خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي ـ ما مدى تأييد الرأي العام الألماني لقرار وقف تصدير السلاح إلى إسرائيل؟
تعرّض المستشار الألماني فريدريش ميرز، المنتمي إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، لانتقادات بعد قراره وقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل جزئيًا، وهو قرار أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية داخل ألمانيا وخارجها. ورغم هذا الجدل، يبدو أن المواطن الألماني يقف في معظمه خلف هذا القرار، حيث أظهر استطلاع أن قرابة ثلثي المواطنين الألمان يساندونه.
ففي استطلاع رأي تمثيلي أجرته مؤسسة “يوغوف” للأبحاث لصالح وكالة الأنباء الألمانية (DPA)، أعرب 65% من الألمان عن تأييدهم للقرار الذي أعلنه ميرز في الثامن من أغسطس 2025، بينما اعتبر 19% فقط أن القرار غير صائب، وتردد 16% في إبداء رأي واضح حول هذه القضية المثيرة للانقسام.
كان ميرز قد أعلن تعليق الموافقة مؤقتًا على تصدير أي معدات عسكرية يمكن استخدامها في العمليات الجارية في قطاع غزة، مبررًا هذا التجميد الجزئي بخطوة مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي الذي قرر “الاستيلاء على غزة”، وهو ما اعتبرته برلين تصعيدًا غير مقبول في سياق الصراع المستمر. وأوضح ميرز أن بلاده، رغم التزامها الثابت بأمن إسرائيل، لا يمكنها المشاركة أو التواطؤ في حرب يُحتمل أن تؤدي إلى مقتل “مئات الآلاف من المدنيين”.
التوازن بين الدعم والدفاع
رغم الانتقادات التي واجهها من داخل حزبه، وخاصة من الجناح المحافظ في حزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، شدد ميرز على أن هذا القرار لا يعني تخلي ألمانيا عن التزامها التاريخي تجاه إسرائيل، بل هو محاولة للموازنة بين دعم إسرائيل في الدفاع عن نفسها، من جهة، وبين الامتثال للمعايير الأخلاقية والإنسانية الدولية، من جهة أخرى. وصرح ميرز: “بأن حكومته ستواصل تقديم الدعم الدفاعي والتعاون الأمني مع إسرائيل، ولكن لن يتم تسليم أسلحة تُستخدم مباشرة في الصراع في غزة”.
تأييد واسع من الأحزاب
أظهرت نتائج الاستطلاع أن التأييد للقرار كان أعلى من المتوسط بين المصوتين لحزب الخضر، وحزب اليسار، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، وحتى بعض ناخبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي نفسه. أما من جهة أخرى، فقد كانت نسبة التأييد أقل بين أنصار الحزب الديمقراطي الحر (FDP)، المعروف بميوله الليبرالية الاقتصادية، وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتشدد، الذي عادة ما يتبنى مواقف حادة ضد سياسات الحكومة الخارجية.
اللافت أن الفروقات الجغرافية بين شرق وغرب ألمانيا لم تلعب دورًا كبيرًا هذه المرة، حيث لم تظهر اختلافات تُذكر في المواقف بين المشاركين في الاستطلاع من الولايات الشرقية والغربية، وهو ما يعكس إجماعًا وطنيًا نادرًا في السياسة الخارجية.
الجدل الأوروبي حول اتفاقية الشراكة
على صعيد أوسع، تصاعدت أصوات داخل الاتحاد الأوروبي تدعو إلى إعادة النظر في علاقاته مع إسرائيل، خصوصًا فيما يتعلق باتفاقية الشراكة السياسية والاقتصادية. فقد طالبت دول أوروبية مثل إسبانيا وفرنسا بتعليق الاتفاقية أو مراجعتها على خلفية ما وُصف بـ”انتهاكات حقوق الإنسان” في قطاع غزة.
تنص الاتفاقية على تعزيز التعاون السياسي، الاقتصادي، والعلمي بين الجانبين. غير أن الحكومة الألمانية رفضت هذا المقترح، مؤكدة رغبتها في الحفاظ على قنوات الحوار مع إسرائيل مفتوحة، وعدم اللجوء إلى خطوات قد تُغلق أبواب التواصل في ظل تصعيد الأزمات.
رغم هذا الموقف، يبدو أن المواطن الألماني منقسم بدرجة أكبر حول هذه المسألة، إذ أظهر استطلاع “يوغوف” أن 45% من الألمان يؤيدون عدم المساس باتفاقية الشراكة، في حين يرى 32% أنه من الخطأ تجاهل الأمر، وأجاب 23% بـ”لا أعرف”، ما يدل على حالة من الغموض أو التردد في فهم التداعيات السياسية والاقتصادية لمثل هذا القرار.
أهمية رمزية أكثر من عسكرية
رغم ما أثاره القرار الألماني من انقسام، يشير خبراء إلى أن تأثيره على القدرات العسكرية الإسرائيلية محدود جدًا. فبحسب غيدو شميدتكه، الخبير في شؤون التسليح: “إن إسرائيل ليست دولة تعتمد على واردات السلاح، بل تعتبر من أكبر المصدرين عالميًا”. ويوضح شميدتكه: “أن إسرائيل، نظرًا لموقعها الجيوسياسي، قامت منذ سنوات بتطوير قدراتها الدفاعية ذاتيًا، وتشجيع تأسيس شركات ناشئة من قبل الجنود السابقين في الجيش، مما يجعلها مكتفية إلى حد كبير”.
اعتبر شميدتكه أن الخطوة الألمانية ذات رمزية سياسية وأخلاقية أكثر منها ذات أثر عسكري حقيقي، مشيرًا إلى أن العلاقات الدفاعية بين ألمانيا وإسرائيل ستظل قائمة، لكن مع قيود أكثر حرصًا في الظروف الحالية.
النتائج
يعكس قرار المستشار فريدريش ميرز وقف تصدير بعض الأسلحة إلى إسرائيل تحوّلًا تدريجيًا في السياسة الخارجية الألمانية، حيث أصبحت الاعتبارات الإنسانية والقانون الدولي تأخذ حيزًا أكبر في صياغة المواقف، حتى تجاه حلفاء تقليديين مثل إسرائيل.
التأييد الشعبي الواسع لهذا القرار يشير إلى أن الرأي العام الألماني بدأ يطالب بسياسات أكثر توازنًا في قضايا الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل الحرب المستمرة في غزة وما خلفته من دمار بشري واسع.
المستقبل القريب قد يشهد توترًا محدودًا في العلاقات الثنائية بين برلين وتل أبيب، لكنه لن يصل حد القطيعة، خصوصًا مع استمرار التعاون الدفاعي والاستخباراتي.
على مستوى الاتحاد الأوروبي، فقد يدفع هذا الاتجاه ألمانيا إلى موقع وساطة بين الدول المؤيدة لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل والدول الرافضة لذلك، مما يمنحها دورًا محوريًا في إعادة صياغة العلاقة الأوروبية مع تل أبيب.
يبدو أن ألمانيا تتجه نحو نهج أكثر استقلالًا في سياساتها الشرق أوسطية، قائم على “الواقعية الأخلاقية”، وهو ما قد يعيد رسم توازن القوى والمواقف داخل الاتحاد الأوروبي تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107818
