المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الأوروبي ـ ما أهداف مراجعة التموضع العسكري الأمريكي في أوروبا؟
تواصل الولايات المتحدة مراجعة انتشارها العسكري في أوروبا بالتنسيق مع حلف الناتو والحلفاء الأوروبيين، في إطار توجه يهدف إلى إعادة توزيع الأدوار الدفاعية داخل الحلف. وتبرز ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا ورومانيا كشركاء رئيسيين في مشاورات تمهد لمرحلة جديدة تحت مفهوم “الناتو 3.0″، مع التركيز على تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية.
مشاورات أمريكية بشأن التموضع العسكري في أوروبا
أجرى البنتاغون في الرابع من أغسطس من العام 2026 سلسلةً من المشاورات مع مسؤولي حلف شمال الأطلسي وحلفاء أوروبيين، من بينهم ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا ورومانيا، في إطار المراجعة المستمرة للتموضع العسكري الأمريكي في أوروبا، بحسب ما كشف عنه وكيل وزارة الدفاع الأمريكية إلبريدج كولبي. وفي سلسلة منشورات على منصة X، أكد كولبي إن المراجعة تُجرى من خلال “مشاورات منتظمة ومفصلة” مع الحلفاء والشركاء، بالاستفادة من الخبرات الأمريكية ورؤى الحلفاء على حد سواء. وتركزت المناقشات على “تحفيز الحلفاء وتمكينهم من تحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا”، وذلك في إطار رؤيته لـ”الناتو 3.0”.
إشادة أمريكية بالاستراتيجية الألمانية العسكرية الجديدة
أطلقت واشنطن مراجعة التموضع العسكري في أوروبا بعد أن أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث، خلال القمة الوزارية لحلف الناتو في يونيو من العام 2026، أن الولايات المتحدة ستعيد تقييم تموضع قواتها في القارة. واحتلت ألمانيا مكانةً بارزةً في هذه المشاورات. وخلال اجتماع عُقد في 23 يوليو من العام 2026 مع رئيس هيئة الدفاع والمدير السياسي في ألمانيا، أشاد كولبي بالاستراتيجية العسكرية الجديدة لبرلين وبالتزامها بتحقيق تعهد حلف الناتو بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو التعهد الذي أُقر خلال قمة لاهاي. وقال إن ذلك من شأنه أن “يسرع بصورة كبيرة الناتو 3.0” وأن يجعل ألمانيا “قائدًا رئيسيًا للدفاع التقليدي في أوروبا”.
محادثات مع مسؤولين من المملكة المتحدة بشأن أولويات الدفاع
أجرى كولبي محادثات مع مسؤولين من المملكة المتحدة بشأن أولويات الدفاع، بما في ذلك حرية الملاحة في مضيق هرمز، بينما ركزت المناقشات مع المسؤولين الإيطاليين على الناتو 3.0 والأمن الإقليمي وإسهام إيطاليا في “تعزيز الجناح الجنوبي للحلف”. وخلال اجتماع عُقد في 29 يوليو من العام 2026 مع مستشار الأمن القومي الروماني ماريوس لازوركا، أشاد كولبي بـ”النهج الاستباقي” الذي تتبعه بوخارست في تقاسم الأعباء، وقال إن على الحلفاء تحويل الإنفاق الدفاعي إلى “قدرات قتالية حقيقية”. وشملت المشاورات مسؤولين في حلف الناتو، إذ أكد كولبي أن التعاون مع فريق الحلف، بقيادة الأمين العام مارك روته، سيظل عنصرًا محوريًا مع استمرار تقدم مراجعة التموضع العسكري في أوروبا.
العلاقات بين واشنطن والاتحاد الأوروبي
أصبحت قمم حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة، إلى حدٍّ كبير مسألةً تتعلق باحتواء الأضرار وتجنب إثارة غضب دونالد ترامب. ومع تراجع اليقين بشأن استمرار الدعم الأمريكي، أصبحت العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تتعرض لضغوطٍ متزايدة. وجاءت قمة الناتو الأخيرة، التي عُقدت يومَي 7 و8 يوليو من العام 2026 في أنقرة بتركيا، من دون أي آفاق للتوصل إلى وقف إطلاق النار في إيران أو أوكرانيا. وحتى الآن، لا يزال الصراعان مستمرين، وهو ما يُعد دليلًا على أن قدرة الولايات المتحدة على الردع ليست بالقوة التي كان يُعتقد سابقًا. ولذلك، لم تكن القمة الأخيرة سوى عملية إعادة ضبط تكتيكية، نجحت بالكاد في إعادة التفاوض بشأن ترتيبات تقاسم الأعباء، ولا سيما فيما يتعلق بأوكرانيا. أما بالنسبة إلى أوروبا، فإن النتيجة هي أنها لا تزال تائهة. فعلى عكس الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، لا تزال أوروبا تقاوم أو تتحدى ترامب. لكنها، في الوقت نفسه، غير قادرة على إحراز تقدم نحو الاندماج الفيدرالي، وهو خطوةٌ حيوية لبناء قدراتها الدفاعية الخاصة.
تهديدات ترامب
واصل ترامب إطلاق تهديداتٍ لا تستند إلى أساس بضم جزيرة غرينلاند، كما أثارت خطواته الرامية إلى سحب القوات الأمريكية من أوروبا استياء عددٍ من القادة الأوروبيين الرئيسيين. وكان ينبغي أن تسهم قمة أنقرة في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، لكنها فشلت في معالجة الأضرار التي خلفتها الاجتماعات السابقة بصورةٍ فعالة. فترامب لا يؤمن بالتعددية، بل يعتمد بالكامل على التفوق العسكري الذي لا يُضاهى لبلاده. وما يريده ترامب هو إحداث تغييرٍ في النظام العالمي بما يعزز هيمنة الولايات المتحدة بصورةٍ أكبر ويحد من نفوذ الصين، التي تمثل هاجسه الحقيقي. ولا تزال أبرز اعتراضاته تتمثل في انخفاض الإنفاق العسكري الأوروبي، وعدم تقديم شركاء الناتو دعمًا غير مشروط في الحرب ضد إيران.ولدى ترامب مطلبان رئيسيان. الأول، أن ترفع الدول الأوروبية إنفاقها العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو هدفٌ لا تحققه الولايات المتحدة نفسها في الوقت الراهن. والثاني، أن تشتري الدول الأوروبية الجزء الأكبر من أسلحتها من الولايات المتحدة. وأمام هذا الضغط، لا تملك أوروبا سوى خيارين: إما الرضوخ، كما فعل مارك روته، أو السعي إلى تحقيق استقلالية حقيقية.
لا دفاع أوروبي من دون اندماج
الحقيقة هي أن أوروبا لا تريد أن تتحرك بمفردها، كما أنها ليست قادرةً على ذلك. وهناك مخاوف من احتمال انسحاب واشنطن من حلف الناتو، غير أن هذا السيناريو يبدو غير مرجح إلى حدٍّ كبير، لأنه يتعارض مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية، كما أنه ينطوي على تعقيداتٍ سياسية وقانونية كبيرة. لكن البديل يتمثل في أن تخطو أوروبا خطواتٍ نحو اندماجها الفيدرالي الخاص، وهو أمرٌ لم تثبت قدرتها على تحقيقه. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يطمح إلى أن يصبح لاعبًا جيوسياسيًا عالميًا، بل وأن يؤسس يومًا ما جيشًا أوروبيًا، فإن الخطوة المنطقية التالية تتمثل في استكمال عملية الاندماج السياسي. فأوروبا تمتلك الحل النظري، الذي يشبه “الولايات المتحدة الأوروبية”، لكنها لا ترغب، ولا تستطيع، تطبيقه، لأن معظم النخب الوطنية والرأي العام لا يؤيدانه. وفي ظل هذه الظروف، يبقى الطموح الواقعي الوحيد هو إنشاء “ناتو 3.0” أكثر أوروبية، يتولى مسؤولياتٍ أكبر داخل أوروبا والمناطق المحيطة بها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122312
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

