خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
من الممكن أن تُولّد خطط إعادة تسليح حلف الناتو سوقًا سنويًا بقيمة 45 مليار يورو خلال العقد المقبل في فرنسا، وتوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل. إلا أن القدرة الصناعية للبلاد لا تكفي حاليًا لتلبية هذا الطلب المتزايد.
هل فرنسا مستعدة لإعادة التسليح؟
يقول رومان لوكازيو، من صندوق الودائع، الذراع الاستثماري للدولة الفرنسية: “يثير هذا السؤال قلق الشركات في قاعدة الدفاع الصناعية والتكنولوجية الفرنسية (BITD)، وهي الشبكة التي تصمّم وتبني وتصون المعدات العسكرية. ومع تزايد الطلب الناجم عن تعهّد حلف شمال الأطلسي (الناتو) بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لأعضائه، وخطة الاتحاد الأوروبي لإعادة تسليح أوروبا، يتزايد الضغط على المنتجين للاستجابة السريعة. وقد زادت حرب أوكرانيا من إلحاح الوضع”.
على المحكّ مكانة فرنسا كثاني أكبر مُصدّر للأسلحة في العالم، في وقت تعمل فيه المصانع بالفعل بأكثر من 90% من طاقتها الإنتاجية. في شهر يونيو 2025 نشر صندوق الودائع تقريرًا حذّر فيه من أن النظام الفرنسي الحالي قد لا يكون قادرًا على تحقيق النتائج المرجوّة.
فرنسا تمرّ بنقطة تحوّل
أكد لوكازيو: “إن البلاد تمرّ بنقطة تحوّل”. مضيفًا: “إن التحدي الذي يواجه فرنسا هو الانتقال من نموذج صغير الحجم، مصمَّم لتلبية احتياجات فرنسا وهي قوة كبرى صغيرة الحجم إلى نموذج قادر على تلبية احتياجات شركائنا في حلف شمال الأطلسي، وخاصة الأسواق الألمانية والبولندية”. وأردف قائلًا: “إنها فرصة لا ينبغي تفويتها، وتتطلب زيادة القدرة، والمخاطرة ولكن التوسع الدولي، ومتابعة الاستراتيجيات التجارية”.
أوضح لوكازيو: “هذا يتطلب أموالًا، ويتطلب مهارات لا يمتلكها اللاعبون الفرنسيون بالضرورة، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة وبعض الشركات متوسطة القيمة”.
الاستراتيجية الإقليمية
يكمن النجاح في التنويع للاستفادة الكاملة من القدرات الإنتاجية الإقليمية الفرنسية. فهناك “جغرافيا دفاعية” تعود إلى القرن التاسع عشر، ما يعني أن الشركات تتركّز بشكل رئيسي في الغرب والجنوب بعيدًا عن الحدود الألمانية. إلا أن القدرات الفرنسية التصنيعية ليست بالضرورة موجودة هناك، كما يوضح.
يتساءل لوكازيو: “هل سيكون لدينا ما يكفي من المهندسين والفنيين الكبار؟ وهل لدينا برامج البحث والتطوير التعاونية الصحيحة، التي تتعاون فيها الشركات مع الجامعات أو مراكز التدريب لبناء الحلول والتقدّم معًا كمنظومة؟”. ويقول: “هذه ليست حلولًا وطنية، بل إقليمية. يكمن الخطر في أننا قد نحصل على التمويل، وأفضل التقنيات، وجيش من الموظفين الذين يقدّرون الإنتاج، لكننا لن نجد الكفاءات والمشاريع التي تُمكّن هذه الأنظمة البيئية من الأداء الجيد”.
إن زيادة الإنتاج هدف يمكن تحقيقه، بشرط أن تركز فرنسا على قطاعات رئيسية معيّنة، مثل المعدات العسكرية المتقدمة. فهناك مستويان للتصديرأولًا، الأنظمة القائمة على المنصات مثل بيع طائرات “رافال” المقاتلة؛ وثانيًا، المكونات والمعدات، وهي أقل وضوحًا وإثارة، لكنها توفّر قيمة مضافة كبيرة عند دمجها في منصات كالدبابات والطائرات.
فرنسا تستعد لهجوم محتمل مستقبلي
حذر الجنرال تييري بوركارد، رئيس أركان الدفاع الفرنسي، من أن روسيا قد تكون في وضع يسمح لها بشن هجوم عسكري تقليدي على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي بحلول عام 2030، وحث على زيادة الاستعداد الأوروبي، ويتوافق هذا التحذير مع تقييمات مماثلة من جانب مسؤولين آخرين في حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الذي أككد إن الهجوم قد يأتي في وقت مبكر من عام 2029.
أكد الجنرال بوركارد: “أن فرنسا تستعد بالفعل لمثل هذه الحالة الطارئة. ويخصص قانون البرمجة العسكرية الجديد في البلاد ما يقرب من 460 مليار دولار للإنفاق الدفاعي حتى عام 2030. ويتضمن ذلك مضاعفة قدرة فرنسا على الانتشار السريع وزيادة احتياطيات الذخيرة بشكل كبير”.
تقييم وقراءة مستقبلية
تعكس التصريحات والتحليلات من باريس وكييف وبروكسل تصاعدًا في الشعور الأوروبي بضرورة الاستعداد لمواجهة تحديات أمنية متفاقمة تقودها روسيا.
إن تقديرات الاستخبارات الغربية، وتحذيرات الجنرالات الفرنسيين والألمان، وتصريحات المسؤولين الأوكرانيين، تضع سيناريو حرب تقليدية روسية ضد الناتو في أفق 2029–2030 ضمن نطاق الممكن، لا المستبعد.
في المقابل، تكشف خطط إعادة التسليح الأوروبية عن نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي، حيث تحوّلت جهود الدفاع من ردود فعل متفرقة إلى رؤية استباقية منسقة.
تصطدم هذه الطموحات بتحديات واقعية، أبرزها ضعف البنية الصناعية الدفاعية في بعض الدول، ومنها فرنسا، رغم مكانتها كقوة تصديرية عسكرية. ويبرز خطر أن تصبح أهداف الناتو رهينة للقدرة الصناعية والإدارية، وليس للنية السياسية فقط.
في المستقبل القريب، يُتوقع أن تواصل أوروبا توسيع شراكاتها الدفاعية، وتسريع إصلاح هياكل القيادة والسيطرة، ودمج الاقتصادات الإقليمية في سلسلة الإمداد العسكري.
إذا نجحت في ذلك، قد تشكّل السنوات الخمس المقبلة نقطة تحول تُعيد توازن الردع مع موسكو. أما الفشل في مواكبة هذا التحول، فسيجعل أوروبا في موقف دفاعي هش أمام خصم يستعد بصمت وبإصرار.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106895
