المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن والدفاع الألماني ـ توسيع التجنيد وتعزيز الجاهزية الدفاعية
تسعى ألمانيا إلى إعادة تعزيز الخدمة العسكرية في ظل تصاعد التحديات الأمنية في أوروبا والحاجة إلى زيادة جاهزية القوات المسلحة. وتعمل برلين على تطوير نظام التجنيد العسكري واستقطاب مزيد من الشباب للانضمام إلى البوندسفير، مع توسيع قاعدة المتطوعين. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع لرفع أعداد الجنود وتعزيز القدرات الدفاعية الألمانية في السنوات المقبلة.
البوندسفير يسجل أعلى مستوى لعدد الجنود منذ 13 عامًا
تتزايد أعداد الرجال والنساء في القوات المسلحة الألمانية “البوندسفير” بوتيرة تضع الجيش على المسار الصحيح لتحقيق الأهداف التي حددتها الحكومة سياسيًا. وتشير أحدث البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الجنود وطلبات الالتحاق والتعيينات الجديدة. بلغ عدد أفراد القوات المسلحة الألمانية في يوليو من العام 2026 أعلى مستوى له منذ 13 عامًا. وأعلنت وزارة الدفاع في برلين أنه حتى 31 يوليو من العام 2026، بلغ عدد الرجال والنساء العاملين في البوندسفير نحو 186,700 جندي. وبالمقارنة مع يوليو من العام 2025، يمثل ذلك زيادة بنسبة 2%، أي ما يقارب 3,700 جندي إضافي. وبذلك، أصبح حجم القوات المسلحة ضمن النطاق المستهدف لعام 2026 اعتبارًا من منتصف العام 2026. وكان هذا النطاق قد حُدّد بين 186,000 و190,000 جندي خلال المفاوضات المتعلقة بنظام التجنيد العسكري الجديد لعام 2026. ومع ذلك، فقد تجاوز عدد الجنود الحد الأدنى المستهدف بالفعل لمدة شهرين في بداية العام 2026.
ارتفاع طلبات الالتحاق والتوظيف
لم يقتصر النمو على أعداد الجنود الحاليين، بل شمل كذلك الإقبال على الالتحاق بالقوات المسلحة. فقد ارتفعت طلبات التوظيف بنسبة 26% مقارنة بالشهر نفسه من العام 2025، ليصل عدد الباحثين عن العمل حاليًا إلى نحو 47,300 شخص. كما سجلت وزارة الدفاع نحو 15,400 موظف جديد، بزيادة قدرها 12% مقارنة بالشهر نفسه من العام 2025، وبزيادة قدرها 4,500 موظف مقارنة بيوليومن العام 2026. وتشير هذه الأرقام إلى استمرار ارتفاع الاهتمام بالخدمة في القوات المسلحة الألمانية، في وقت تسعى فيه برلين إلى توسيع قاعدة أفراد البوندسفير وتعزيز قدراته البشرية في إطار التحولات الجديدة في السياسة الدفاعية الألمانية.
ارتفاع أعداد المتطوعين
ويخدم حاليًا نحو 12,100 متطوعة وجندية لفترة قصيرة في القوات المسلحة الألمانية، في إطار نظام الخدمة العسكرية الإلزامية الجديد. ويمثل هذا العدد زيادة بنحو 6% مقارنة بالعام السابق. ويعكس ارتفاع أعداد النساء المشاركات في الخدمة العسكرية توسع قاعدة التجنيد داخل البوندسفير، بالتزامن مع الإجراءات التي تتخذها ألمانيا لزيادة أعداد أفراد قواتها المسلحة.
استبيانات التسجيل العسكري
وحتى 31 يوليو من العام 2026، وهو الموعد النهائي، أرسلت السلطات الألمانية نحو 378,000 رسالة تتضمن استبيان التسجيل العسكري. وخلال المهلة المحددة، بما في ذلك فترة السماح، استجاب نحو 96% من الرجال الذين تلقوا الاستبيان، مقابل نحو 4% من النساء والأشخاص من أجناس أخرى. وتأتي هذه الأرقام في إطار التحول الذي تشهده سياسة التجنيد العسكري في ألمانيا، مع سعي الحكومة إلى زيادة حجم البوندسفير تدريجيًا وتوفير قاعدة بشرية أكبر للقوات المسلحة. ويشير ارتفاع أعداد الجنود والطلبات والتعيينات، إلى جانب معدلات الاستجابة لاستبيانات التسجيل، إلى أن ألمانيا قطعت خطوات إضافية نحو تعزيز قدراتها البشرية العسكرية وتحقيق الأهداف المحددة لعام 2026.
عودة الإعلانات العسكرية للتجنيد
مع استثمار الحكومات مليارات الدولارات في إعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، بدأت تكتشف أن تحديث الترسانات لا يمثل سوى جزء واحد من التحدي، أما الجزء الآخر فيتمثل في العثور على الأفراد اللازمين لتشغيلها. تريد ألمانيا زيادة حجم قواتها المسلحة من نحو 180 ألف جندي إلى 260 ألفًا، مع مضاعفة قوام قوات الاحتياط. وتخطط فرنسا لزيادة عدد أفراد الاحتياط من نحو 47 ألفًا إلى 100 ألف بحلول نهاية العقد. كما أعلنت إيطاليا خططًا لزيادة عدد أفراد قواتها المسلحة، فيما تبحث هولندا وبولندا أيضًا عن سبل لتوسيع قواتهما. وبالتالي، أصبحت عملية التجنيد معركة اتصالية، تُخاض بصورة متزايدة عبر التلفزيون، واللوحات الإعلانية، ومنصات تيك توك وإنستغرام ويوتيوب.
في صدى للحضور اللافت لحملات التجنيد في بداية القرن العشرين، تعود الإعلانات العسكرية مرة أخرى لتصبح حضورًا مألوفًا في مختلف أنحاء أوروبا، بدءًا من جوانب الحافلات ذات الطابقين في لندن، مرورًا بالطرق السريعة اليونانية، وصولًا إلى شاشات دور السينما في باريس. وبين عامي 2025 و2026، أطلقت عدة دول حملات جديدة، إلا أن الرسائل التي تحملها هذه الحملات تغيرت، مقارنة بالقرن الماضي، من التركيز على الواجب الوطني إلى التركيز على النمو الشخصي. وتقدم حملة الجيش البريطاني “You Belong Here” التي أطلقت للمرة الأولى عام 2023 ويتم تحديثها سنويًا، الخدمة العسكرية باعتبارها مجتمعًا يمكن للأفراد أن يجدوا فيه الهدف والشعور بالانتماء. ويستحضر أسلوب التصوير من منظور الشخص الأول، المستخدم في عمليات الإنقاذ، اللغة البصرية لألعاب الفيديو الحربية الحديثة، إذ يضع المشاهد مباشرة في منظور الجندي.
أما حملة فرنسا “Peux-tu le faire?”، أي “هل يمكنك القيام بذلك؟”، التي انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات دور السينما، فتقدم الانضمام إلى الجيش باعتباره تحديًا شخصيًا يتمحور حول القدرة على الصمود وتطوير الذات. كما تتضمن الحملة نسخة باللغة الإنجليزية من محتوى الفيديو الخاص بها. وتتبنى أحدث حملات الجيش الإيطالي نبرة أكثر مؤسسية، وتدور حول مسألة الأمن الوطني. وتقوم الحملة، التي تحمل رسالة “Esercito Italiano, al tuo fianco, ogni giorno”، أي “الجيش الإيطالي، إلى جانبك كل يوم”، على استخدام صور للمدن الإيطالية والحياة اليومية، بهدف تقديم الجنود باعتبارهم حضورًا مستمرًا في المجتمعات المحلية. كما أطلقت القوات المسلحة البلجيكية حملتها الجديدة في يناير من العام 2026، وأعلنت في أوائل أغسطس أنها حققت هدفها المتمثل في تجنيد 500 شاب وشابة ضمن برنامج الخدمة العسكرية التطوعية الجديد لمدة عام.
الحالة الأيرلندية: استهداف جمهور جديد
أطلقت قوات الدفاع الأيرلندية مؤخرًا حملة جديدة بعنوان “Yes. You. Can.” وينتقل الفيديو بعيدًا عن الصور العسكرية التقليدية، ليتابع شابة تتغلب على لحظات من الشك في الذات، مع التركيز على الثقة بالنفس والإمكانات الشخصية. يقول روب ماغواير، المدير الإبداعي التنفيذي في وكالة “Public House” الأيرلندية التي صممت الحملة، لموقع “Euractiv”، إن هذا التغيير يعكس تحولًا أوسع في الطريقة التي يُنظر بها إلى الدفاع. وقال: “عندما نتحدث عن الدفاع، فإن اللغة مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل 10 سنوات، وحتى قبل أربع سنوات”. وصُممت الحملة الأيرلندية خصيصًا لمعالجة فجوة التجنيد بين الشابات.
تابع ماغواير: “كان عميلنا يريد تحديدًا استهداف تجنيد النساء، لأنه كان يعلم أن أعدادهن لم تكن كبيرة تاريخيًا”. وأظهر البحث الذي أجرته الوكالة أن الرسائل الوطنية التقليدية لم تكن بالضرورة الطريقة الأكثر فاعلية للوصول إلى الجماهير الأصغر سنًا أو النساء. وركزت الحملة على ما وصفه ماغواير بـ”الاستبعاد الذاتي”، أي ميل بعض المتقدمات المحتملات إلى استبعاد أنفسهن قبل التقدم بطلبات الالتحاق. وصُممت الحملة أيضًا منذ البداية بهدف توليد التفاعل والمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقال ماغواير إن الوكالة تلقت معلومات تفيد بأن طلبات الالتحاق المقدمة من النساء ارتفعت بصورة حادة منذ إطلاق الحملة.
ألمانيا تراهن على تيك توك
ربما تكون ألمانيا قد ذهبت بالتحول الرقمي إلى مدى أبعد، إذ حولت قنوات التجنيد التابعة للقوات المسلحة الألمانية “Bundeswehr” إلى واحدة من أبرز الأمثلة على تكيف مؤسسة عسكرية مع ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى منصة تيك توك، يمزج حساب “Bundeswehr Karriere” المخصص للمسار المهني في القوات المسلحة، بين رسائل التجنيد والفكاهة ومقاطع الفيديو غير الرسمية ومحتوى من وراء الكواليس يعرض الحياة اليومية في الجيش. وبدلًا من تقديم القوات المسلحة من خلال المراسم الرسمية أو صور المعدات العسكرية فقط، تركز الاستراتيجية على الأشخاص أنفسهم: جنود يشرحون وظائفهم، ويعرضون روتين التدريبات، ويقدمون رؤية أكثر سهولة للحياة العسكرية. وفي عام 2026، سجلت ألمانيا ارتفاعًا في الاهتمام بقواتها المسلحة عقب إطلاق حملة التجنيد، مع زيادة بنسبة 20% في أعداد المتقدمين مقارنة بالعام الماضي.
وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للوصول إلى المجندين
تشترك هذه الحملات في قدرتها على التكيف مع منطق وسائل التواصل الاجتماعي. فلم تعد الجيوش تكتفي بوضع إعلانات التجنيد على الإنترنت، بل تعمل على إنشاء قنوات مخصصة للوصول إلى المجندين المحتملين في الأماكن التي يستهلكون فيها المعلومات بالفعل. وتقدم إسبانيا مثالًا آخر أكثر حداثة. ففي مايو، أطلق الجيش الإسباني حسابًا رسميًا على تيك توك إلى جانب قناة على واتساب، وربط هذه الخطوة صراحةً بـ”الاستجابة للحاجة إلى تكييف الاتصال المؤسسي مع أنماط استهلاك المعلومات الحالية، مع التركيز بصورة خاصة على الجماهير الأصغر سنًا”. وتُستخدم هذه القنوات لعرض الأنشطة العسكرية، وشرح الفرص المهنية، وتقريب المؤسسة العسكرية من الجمهور. وقال الجيش إن الهدف يتمثل في تقديم معلومات “صحيحة وشفافة وفي الوقت المناسب”، مع استخدام منصات أصبحت بالفعل جزءًا من الحياة اليومية للأجيال الأصغر سنًا، وتعمل على بناء منظوماتها الرقمية الخاصة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=123046
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

