المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الأوروبي ـ التكامل الصاروخي مع واشنطن
استندت العلاقات الدفاعية بين أوروبا والولايات المتحدة إلى شراكة استراتيجية راسخة في إطار حلف الناتو، شكلت لعقود ركيزة أساسية لأمن القارة الأوروبية والدفاع الجماعي. وفي المقابل، فرضت التحولات في السياسة الدفاعية الأمريكية وتنامي الطموح الأوروبي لبناء قدرات عسكرية أكثر استقلالًا تحديات جديدة أمام مستقبل الشراكة عبر الأطلسي.
الولايات المتحدة تدرس إتاحة صواريخها للمنصات الأوروبية
تدرس الولايات المتحدة السماح باستخدام الصواريخ والقذائف الصاروخية الأمريكية على منصات إطلاق أوروبية، في خطوة قد تزيل عقبة رئيسية أمام تقاسم حلفاء الناتو للذخائر خلال أوقات الحرب. تمثل هذه الخطوة تحولًا عن السياسة الأمريكية المتبعة منذ فترة طويلة، والتي تفرض قيودًا على استخدام الذخائر الأمريكية الرئيسية، وقصرها على الأنظمة المصممة في الولايات المتحدة، مثل أنظمة HIMARS وM270. ومن شأن تخفيف هذه القيود معالجة إحدى أبرز نقاط الضعف التي ظهرت نتيجة الاندفاع الأوروبي نحو امتلاك مدفعية صاروخية بعيدة المدى، إذ تشتري دول الناتو مزيدًا من منصات الإطلاق، لكن ليس بإمكان جميع هذه المنصات استخدام الذخائر نفسها.
عودة المدفعية الصاروخية
كانت الترسانات الأوروبية تضم في السابق أعدادًا ضخمة من أنظمة المدفعية الصاروخية. لكن بعد نهاية الحرب الباردة، جرى تقليص هذه الأساطيل بشكل كبير مع انخفاض ميزانيات الدفاع وتراجع احتمالات اندلاع حرب برية واسعة النطاق في أوروبا. فألمانيا، على سبيل المثال، كانت تشغل في السابق أكثر من 200 منصة إطلاق صاروخية من طراز LARS-II، ثم أكثر من 150 نظامًا من طراز MARS، وهو النسخة الألمانية من نظام M270 المصمم في الولايات المتحدة. أما في العام 2026، فلا تمتلك ألمانيا سوى أقل من 40 منصة إطلاق من طراز MARS II. كما جرى تقليص أسطول فرنسا الذي يضم 55 منصة إطلاق من طراز M270 إلى تسع منصات فقط، بينما لم تعد إسبانيا تمتلك أي قدرة على استخدام المدفعية الصاروخية منذ إحالة أنظمة Teruel إلى التقاعد عام 2011. لكن حرب أوكرانيا عكست هذا الاتجاه.
تستثمر جميع الدول الأوروبية الأعضاء تقريبًا في حلف الناتو بشكل كبير في توسيع قدراتها في مجال المدفعية الصاروخية. وتخطط ألمانيا لشراء نحو 200 منصة إطلاق من طراز Euro-PULS، بينما تسعى بولندا للحصول على ما يصل إلى 500 نظام HIMARS، في حين تعمل فرنسا على تطوير نظامها الخاص. ويتمثل أحد المحركات الرئيسية لهذا التوجه فيما تسميه الجيوش “الضربات العميقة”، أي القدرة على استهداف الأهداف بدقة على مسافات تتجاوز 500 كيلومتر، والتي بات يُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الحروب البرية الحديثة وأظهرت أوكرانيا أهمية هذه القدرة. فعندما وصلت أنظمة HIMARS إلى أوكرانيا في صيف عام 2022، حصلت كييف فجأة على سلاح عالي الدقة قادر على استهداف مستودعات الذخيرة الروسية ومراكز القيادة والعقد اللوجستية الواقعة بعيدًا عن خط المواجهة المباشر. وقد أدت هذه الضربات إلى تعقيد العمليات الروسية وأسهمت في تحقيق أوكرانيا عدة نجاحات ميدانية.
معسكران لمنصات الإطلاق
يتمثل الدرس بالنسبة إلى أوروبا في أنه خلال حرب برية واسعة النطاق، ستعود المدفعية الصاروخية بعيدة المدى لتكون عنصرًا محوريًا في القتال. ومع ذلك، لا تعيد الدول الأوروبية بناء قدراتها اعتمادًا على نظام واحد. فقد اختارت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وإيطاليا نظام HIMARS الأمريكي الصنع.
وفي المقابل، تعمل الدنمارك وإسبانيا وألمانيا وهولندا واليونان على شراء نظام Euro-PULS، وهو مشروع مشترك بين شركة Elbit Systems الإسرائيلية للصناعات الدفاعية وشركة KNDS.ومن منظور قابلية التشغيل البيني، قد لا يبدو هذا التوجه مثاليًا، إذ لا يمكن ببساطة تبادل المكونات، كما سيتعين على القوات التدريب على أنظمة مختلفة، وفقًا لما قاله مخطط في حلف الناتو. لكن المشكلة الأكثر خطورة تتمثل في الذخائر. فقد أبلغ جنود أوكرانيون يشغلون أنظمة HIMARS وM270 “” مرارًا بأن نقص الذخائر أدى إلى تقييد عملياتهم. وبالنسبة إلى حلف الناتو، يكشف ذلك عن نقطة ضعف ثانية، تتمثل في أنه حتى عندما تكون الذخائر متاحة في مكان آخر داخل الحلف، فإن ليس كل منصة إطلاق قادرة على استخدامها. ولا يمكن إطلاق ذخائر عائلة ذخائر MLRS الأمريكية، المعروفة باسم MFOM، إلا من الأنظمة الأمريكية المعتمدة والمصممة في الولايات المتحدة، مثل HIMARS وM270.
رفضت واشنطن في السابق طلبات ألمانية لدمج هذه الذخائر على منصات إطلاق أخرى، بينما لا تستطيع فرنسا افتراض أن مخزوناتها الحالية المصنوعة في الولايات المتحدة ستعمل مع نظامها المحلي المستقبلي. والآن، ومع إجراء مناقشات في واشنطن، قد تتمكن الأطراف من تجاوز هذه العقبة. ومن الناحية التقنية، سيكون دمج هذه الذخائر أمرًا قابلًا للتحقيق بسهولة، وفقًا لشركة Elbit ومسؤولين في وزارة الدفاع الألمانية. لكن العقبات كانت سياسية وتجارية بدلًا من أن تكون تقنية، بما في ذلك تكاليف التطوير والمخاوف الأمريكية من أن يؤدي فتح البرمجيات وواجهات الأنظمة الحساسة إلى منح المنافسين إمكانية الاطلاع على تكنولوجيا الأسلحة الأمريكية.
ولا يحدث هذا التحول في التفكير بمعزل عن التطورات الأخرى. إذ تتخذ واشنطن أيضًا خطوات لترسيخ جزء أكبر من قاعدتها الصناعية الخاصة بالصواريخ في أوروبا. وكانت قد وافقت الولايات المتحدة على خطط لتصنيع الصاروخ التكتيكي ATACMS في ألمانيا، في أول مرة يتم فيها إنتاج هذا السلاح خارج الولايات المتحدة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123091
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

