خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي ـ لماذا أرسلت ألمانيا المزيد من الطائرات المقاتلة إلى بولندا؟
وصف المستشار الألماني فريدرش ميرز التوغل الروسي في المجال الجوي لحلف شمال الأطلسي بطائرات بدون طيار، بأنه “تهديد خطير للسلام في جميع أنحاء أوروبا”. ردّت الحكومة الألمانية على انتهاكات طائرات روسية مُسيّرة للمجال الجوي البولندي، فتُكثّف ألمانيا مشاركتها في حماية الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي. وأعلن المتحدث باسم الحكومة ستيفان كورنيليوس: “إن مراقبة المجال الجوي فوق بولندا من قِبل الطائرات المقاتلة الألمانية ستُوسّع وتُكثّف”.
سيتم مضاعفة عدد الطائرات المقاتلة من طائرتين إلى أربع طائرات. تُنفّذ القوات المسلحة الألمانية عملياتها بالفعل فوق بولندا بطائرتين مقاتلتين من طراز يوروفايتر، متمركزتين في روستوك-لاج. أكدت وزارة الدفاع أن عدد الطائرات سيتضاعف إلى أربع طائرات. علاوة على ذلك، سيتم تمديد فترة النشر، التي كان من المقرر سابقًا أن تستمر حتى 30 سبتمبر فقط، حتى 31 ديسمبر 2025.
أضاف كورنيليوس: “إن الحكومة الألمانية ستكثف دعمها لأوكرانيا”، ولم يُفصّل في هذا الشأن. وستعمل ألمانيا، ضمن الاتحاد الأوروبي، على اعتماد حزمة عقوبات صارمة بموجب المادة التاسعة عشرة، على وجه السرعة، لزيادة الضغط على روسيا.
ألمانيا بدأت في زيادة التزاماتها تجاه حلفائها في أوروبا الشرقية
أكد قائد الجيش الألماني، في وثيقة سرية في 11 سبتمبر 2025، أن الجيش يحتاج إلى إضافة 100 ألف جندي نشط إلى قوامه الحالي البالغ 62 ألفًا، لتلبية أهداف حلف شمال الأطلسي الجديدة التي تهدف إلى تعزيز الاستعداد للتهديد المتزايد من التهديد الروسي. كتب رئيس أركان الجيش، ألفونس مايس، في رسالة مؤرخة في الثاني من سبتمبر 2025، موجهة إلى رئيس أركان الدفاع، كارستن بروير: “من الضروري أن يصبح الجيش مستعدًا بشكل كافٍ للحرب بحلول عام 2029، وتوفير القدرات التي تعهدت بها ألمانيا لحلف شمال الأطلسي بحلول عام 2035”.
تابع قائلًا: “إن تحقيق هذه الأهداف مستحيل في ظل مستويات الأفراد المعتمدة، والتي تشمل أيضًا 37 ألف جندي غير نشط”. وقد بدأت ألمانيا بالفعل في زيادة التزاماتها تجاه حلفائها في أوروبا الشرقية، ولا سيما من خلال إنشاء لواء ألماني في ليتوانيا، ومن المقرر أن يبلغ قوامه نحو 5000 جندي، ونشر دوريات بحرية في بحر البلطيق لمواجهة التخريب تحت الماء.
دعا مايس إلى زيادة عدد القوات النشطة بنحو 45 ألف جندي بحلول عام 2029، وهو العام الذي قال التحالف بقيادة الولايات المتحدة إنه يتوقع فيه أن تكون روسيا قادرة على شن هجوم واسع النطاق على الحلفاء الغربيين. ونفت موسكو باستمرار أي نية لشن حرب ضد حلف شمال الأطلسي أو أعضائه.
وعلاوة على ذلك، ومن أجل تلبية أهداف حلف شمال الأطلسي المتفق عليها في قمة يونيو 2025، وبناء احتياطيات لحرب استنزاف مثل تلك التي تخوضها روسيا في أوكرانيا، توقّع مايس الحاجة إلى 45 ألف جندي نشط إضافي بحلول عام 2035. ودعا إلى إرسال نحو 10 آلاف جندي إضافي لتعزيز الدفاع الإقليمي.
حلف شمال الأطلسي عدّل أهداف قدراته
رفض متحدث باسم وزارة الدفاع في برلين التعليق على الوثيقة، مشيرًا إلى طبيعتها السرية. وأوضح المتحدث: “إن حلف شمال الأطلسي عدّل أهداف قدراته ردًا على التهديدات المتزايدة بشكل كبير في أعقاب حرب أوكرانيا في عام 2022. وبحسب تقدير أولي تقريبي، فإن الأمر سيتطلب حوالي 460 ألف جندي من ألمانيا، مقسمين إلى حوالي 260 ألف جندي نشط، وحوالي 200 ألف جندي احتياطي”.
في يونيو 2025، أعلن وزير الدفاع، بوريس بيستوريوس: “أن ألمانيا سوف تحتاج إلى ما يصل إلى 60 ألف جندي إضافي نشط في جميع الفروع العسكرية، لتلبية أهداف حلف شمال الأطلسي الجديدة، وهو ما يرفع القوة المستقبلية للقوات المسلحة الألمانية إلى نحو 260 ألف جندي”. ومع ذلك، فإن القوات المسلحة لم تحقق بعد هدفها المتمثل في 203 آلاف جندي في عام 2018، وتظل تعاني من نقص في عدد أفرادها يبلغ نحو 20 ألف فرد نظامي، وفقًا لأرقام الوزارة.
النتائج
تُعد التحركات الألمانية، سواء على صعيد تعزيز التواجد العسكري في بولندا أو خطط توسيع قوام الجيش، مؤشرًا واضحًا على تحوّل جوهري في العقيدة الدفاعية الألمانية، من نموذج الدفاع الوطني المحدود إلى نموذج الردع الاستراتيجي المتقدم ضمن حلف شمال الأطلسي.
الموقف الألماني، الذي ظل لعقود ما بعد الحرب العالمية الثانية يتسم بالحذر العسكري والانكفاء الدفاعي، يبدو بصدد التغيير الجذري، مدفوعًا بتصاعد التهديد الروسي واستراتيجية موسكو القائمة على اختبار قدرات وردود أفعال الناتو عبر أدوات هجينة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة.
تُظهر الحكومة الألمانية تجاوبًا واضحًا مع ضغوط الحلفاء في أوروبا الشرقية، خاصة بولندا ودول البلطيق، والذين يرون في ألمانيا لاعبًا أساسيًا في صدّ التهديد الروسي. وزيادة عدد الطائرات المقاتلة فوق بولندا وتمديد فترة انتشارها يعكس تحوّلًا من ردود الأفعال المؤقتة إلى نهج طويل الأمد في تأمين الجبهة الشرقية للحلف.
أن دعم أوكرانيا وتأكيد كورنيليوس على “تكثيف” هذا الدعم يُسجّل في سياق متصل، رغم عدم الكشف عن تفاصيل محددة، ما يوحي بصفقات سرية أو دعم استخباراتي متقدم.
من المرجح أن تشهد ألمانيا خلال السنوات الأربع المقبلة تغييرات هيكلية في بنية الجيش الألماني. سيتم توجيه ميزانيات ضخمة نحو إعادة التسلح، وزيادة التجنيد، وإعادة تأهيل الجاهزية القتالية. وهذا سيصاحبه تغيّر ثقافي داخل ألمانيا، حيث سيتراجع الحذر التقليدي من العسكرة لصالح خطاب الأمن الجماعي والدفاع الوقائي.
تؤدي الخطط الألمانية إلى إعادة تشكيل توازنات القوة في شرق أوروبا، حيث ستبرز ألمانيا كلاعب عسكري مباشر، إلى جانب دورها الاقتصادي. وقد يُفضي ذلك إلى تغيّرات في بنية القيادة داخل الناتو، وربما توتر ضمني مع بعض الدول الأعضاء التي تخشى هيمنة ألمانية مفرطة على قرارات الحلف.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109028
