المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الأوروبي ـ هل تستطيع أوروبا سد فجوة الدفاع الجوي الأوكراني؟
تتسع الفجوة في منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية. وتكثف روسيا في هجماتها اعتمادها على الصواريخ الباليستية. والمفارقة أن القوات المسلحة الأوكرانية تعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي تحديدًا في مواجهة هذه الأسلحة. إلا أن صواريخ الاعتراض باتريوت، الحاسمة لهذا الغرض، والتي تنتجها الولايات المتحدة، كانت تعاني من نقص خلال الحرب.
ما مدى حاجة أوكرانيا إلى صواريخ باتريوت؟
في حين تمكنت أوكرانيا من بناء شبكة دفاع جوي فعالة في مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة، تواجه القوات المسلحة حدودًا صعبة في التصدي لصواريخ إسكندر-إم الباليستية. ومن بين الأنظمة القليلة القادرة على التصدي لهذه الصواريخ نظام باتريوت المزود بصواريخ الاعتراض PAC-3.وفي بداية أغسطس من العام 2026، اتضح مجددًا مدى الفجوة التي باتت تعاني منها هذه المنظومة الدفاعية. ففي هجوم روسي في الأول من أغسطس من العام 2026، تمكنت أوكرانيا من اعتراض صاروخ واحد فقط من أصل 27 صاروخًا باليستيًا أُطلقت. وعزا الرئيس فولوديمير زيلينسكي ذلك إلى عدم توافر أي صواريخ اعتراض باتريوت تقريبًا للبطاريات الثماني الموجودة في أوكرانيا. وبعد ثلاثة أيام، أطلقت روسيا، وفقًا للبيانات الأوكرانية، 24 صاروخًا باليستيًا إضافيًا وأربعة صواريخ كروز فرط صوتية من طراز زيركون. ولم يتم اعتراض أي منها.
ويُعد نظام SAMP/T الفرنسي الإيطالي بديلًا لنظام باتريوت. لكن أوكرانيا لا تمتلك سوى عدد قليل من هذه الأنظمة، كما أن صواريخ الاعتراض Aster-30 المطلوبة لها تعاني من نقص. أما الجيل الأحدث والأكثر قدرة من نظام SAMP/T NG، فلا يزال متاحًا تدريجيًا فقط. ولذلك، لا يمثل النظام حلًا أوروبيًا بديلًا سريعًا لنظام باتريوت. وفي الوقت نفسه، تتراجع إمدادات صواريخ باتريوت. ووفقًا لزيلينسكي، لم تحصل أوكرانيا في العام 2026 حتى الآن سوى على نحو ثلث عدد صواريخ الدفاع الجوي التي حصلت عليها في عام 2025. كما أدى الحرب في الشرق الأوسط إلى تفاقم النقص العالمي. وعلى خلاف الوضع في بداية الحرب الأوكرانية، تكمن المشكلة اليوم بدرجة أقل في منصات الإطلاق، وبدرجة أكبر في ذخيرة باتريوت.
ما حجم قدرات روسيا الصاروخية؟
رغم أن الأرقام الروسية الدقيقة ليست معلنة، تشير دلائل عديدة إلى أن روسيا تعمل على زيادة إنتاجها. فقد رفعت موسكو بشكل كبير إنتاج الصواريخ الباليستية والصواريخ الباليستية الجوية من طرازي إسكندر-إم وكينجال. وتشير تقديرات حديثة إلى إنتاج نحو 60 إلى 65 صاروخًا من طراز إسكندر-إم شهريًا، أي أكثر من 700 صاروخ سنويًا عند احتسابها على مدار عام. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن هناك إمدادات من كوريا الشمالية، وفقًا لتقارير. وبحسب بيانات أوكرانية، زودت بيونغ يانغ روسيا بنحو 150 صاروخًا باليستيًا منذ نهاية عام 2023. كما يمكن أن تكون وحدة صاروخية كورية شمالية نُقلت حديثًا إلى روسيا مجهزة بما يصل إلى 120 صاروخًا إضافيًا.
ووفقًا لوزارة الدفاع الأوكرانية، استخدمت روسيا في يوليو من هذا العام وحده 195 صاروخًا باليستيًا من أنواع مختلفة. ولم تتمكن أوكرانيا من اعتراض سوى 29 منها. وبحسب تقدير الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، تستطيع روسيا حاليًا إطلاق ما يصل إلى 100 صاروخ باليستي شهريًا من دون استنزاف مخزوناتها. وفي المقابل، سلمت شركة لوكهيد مارتن الأمريكية المصنعة للصواريخ في عام 2025 ما مجموعه 620 صاروخ اعتراض حديثًا من طراز PAC-3-MSE على مستوى العالم. وتسعى الشركة إلى زيادة الطاقة الإنتاجية السنوية إلى 2000 صاروخ، ولكن ضمن برنامج يمتد سبع سنوات.
هل سمحت واشنطن لأوكرانيا بإنتاج صواريخ باتريوت بنفسها؟
يقدر الموقع المتخصص Army Recognition متوسط عدد صواريخ الاعتراض باتريوت التي سُلّمت إلى أوكرانيا منذ بداية الحرب بنحو 133 صاروخًا سنويًا فقط. وبالنظر إلى كثافة الهجمات الصاروخية الروسية، فإن هذا العدد محدود. لذلك، يكتسب خيار آخر أهمية متزايدة في كييف، وهو الإنتاج المحلي. بعد قمة الناتو في أنقرة مطلع يوليو من العام 2026، عرضت الحكومة الأوكرانية الأمر في البداية على أنه حُسم إلى حد كبير. وتحدث الرئيس زيلينسكي عن قرار سياسي اتخذه دونالد ترامب بمنح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ اعتراض باتريوت. وفي 28 يوليو، وبعد اجتماع الرئيسين في واشنطن، أُعلن أن كليهما ناقشا “تنفيذ” هذا القرار. لكن ترامب تسبب في حالة من الارتباك، إذ قال إن الولايات المتحدة لم توافق بعد على الإنتاج الأوكراني. وأضاف أنه ينبغي توخي الحذر عند نقل التكنولوجيا. ومع ذلك، تستمر المفاوضات. ووفقًا لمعلومات وكالة رويترز، يبحث ممثلون أمريكيون وأوكرانيون، من بين أمور أخرى، نموذجًا يتم بموجبه تصنيع مكونات في أوكرانيا، ثم تجميع الصواريخ نهائيًا في ألمانيا. كما يجري بحث مشاركة كييف في إنتاج صاروخ باتريوت جديد منخفض التكلفة.
ما مدى سرعة تمكن أوكرانيا من إنتاج صواريخ باتريوت بنفسها؟
لن يكون ذلك سريعًا بما يكفي لحل مشكلة التشبع الحالية. وقد قدرت السفيرة الأوكرانية المنتهية ولايتها في واشنطن، أولها ستيفانيشينا، الفترة اللازمة لإنشاء خط إنتاج بما يتراوح بين 12 شهرًا وخمس سنوات. ويتكون صاروخ الاعتراض الحديث من العديد من المكونات شديدة التخصص. ويمكن أن يؤدي نقص عنصر واحد، مثل رأس البحث أو الإلكترونيات أو محرك الصاروخ، إلى تقييد عملية الإنتاج بأكملها. ولذلك، تحاول كييف، إلى أن يبدأ الإنتاج المحلي، الحصول على صواريخ باتريوت بشكل أسرع. ومن بين الوسائل المطروحة أن تتنازل دول أخرى عن شحناتها لصالح أوكرانيا، على أن تحصل تلك الدول لاحقًا على صواريخ بديلة.
يظهر مدى صعوبة بناء قدرات إنتاج جديدة أيضًا في عمليات الشراء داخل الناتو. ففي بداية عام 2024، طلبت وكالة المشتريات التابعة للناتو ما يصل إلى 1000 صاروخ اعتراض باتريوت لألمانيا ودول أوروبية أخرى. وتنتج هذه الصواريخ شركة COMLOG، وهي مشروع مشترك بين MBDA وRaytheon. ويجري حاليًا إنشاء خط الإنتاج المعني في ألمانيا، لكن من المتوقع ألا يتم تسليم الصواريخ الأولى قبل عام 2027 على أقرب تقدير. إلا أن هذه الصواريخ تنتمي إلى النسخة الأقدم Patriot PAC-2، التي لا تتمتع إلا بقدرة محدودة على مواجهة الصواريخ الباليستية. ولذلك، وصف فابيان هينتس، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إنتاج أوكرانيا لصواريخ باتريوت في مجلة “دير شبيغل” بأنه “مشروع طويل الأمد إلى حد كبير”.
إلى أي مدى وصلت أوكرانيا في تطوير نظام محلي؟
لم تعد أوكرانيا تعمل على نظام محلي بمفردها، بل تحاول الآن إنشاء مشروع أوروبي أوكراني للدفاع الصاروخي. ويجري البرنامج تحت اسم “Freyja”. ومن المقرر أن يكون صاروخ الاعتراض FP7.X، الذي تنتجه شركة Fire Point الأوكرانية، جوهر النظام. ووفقًا لما ذكرته رئيسة شركة Fire Point، إيرينا تيريخ، فإن تصميم الصاروخ يستند إلى تصاميم سوفيتية لأنظمة الدفاع الجوي S-300 وS-400. إلا أن الصاروخ الحالي لا يشترك مع هذه النماذج السابقة سوى في نحو 20% من مكوناته، وفقًا للشركة. وبحسب شركة Fire Point، تشارك في المشروع حاليًا أكثر من اثنتي عشرة شركة دفاع أوروبية. ويتمثل هدفها في تطوير صاروخ اعتراض تقل تكلفته عن مليون يورو، ليكون بذلك أرخص من صواريخ PAC-3 الحديثة التابعة لنظام باتريوت، والتي تبلغ تكلفتها نحو خمسة ملايين دولار أمريكي. لكن هذا النظام أيضًا لن يكون متاحًا قريبًا. إذ يهدف الجانب الأوكراني إلى إنتاج نموذج أولي في النصف الأول من عام 2027، إذا سارت الأمور على ما يرام. ويحذر خبير الصواريخ هينتس في مجلة “دير شبيغل” قائلًا: “الدفاع ضد الصواريخ الباليستية هو قمة تعقيد الدفاع الجوي، ولذلك فإن تطويره معقد بالقدر نفسه”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122748
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

