المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الأوروبي ـ “جيب كالينينغراد” نقطة ضعف استراتيجية لحلف الناتو
يُعدّ ممر سوالكي من أكثر النقاط الجغرافية حساسية في الجناح الشرقي لحلف الناتو، إذ يمتد لنحو 65 كيلومترًا بين بولندا وليتوانيا، ويربط دول البلطيق ببقية أراضي الحلف، بينما يفصل بين بيلاروسيا ومنطقة كالينينغراد الروسية. وتنبع أهميته الاستراتيجية من كونه حلقة الوصل البرية الرئيسية التي تتيح لحلف الناتو تعزيز قدراته العسكرية وإيصال القوات والمعدات والإمدادات إلى ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا في حال اندلاع أزمة أو نزاع.
تحركات جوية لافتة لحلف الناتو
شهدت المنطقة المحيطة بالجيب الروسي كالينينغراد تحركات جوية لافتة لحلف الناتو. استعرض الحلف قدراته حول هذا الجيب، مستخدمًا طائرات متطورة من بينها طائرة العمليات الخاصة الأمريكية EA-37B كومباس كول. على الرغم من عدم صدور تعليق رسمي من حلف الناتو حول هذا الاستعراض الجوي فوق كالينينغراد، إلا أن العملية تُعد تحذيرًا واضحًا لروسيا. حلق نحو 25 طائرة تابعة للحلف فوق الجيب لساعات في 19 أغسطس من العام 2026، وشملت مروحيات أباتشي الهجومية الأمريكية، طائرات التزود بالوقود، طائرة استطلاع أواكس، وطائرة بريطانية مضادة للغواصات من طراز بي-8 إيه بوسيدون فوق بحر البلطيق.
أتمت القوات الجوية الأمريكية أول رحلة تدريبية بهذه الطائرة الجديدة في مايو من العام 2025، وتمتلك حتى العام 2026 خمس طائرات منها، مع عشر طائرات أخرى قيد الطلب تُخصص اثنتان منها لإيطاليا. تعتمد طائرات EA-37B في أصلها على طائرات رجال أعمال من طراز غلف ستريم تم تحديثها للاستخدام القتالي. صُممت هذه الطائرات لكشف أنظمة الرادار والاتصالات المعادية وتعطيلها بوسائل إلكترونية مضادة. لا يُعد إرسال هذه الطائرة في رحلة تدريبية قرب كالينينغراد أمرًا مجردًا من الدلالات.
تحذير ليتواني من استفزازات روسية
في أوائل أغسطس من العام 2026، حذر وزير الدفاع الليتواني روبرتاس كاوناس من تحركات روسية وشيكة في دول البلطيق، موضحًا وجود معلومات تفيد بتخطيط روسيا لشن هجمات حركية غير تقليدية على البنية التحتية الحيوية باستخدام طائرات مسيرة أوكرانية في عملية “علم زائف” لإخفاء مصدر الهجوم على أراضي الحلف. رغم عدم ذكر الوزير لكالينينغراد صراحة، إلا أن هذا الإقليم الروسي المدجج بالسلاح والمحاذي لليتوانيا يثير قلق الناتو منذ فترة طويلة. يقع ممر سووالكي بين بولندا وليتوانيا على رأس قائمة النقاط المستهدفة لأي عدوان روسي محتمل، حيث يمكن لروسيا من خلاله فصل دول البلطيق عن باقي أراضي الناتو وإنشاء جسر بري بين كالينينغراد وبيلاروس.
تأثير كالينينغراد على الناتو
لا تقتصر أهمية كالينينغراد على السيناريوهات الحربية الافتراضية، بل تُستخدم للتشويش على دول البلطيق وقوات الناتو. رُصدت آلاف الحالات لاستخدام التشويش الإلكتروني الذي يعطل إشارات GPS للسفن والطائرات ويعطي إحداثيات خاطئة. تأتي مناورة الناتو حول كالينينغراد تحذيرًا مباشرًا لروسيا؛ للتأكيد على جاهزية الحلف للرد وقدرته على تحديد مواقع التشويش العسكري الروسي ومواجهتها حال صدور أي تحدٍ من هذا الجيب.
محاكاةً لسيناريو واقعي
أجرت القوات المسلحة الألمانية محاكاةً لسيناريو واقعي، على بُعد أقل من 20 كيلومترًا من بيلاروسيا، وتُدمج الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا والتي قد تكون ذات صلة بالحروب المستقبلية خلال أول تمرين قتالي لها في ليتوانيا كجزء من “درع الحرية 2026”. أكد العميد كريستوف هوبر، الذي يتنقل بين الدبابات والمشاة المدرعة التابعة لوحدته التي تقتحم منطقة تدريب بابراد – التي تبعد أقل من 20 كيلومترًا عن الحدود مع بيلاروسيا – إن هذا يتطلب ممارسة مزيج متغير من القدرات. تركز التدريبات على القتال المدرع بالتزامن مع استخدام قدرات جديدة: الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع ضدها، وإجراءات الحرب الإلكترونية. ويشمل الهدف إنشاء درع واق من التشويش والنيران الدفاعية فوق القوات، وإذا أمكن، اختراق الدرع الواقي للعدو.
مناورات “درع الحرية 2026”
يرى هوبر أن هذا التمرين خطوة حاسمة نحو الجاهزية القتالية. وقال: “بالطبع، نحن نتعلم مما نراه في أوكرانيا”. الهدف هو الاستعداد لسيناريوهات قتالية مستقبلية محتملة، “وليس لحرب الماضي”. مع إنشاء اللواء، تستجيب ألمانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) للتهديد المتزايد من روسيا. ومن المتوقع أن تكون الوحدة، التي يبلغ قوامها 4800 جندي و200 موظف مدني، جاهزة للعمل بكامل طاقتها بحلول عام 2027. وتجاور ليتوانيا حليفة روسيا، بيلاروسيا، وجيب كالينينغراد الروسي على بحر البلطيق.
بدأت المرحلة الرئيسية من التمرين في العاشر من يونيو 2026. دبابات القتال متمركزة في مواقعها أو تسير على طول مساراتها، تشق مركبات المشاة القتالية طريقها عبر الرمال إلى مواقع يقفز منها جنود المشاة الآلية من مقصورات القتال الخلفية عبر منحدر، ليخوضوا المعارك. ويتعين عليهم إزالة العوائق ومواجهة جنود العدو في الخنادق. يستخدم التمرين ذخيرة تدريبية. يقوم نظام الليزر AGDUS – وهو شبكة تدريب ومحاكاة – بتسجيل الإصابات على المركبات وصولًا إلى كل رامي على حدة. وهذا يمنح حكام التمرين صورة دقيقة إلى حد كبير عن الوضع القتالي. يتلقى الجنود المصابون إشارة على ستراتهم ويتوقفون عن القتال. حتى بعد وقت قصير من التمرين الأول، كانت عدة مركبات مدرعة تقف بالفعل في ساحة المعركة المحاكاة، وأضواؤها تومض ومدافعها موجهة نحو السماء. ووفقًا لقواعد المناورة، تتعرض هذه المركبات لأضرار بالغة، بل وتُدمر.
حوالي 2900 جندي و800 مركبة من ثماني دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي
في إطار المناورات، تم تجميع نحو 2900 جندي، من بينهم حوالي 2300 جندي ألماني، ونحو 800 مركبة من ثماني دول أعضاء في حلف الناتو، في منطقة التدريب. وتخوض اللواء المدرع، الذي تم تشكيله رسميًا العام 2025، تدريبات قتالية على الأراضي الليتوانية لأول مرة خلال مناورات “درع الحرية 2026”. في دول البلطيق، تكررت المخاوف من احتمال شن روسيا تهديدًاعلى جيرانها الصغار في بحر البلطيق بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، أو حتى في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد. ويهدف تعزيز وجود حلف الناتو إلى تقوية الردع، وتُعدّ اللواء عنصرًا أساسيًا في ذلك. يفترض المخططون العسكريون أن الصراع مع روسيا، الذي يسعون إلى منعه، سيتخذ مسارًا مختلفًا عن الحرب في أوكرانيا. ويهدف ما يسمونه “سيناريوهات الحرب المستقبلية” إلى تجاوز الأساليب التي استخدمتها أوكرانيا حتى الآن بدافع الضرورة وندرة الموارد. كما يهدفون إلى تجنب ما يُسمى بحرب الاستنزاف ذات الخطوط الأمامية المحصنة.
يُعد القتال بالطائرات المسيرة عنصرًا أساسيًا في التمرين
أحدثت الطائرات المسيّرة تغييرًا جذريًا في القتال بأوكرانيا. لم تعد هناك مناطق محمية بعيدة خلف خطوط المواجهة يمكن التراجع إليها بأمان. ويستجيب الجيش لهذا الوضع، وقد اكتسب خبرةً في أبريل من العام 2026 من خلال تمرين تجريبي في منطقة مونستر التدريبية في ساكسونيا السفلى. قال مفتش الجيش آنذاك، الفريق كريستيان فرويدينغ: “كان الحشد، أي التركيز المتعمد وتكديس القوات والأسلحة في موقع ووقت محددين، شرطًا أساسيًا لقرون لتحقيق هذا التركيز الاستراتيجي، وللمبادرة، ولصنع القرار.وقد أصبح هذا الحشد خطرًا كامنًا للفناء”. وأضاف: “علينا أن نقاتل بشكل مختلف في المستقبل”.
يعتقد هوبر أن القتال التقليدي الذي يشمل الوحدات المدرعة، ودبابة ليوبارد القتالية الرئيسية، ومركبة بوما القتالية للمشاة، والمشاة الآلية، والمدفعية، ومهندسي القتال، سيظل يلعب دورًا محوريًا. مع ذلك، ينصب التركيز الآن على تعلم كيفية استخدام الطائرات المسيّرة ومواجهتها. ويجري دمج جميع أنواع الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع عنها بشكل مدروس في مناورة “درع الحرية”. وتنشر القوات المسلحة الألمانية أكثر من 300 طائرة مسيّرة في هذه المناورة. وصرح هوبر قائلًا: “بهذا، نستعد أيضًا لسيناريوهات الصراع المحتملة في المستقبل”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123194
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

