خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي ـ “نقطة تحوّل” في الأمن الداخلي الألماني بسبب التهديدات الهجينة
في ظل تصاعد التهديدات الأمنية التي تواجهها أوروبا خلال السنوات السابقة، أعلن وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبريندت، عن ما وصفه بـ”نقطة تحوّل” في منظومة الأمن الداخلي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، مشيرًا إلى أن الوضع الراهن يتطلب إعادة تقييم شاملة للأولويات الأمنية. جاء هذا التصريح خلال النقاش الدائر في البوندستاغ الألماني بشأن مشروع ميزانية وزارة الداخلية لعام 2026، حيث أكد الوزير الألماني: “أن التهديدات لم تعد تقليدية أو محدودة، بل أصبحت متعددة الأبعاد وتشمل الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والحرب النفسية، وتُعتبر روسيا أحد أبرز مصادرها”.
تهديد حقيقي ومستمر للأمن القومي الألماني
أكد دوبريندت: “أن انتهاكات المجال الجوي الألماني من قبل جيران أوروبيين، إلى جانب تحليق طائرات مسيّرة غير معرّفة، بالإضافة إلى الهجمات السيبرانية المتزايدة، تمثل إشارات لا لبس فيها على وجود تهديد حقيقي ومستمر للأمن القومي الألماني”. اعتبر أن هذه التهديدات أصبحت ملموسة في كل مكان، مما يتطلب ردًا شاملًا ومُحدّثًا من الدولة الألمانية، لا سيما في مجال الدفاع الجوي ضد الطائرات المسيّرة، حيث أعلن عن خطط لتحديث هذه القدرات، بالتوازي مع إصلاح قانون أمن الطيران لضمان مواكبته للتهديدات الجديدة.
جاء هذا التصعيد في النبرة الأمنية الألمانية في وقتٍ تتزايد فيه الانتقادات الداخلية لبعض الأصوات السياسية التي تقلل من شأن التهديد الروسي. ففي خطابه، شنّ دوبريندت هجومًا مباشرًا على تينو شروبالا، الرئيس المشارك للمجموعة البرلمانية لحزب البديل من أجل ألمانيا (AFD)، الذي صرّح مؤخرًا بأنه “لا يلاحظ أي نوايا عدائية من جانب روسيا تجاه ألمانيا”.
وردّ الوزير المحافظ المنتمي إلى الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU) قائلاً: “لقد لمست هذه النوايا العدائية بنفسي، ومن الواضح أن ما يحلّق في سمائنا اليوم ليس فقط طائرات مسيّرة عسكرية، بل طائرات مسيّرة أيديولوجية داخل البرلمان الألماني”. وألمح بذلك إلى أن بعض مواقف المعارضة تخدم روايات دعائية روسية أو تقلل من شأن التهديدات الواقعية.
انتقادات لسياسات الحكومة الألمانية
واصل حزب البديل من أجل ألمانيا انتقاداته لسياسات الحكومة، لا سيما في ما يتعلق بالدعم العسكري والمالي الموجّه لأوكرانيا. وصرّح جوتفريد كوريو، المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للحزب لشؤون السياسة الداخلية: “أن المواطنين يريدون حكومة تهتم بمشاكلهم الداخلية، وليس حكومة تُحرِق المليارات من الأموال العامة في أوكرانيا”. واعتبر أن التركيز يجب أن يكون على السياسات الداخلية كأولوية، في حين تُهمل الحكومة قضايا اجتماعية واقتصادية ملحة داخل البلاد.
لكن الانتقادات لم تقتصر على المعارضة اليمينية فقط، بل امتدت إلى اليسار والوسط. فقد هاجم ديتمار بارتش، المتحدث باسم حزب اليسار (Die Linke) لشؤون السياسة المالية، توجهات دوبريندت، متهمًا إياه بـ”التركيز المبالغ فيه على الحد من الهجرة”، مع إهمال مجالات وقطاعات أخرى مهمة، على غرار الرعاية الاجتماعية والتوظيف. كما انتقدت رشا نصر، النائبة عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، الخطط الحكومية لتقليص التمويل في مجال الاندماج، ووصفتها بأنها “اختزال ضيق في النظرة للهجرة”، مضيفة: “الآثار الإيجابية للهجرة نادرًا ما تُذكر في الخطاب السياسي العام، رغم كونها ركيزة مهمة في تطور المجتمع الألماني الحديث”.
من جهتها، عبّرت لمياء قدور، النائبة عن حزب الخضر (Die Grünen)، عن قلق بالغ من التخفيضات المرتقبة في تمويل التعليم السياسي، وبرامج الاندماج، ومؤتمر الإسلام الألماني، مشيرة إلى أن هذه الخطوات “تسير في الاتجاه الخاطئ”. وأكدت أن هذه المجالات ضرورية لتعزيز التماسك الاجتماعي ومكافحة التطرف، وأن خفض التمويل عنها قد يُضعف من قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات البنيوية طويلة الأمد.
استثمارات أمنية متزايدة في 2026
أعلنت الحكومة عن زيادة ملحوظة في ميزانية وزارة الداخلية لعام 2026، حيث من المقرر أن يرتفع الإنفاق إلى حوالي 16.1 مليار يورو، بزيادة قدرها 770 مليون يورو عن العام السابق. وتغطي هذه الزيادة تخصيص مزيد من الموارد إلى الشرطة الاتحادية، ومكتب الشرطة الجنائية الاتحادية، والمكتب الاتحادي لأمن المعلومات (BSI)، والمكتب الاتحادي للحماية المدنية والمساعدة في حالات الكوارث (BBK)، في إطار خطة شاملة لتعزيز الاستجابة الألمانية للتهديدات الأمنية والطوارئ. اقترح ليون إيكرت، النائب عن حزب الخضر”يوم التدريب الوطني”، حيث يتم تنظيم فعاليات تدريبية على مستوى ألمانيا، تشمل مهارات الإخلاء والإسعافات الأولية والتعامل مع الكوارث الطبيعية والصناعية، بهدف رفع جاهزية المواطنين وتعزيز الثقافة الأمنية داخل المجتمع المدني.
النتائج
يعكس هذا النص تحوّلًا مهمًا في السياسة الأمنية الداخلية الألمانية، إذ بدأت الحكومة الألمانية، ممثلة بوزير الداخلية ألكسندر دوبريندت، التعامل مع التهديدات الروسية الهجينة بوصفها تحديات مركزية تتطلب استجابة مؤسسية وتشريعية وتكنولوجية شاملة. التوجه نحو تحديث الدفاعات ضد الطائرات المسيّرة وإصلاح قانون أمن الطيران يمثل نقلة نوعية من الرؤية التقليدية للأمن نحو تصور أكثر تكاملًا مع الأمن السيبراني والمعلوماتي.
في المقابل، تكشف الانتقادات التي وجهها سياسيون من المعارضة، بمن فيهم ممثلو اليسار والخضر، عن فجوة متزايدة بين أولويات الحكومة وأولويات قطاعات من المجتمع السياسي والمدني، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة والاندماج والتعليم السياسي. ويبدو أن زيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية تقابلها تخفيضات في مجالات تُعتبر أساسية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي ومكافحة التطرف من جذوره.
المفارقة البارزة في المشهد السياسي تكمن في إنكار بعض قوى اليمين المتطرف (مثل حزب AFD) للتهديد الروسي، ما يثير تساؤلات حول مدى اختراق الرواية الروسية للخطاب السياسي الأوروبي، وقد يؤدي هذا الاستقطاب الداخلي إلى إضعاف الجبهة السياسية الموحدة في مواجهة التهديدات الخارجية.
أما على المدى المتوسط والمستقبل القريب، فمن المتوقع أن تتوسع سياسات الأمن الداخلي الألماني في اتجاهات جديدة تشمل الرقابة الجوية المتقدمة، وتعزيز الدفاع السيبراني، ودمج التدريب المدني في الاستراتيجيات الوقائية. ومع استمرار التوترات مع روسيا، ستُجبر الحكومة على التوفيق بين الاستعدادات الأمنية وتلبية الحاجات الاجتماعية، ما سيفرض ضغوطًا على ميزانية الدولة ويختبر مدى قدرة الأحزاب الحاكمة على صياغة حلول متوازنة ومستدامة تُرضي الطيف السياسي الواسع وتُحافظ على الثقة العامة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109800
