خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي ـ كيف غيّرت حرب أوكرانيا العقيدة العسكرية الألمانية؟
يرغب المستشار الألماني فريدريش ميرز في إحداث تحول جذري في القدرات العسكرية لألمانيا، معلنًا عن طموحه في أن يصبح الجيش الألماني أقوى جيش في القارة الأوروبية. هذه الرؤية الطموحة لا يمكن تحقيقها دون إجراء تغييرات جوهرية في بنية الجيش، تتضمن تحسين التجهيزات والمعدات بشكل شامل، بالإضافة إلى زيادة عدد الجنود النظاميين.
يبلغ قوام الجيش الألماني حوالي 183 ألف جندي، وهو رقم لا يتماشى مع التزامات ألمانيا ضمن حلف شمال الأطلسي. ووفقًا لمتطلبات الناتو وتقديراته، فإن ألمانيا بحاجة إلى إضافة ما لا يقل عن 60 ألف جندي جديد إلى صفوف جيشها لمواكبة التحديات الجيوسياسية والأمنية المتزايدة، خاصة في ظل التوترات المستمرة شرقي أوروبا.
الأمن الأوروبي لا يمكن أن يُترك للظروف
لقد تركت حرب أوكرانيا، التي اندلعت في فبراير 2022، آثارًا بالغة العمق في الاستراتيجية الدفاعية الأوروبية، وخصوصًا على ألمانيا التي باتت تدرك أن الأمن الأوروبي لا يمكن أن يُترك للظروف أو للتمنيات.
يقول المفتش العام للجيش الألماني، الفريق ألفونس مايس: “الفعالية تسبق التغطية، فلا رابح ثانٍ”، في إشارة إلى أن قوة الردع الفعالة يجب أن تكون جاهزة بشكل دائم، لا أن تعتمد على الحظ أو على زمن التحضير الطويل. ويؤكد مايس أن سيناريوهات الدفاع العسكري تغيّرت تمامًا، وأن ما كان يُعتبر ممكنًا ومقبولًا خلال المهمات الخارجية لم يعد يصلح في ظل عودة تحديات الدفاع الوطني إلى الواجهة.
ففي مهمات الجيش السابقة، خصوصًا تلك التي تمت خارج الأراضي الأوروبية، كان الجنود يعملون في ظروف مستقرة نسبيًا، داخل معسكرات ميدانية محمية جيدًا، وفي إطار عمليات حفظ سلام أو مهام دولية مشتركة. أما حاليًا، ومع اقتراب الحرب من حدود الناتو، وارتفاع احتمال اندلاع صراع مسلح يشمل أراضي الحلف نفسه، فإن كل حسابات التدريب والاستعداد يجب أن تُعاد من الصفر.
لم يعد الدفاع مسألة نظرية
لم يعد الدفاع عن الوطن مسألة نظرية، بل صار سيناريو واقعيًا يجب التحضير له جديًا، وفق تعبير القيادات العسكرية. في هذا السياق، يشعر الكثير من الجنود، خصوصًا جنود الاحتياط القدامى، بالقلق إزاء مسار حرب أوكرانيا واحتمال تمددها أو تكرار سيناريوهات مماثلة في مناطق أخرى من القارة.
أرسلت ألمانيا بالفعل لواءً قتاليًا إلى ليتوانيا كجزء من التزاماتها في تعزيز الجناح الشرقي للناتو، وسط مناقشات داخلية محتدمة حول مدى التزام ألمانيا بتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، سواء من خلال الدعم العسكري أو من خلال تواجد دائم على الأرض في الدول المجاورة لها.
رئيس أركان الجيش الألماني لا يُخفي قلقه من أن الجيش قد لا يكون مستعدًا بما فيه الكفاية إذا ما اندلعت مواجهة عسكرية بشكل مفاجئ. فعلى الرغم من التقدم الملموس الذي تحققه القوات الألمانية في مجال الاستعداد القتالي، لا يزال هناك نقص في الوقت والموارد اللازمين لضمان جاهزية كاملة.
يوضح الفريق مايس: “لقد حققنا تقدمًا كبيرًا، لكن السؤال المطروح هو: هل نمتلك الوقت الكافي؟ وهل نحن مستعدون نفسيًا للقتال من أجل قيمنا وهويتنا؟”. هذه التساؤلات ليست فقط عسكرية أو لوجستية، بل تتعلق بعقلية الجنود ومدى استعدادهم لتقديم أقصى ما لديهم في وقت الأزمات.
الجيش في حالة تأهب دائم
يضيف مايس أن جزءًا من الاستعداد لا يقتصر على التدريب العسكري فقط، بل يشمل أيضًا الاستعداد الذهني والنفسي، خصوصًا لدى القيادات الميدانية. وتابع في هذا الصدد: “علينا أن نكون واقعيين. قد يقع الإنذار في وقت غير مناسب، أو في لحظة ضعف، لكن القادة يجب أن يكونوا مستعدين لكل الاحتمالات، وألّا ينتظروا اللحظة المثالية للتحرك”. هذا النوع من التفكير يعكس تحوّلًا عميقًا في طريقة فهم التهديدات العسكرية المعاصرة، حيث لم تعد الجيوش تُعدّ لهجمات بعيدة الأمد، بل عليها أن تكون في حالة تأهب دائم.
فيما يخص الجنود الجدد، يؤكد مايس على أهمية الاقتداء بنماذج الشجاعة والانضباط التي قدمها جنود الجيش الألماني السابقون الذين نالوا أوسمة شرف عسكرية، فالمجندون الجدد اليوم يعلمون جيدًا أنهم قد يُطلب منهم الدفاع عن بلادهم في حرب حقيقية، وليست مجرد مهمة نظرية أو مناورة تدريبية.
يشير الفريق مايس إلى تغير واضح في وعي الشباب الألمان تجاه الخدمة العسكرية. ففي حواراته معهم، يلاحظ أنهم أكثر جدية ونضجًا مما كانوا عليه في السابق. يؤكد مايس أن من ينضم إلى الجيش الألماني يدرك تمامًا أننا نعيش في قارة تعيش أجواء حرب حقيقية، وأن قرارهم ليس مجرد وظيفة، بل التزام بمصير بلد بأكمله.
النتائج
تشير التطورات إلى أن ألمانيا دخلت مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي العسكري، مدفوعة بتحولات جذرية في البيئة الأمنية الأوروبية بعد حرب أوكرانيا.
يظهر ذلك من خلال طموح ميرز وتصريحات القادة العسكريين أن ألمانيا تسعى للانتقال من دورها التقليدي كقوة اقتصادية إلى فاعل مركزي في أمن القارة.
لكن هذا التحول يتطلب مواجهة تحديات كبيرة: من بينها نقص الكوادر، وإعادة تشكيل العقيدة العسكرية، والتغلب على الحساسية المجتمعية تجاه التوسع العسكري.
في المدى القصير، من المتوقع أن تواصل ألمانيا تعزيز وجودها في دول البلطيق وتزيد من استثماراتها في المعدات والتكنولوجيا الدفاعية.
أما على المدى البعيد، فإن نجاح هذه الخطة سيعتمد على قدرة برلين على إقناع الرأي العام الداخلي بضرورة هذه التعبئة، وعلى مدى تماسك الناتو في ظل أزمات محتملة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108046
