خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
في تطور دبلوماسي جديد يعكس التحركات الأوروبية المتسارعة بشأن الحرب في أوكرانيا، اقترح المستشار الألماني فريدريش ميرز عقد قمة ثلاثية، تضم كلًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وذلك في إطار سعي متجدد لإيجاد مخرج تفاوضي للأزمة المستمرة منذ عام 2022.
أوضح ميرز: “أن فكرة عقد هذه القمة ليست جديدة كليًا، بل جاءت بناءً على اقتراح قدمه الرئيس الأمريكي ترامب نفسه عقب لقائه الأخير مع نظيره الروسي في ولاية ألاسكا الأمريكية”. ووفقًا لما ورد في نص مسبق للمقابلة حصلت عليه وكالة فرانس برس، أعرب ميرز عن تفاؤله قائلاً: “أعتقد أن مثل هذا اللقاء الثلاثي سيُعقد”، في إشارة إلى رغبة الأطراف في تحريك المياه الراكدة في المسار السياسي المتعلق بالحرب”.
اللقاء على الأراضي الأوروبي
أشار ميرز إلى: “أن موعد ومكان انعقاد هذه القمة لم يُحددا بعد، لكنه أكد أن ألمانيا اقترحت أن يكون اللقاء على الأراضي الأوروبية، موضحًا أن الهدف من هذا الاختيار هو تأمين بيئة حيادية وداعمة للحوار بين الأطراف المتنازعة”. وأضاف المستشار الألماني: “نحن نبحث عن مكان يمكن أن تجري فيه المناقشات بشكل دائم ومستقر، لكن مثل هذه التفاصيل لن تتضح قبل مرور عدة أيام، وربما أسابيع”.
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، بعد قمته مع بوتين يوم في ألاسكا: “أن هناك رغبة لدى العديد من القادة الأوروبيين لعقد جولة مفاوضات جديدة، تتضمن مشاركة مباشرة للرئيس الأوكراني زيلينسكي، وهو ما لم يتحقق في اللقاء الأخير”. وأوضح ترامب: “أن الوقت قد حان لمحادثات حقيقية بوجود جميع الأطراف، مضيفًا أن هدفه الآن لم يعد مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل التوصل إلى اتفاق شامل للسلام ينهي الحرب ويضمن استقرار المنطقة”.
التغير في لهجة ترامب
هذا التغير في لهجة ترامب يعكس “خيبة أمل” واضحة من نتائج لقائه مع بوتين، والذي لم يسفر عن اختراق حقيقي فيما يتعلق بوقف إطلاق النار أو تقديم ضمانات روسية بالتهدئة. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن مجرد عودة قنوات الحوار المباشر بين واشنطن وموسكو تعتبر خطوة إيجابية بعد سنوات من القطيعة شبه الكاملة.
لكن هناك تحديًا قانونيًا ودبلوماسيًا لا يمكن تجاهله، وهو وجود مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق فلاديمير بوتين، تتهمه بارتكاب جرائم تتعلق بترحيل قسري لأطفال أوكرانيين إلى داخل الأراضي الروسية، وهي اتهامات تنفيها موسكو بشدة وتصفها بأنها ذات دوافع سياسية.
على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن عقد قمة في أوروبا قد يطرح إشكاليات قانونية تتعلق بمشاركة بوتين، خاصة في دول ملزمة قانونيًا بتنفيذ قرارات المحكمة.
وفي هذا السياق، تبرز المجر كخيار محتمل لاستضافة القمة، خاصة أنها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي لكنها أعلنت نيتها الانسحاب من المعاهدة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية. وتحكم المجر حكومة برئاسة فيكتور أوربان، الذي يُعرف بعلاقاته القوية مع كل من ترامب وبوتين، ويُنظر إليه أحيانًا على أنه “جسر سياسي” بين الشرق والغرب.
يرى مراقبون أن طرح ألمانيا لاستضافة هذه القمة الثلاثية يعكس تحولًا في النهج الأوروبي تجاه الملف الأوكراني، حيث بدأت العديد من العواصم، وفي مقدمتها برلين، تدرك أن الاستمرار في مسار التصعيد العسكري لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن الحل السياسي قد يكون هو الطريق الوحيد القادر على إنهاء معاناة الملايين من المدنيين.
لكن، في المقابل، هناك مخاوف مشروعة من أن تتحول هذه القمة، في حال انعقادها، إلى مجرد “عرض سياسي” لا يرقى إلى مستوى التطلعات. فالرئيس بوتين لا يزال مصممًا، حسب ما تظهره أفعاله على الأرض، على تحقيق مكاسب إقليمية ملموسة قبل الدخول في أي مفاوضات جدية، بينما يواجه زيلينسكي ضغوطًا متزايدة من الداخل الأوكراني ومن بعض الحلفاء الغربيين، بين مطالبات بالثبات ومطالبات ببدء التفاوض.
في نهاية المطاف، تبقى فكرة القمة الثلاثية فرصة حقيقية، ولكن محفوفة بالتحديات. فنجاحها يعتمد على توفر الإرادة السياسية، وتقديم تنازلات متبادلة، والأهم من ذلك وجود ضمانات دولية تُلزم جميع الأطراف بالنتائج. وفي ظل هذا الواقع المعقد، تترقب العواصم العالمية تطورات الأيام المقبلة، حيث قد تتحدد معالم مرحلة جديدة من الصراع أو ربما من السلام.
النتائج
اقتراح عقد قمة ثلاثية تجمع ترامب، بوتين، وزيلينسكي يمثل تحولًا دبلوماسيًا لافتًا بعد فترة من الجمود السياسي والعسكري في حرب أوكرانيا.
المبادرة الألمانية، المدعومة ضمنيًا من ترامب، تعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الغربية بأن الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكريًا فقط، وأن التفاوض المباشر قد يكون السبيل الوحيد لإنهائها.
رغم الأهمية الرمزية والسياسية لهذا الطرح، إلا أن العقبات كثيرة، أبرزها مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق بوتين، والتي تعقّد مشاركته في أي قمة تعقد في أوروبا.
إلى جانب ذلك، يواجه زيلينسكي ضغوطًا داخلية لعدم تقديم تنازلات، بينما يسعى بوتين لتعزيز أوراقه التفاوضية من خلال المكاسب الميدانية.
في المستقبل القريب، من المحتمل أن تشهد الساحة السياسية محاولات متعددة لترتيب القمة، ربما في دولة أوروبية محايدة أو خارجة عن نطاق المحكمة الدولية مثل المجر.
نجاح هذه القمة، إن تمت، مرهون بتوفر إرادة حقيقية لدى جميع الأطراف، ودعم دولي فعال لضمان تنفيذ أي اتفاق يُبرم. أما الفشل، فسيعيد النزاع إلى نقطة الصفر، مع تصاعد المخاوف من تصعيد طويل الأمد في قلب أوروبا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107640
