المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي ـ هل تصبح ألمانيا هدفا محتملا لإيران؟
يثير الصراع في الشرق الأوسط تساؤلا لدى العديد من المواطنين الألمان حول كيفية تأثيره على الأمن الداخلي في ألمانيا. فمع كل تصعيد عسكري جديد في المنطقة، تتجدد المخاوف من امتداد تداعياته إلى الداخل الأوروبي، سواء عبر تهديدات إرهابية محتملة، أو تصاعد التوترات المجتمعية، أو هجمات سيبرانية تستهدف بنى تحتية حساسة. ويأتي هذا القلق في ظل تجارب سابقة أظهرت أن النزاعات الإقليمية يمكن أن تترك آثارا غير مباشرة على الأمن في الدول الأوروبية.
الهجوم لم يحدث تغييرا في الأمن الداخلي
يعتقد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، المنتمي إلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU في الرابع من مارس 2026، أن الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تحدث تغييرا في الأمن الداخلي لألمانيا في الوقت الراهن. وقد صرح دوبريندت بذلك في برلين، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية تتابع التطورات عن كثب، لكنها لا ترى في المرحلة الحالية سببا لرفع مستوى التحذير الأمني بشكل استثنائي. وأوضح الوزير أن الديناميكيات الخطيرة في الشرق الأوسط لا تشكل حاليا أي تهديد إضافي مباشر لألمانيا. وأضاف قائلا: “هذه مجرد لمحة سريعة. فالأمور قابلة للتغيير والتفاقم يوميا.” وتعكس هذه العبارة إدراكا رسميا بأن الأوضاع الإقليمية سريعة التحول، وأن التقييمات الأمنية تخضع لمراجعة مستمرة تبعا للمعطيات الجديدة.
الوضع الأمني لا يزال غامضا على المستوى الدولي
وأكد وزير الداخلية الاتحادي أن الوضع الأمني لا يزال غامضا على المستوى الدولي، لكن لا توجد أدلة ملموسة على هجمات مخطط لها أو مخاطر أمنية أخرى داخل الأراضي الألمانية. وأشار إلى أن المؤسسات الأمريكية والإسرائيلية واليهودية في ألمانيا تخضع لحماية خاصة في ضوء التطورات، كما تراقب السلطات الأمنية المظاهرات العامة عن كثب، إضافة إلى متابعة الوضع السيبراني لرصد أي نشاط مشبوه. لم تكن المظاهرات وفقا لتصريحات الوزير، التي شهدتها بعض المدن الألمانية لافتة للنظر من حيث الحجم أو الطابع العنيف. كما لم يتم تسجيل أي نشاط إلكتروني متزايد من جانب ما يسمى بـ”وكلاء” إيران، أي من جانب المتعاطفين مع نظام الملالي أو الجماعات المتحالفة معه. ويشير هذا التقييم إلى أن المخاوف من تحركات انتقامية أو عمليات تأثير منسقة لم تتحقق في السياق الألماني.
زيادة المخاطر بشكل مجرد بسبب الحرب الإيرانية
في سياق الأمن الداخلي، يشير مصطلح “حالة التهديد المجردة” إلى خطر عام محتمل نظريا يهدد السلامة العامة، دون وجود أي دليل ملموس على عمل وشيك أو فاعل محدد. ويعني ذلك أن البيئة الأمنية قد تصبح أكثر حساسية بسبب عوامل خارجية، مثل حرب أو أزمة دولية، لكن دون أن تكون هناك مؤشرات عملية على تخطيط لهجوم بعينه. وتستخدم الأجهزة الأمنية هذا المفهوم لتوصيف مرحلة الحذر الوقائي التي تسبق ظهور تهديدات محددة. أما “حالة التهديد الملموسة”، فتتحقق عندما تمتلك السلطات الأمنية معلومات موثوقة حول تهديد محدد، مثل هجوم مخطط له، أو موقع معين مستهدف، أو أفراد متورطين يمكن تتبعهم. في هذه الحالة، تنتقل الإجراءات من مستوى المراقبة العامة إلى مستوى التدخل المباشر، وقد يشمل ذلك اعتقالات احترازية أو تعزيزات أمنية واسعة النطاق أو تحذيرات علنية للسكان.
ألمانيا قد تكون هدفا محتملا
في سياق الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، غالبا ما تتحدث السلطات الأمنية في الدول الأوروبية في البداية عن تهديد متزايد بشكل عام، لأن النزاعات في الخارج قد تزيد من خطر التطرف أو الجرائم المقلدة. فبعض الأفراد قد يتأثرون بالدعاية السياسية أو الدينية المرتبطة بالصراع، ما يدفعهم إلى التفكير في تنفيذ أعمال عنف رمزية داخل بلدانهم. ولا يقيم الوضع على أنه تهديد حقيقي إلا عند وجود أدلة ملموسة على جرائم أو هجمات مخططة داخل البلاد. تدرك الأجهزة الألمانية أن ألمانيا، بحكم مكانتها السياسية ودورها الدولي، قد تكون هدفا محتملا لمحاولات ضغط أو رسائل سياسية غير مباشرة. كما أن وجود جاليات متنوعة ذات ارتباطات ثقافية أو عائلية بالشرق الأوسط قد يجعل التوترات الخارجية تنعكس أحيانا في نقاشات أو احتجاجات داخلية. ومع ذلك، تحرص السلطات على التمييز بين حرية التعبير المشروعة وأي نشاط قد ينزلق إلى العنف أو التحريض.
إلى جانب البعد الأمني التقليدي، يبرز أيضا البعد السيبراني بوصفه ساحة محتملة للتصعيد غير المباشر. فالهجمات الإلكترونية أو حملات التضليل قد تستخدم كأدوات للضغط السياسي أو لإثارة البلبلة داخل المجتمعات الأوروبية. ولهذا السبب، تراقب الأجهزة المختصة الفضاء الرقمي لرصد أي محاولات اختراق أو تأثير منسق، سواء استهدفت مؤسسات حكومية أو شركات خاصة أو الرأي العام.
يعكس الموقف الرسمي الألماني مزيجا من الطمأنة والحذر. فلا توجد حتى الآن مؤشرات على تهديد ملموس، لكن التطورات الإقليمية تفرض درجة عالية من اليقظة. ويؤكد المسؤولون أن التقييمات قد تتغير بسرعة إذا ما ظهرت معلومات جديدة، ما يعني أن حالة الاستعداد تبقى قائمة حتى في غياب مؤشرات مباشرة على الخطر.
يبقى تأثير الصراع في الشرق الأوسط على الأمن الداخلي الألماني مرتبطا بمسار الأحداث هناك. فإذا بقي التصعيد محدودا زمنيا وجغرافيا، فقد يظل التأثير في إطار التهديد المجرد. أما إذا اتسعت رقعة النزاع أو دخلت أطراف إضافية على خط المواجهة، فقد ترتفع المخاطر وتنتقل التقديرات الأمنية إلى مستوى مختلف. وحتى ذلك الحين، تراهن السلطات الألمانية على منظومة رصد واستجابة مرنة قادرة على التكيف مع أي تطورات مفاجئة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115799
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
