش والقوات البحرية والجوية الأوروبية قريبًا المشكلة نفسها التي واجهتها البحرية الأمريكية ومشاة البحرية الأمريكية خلال غزو غرينادا. لكن هذه المرة، ستترك البيئة المدعومة بالفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي مجالًا محدودًا للغاية أمام حلول ميكانيكية مرتجلة. ويجب أن تكون البنية البرمجية اللازمة موجودة بالفعل. ومع التوسع السريع في ميزانيات الدفاع الأوروبية، ينفد الوقت أمام أوروبا لوضع الأساس للمنصات الرقمية التي ستشكل منظومة الدفاع في القارة لجيل كامل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122708
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
European defence: Filling the invisible gap

