خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي ـ الطائرات بدون طيار، ألمانيا نحو مقاربة متكاملة لمواجهة التهديدات
من المقرر أن تتولى وحدة جديدة تابعة للشرطة الاتحادية مهمة التصدي للطائرات المسيّرة، لكن التعقيدات الخاصة بتوزيع الصلاحيات والتقديرات الخاطئة قد تعرقل تحقيق إنجازات جوهرية. في حرب أوكرانيا أصبحت الطائرات المسيّرة منذ زمن أحد أهم الأسلحة. فروسيا وأوكرانيا رفعتا إنتاجها بشكل هائل منذ اندلاع الحرب، وواصلتا تطوير تقنيات جديدة لصدّها. أما في ألمانيا فقد أولي لهذا الملف اهتمام محدود لسنوات طويلة، رغم تزايد عمليات التحليق فوق البنى التحتية الحساسة، من دون أن يقابل ذلك ردود فعل حقيقية. لم يبدأ التغيير إلا في خلال العام 2024، حين ظهرت طائرات مسيّرة بشكل شبه يومي فوق مطارات أوروبية ومنشآت عسكرية، ولم يتم لا صدّها ولا تحديد هويتها. كما تعطّل تشغيل مطار ميونيخ عدة مرات، وأفيد بأن برلمان ولاية شليسفيغ-هولشتاين تعرّض لعملية تجسس. رداً على ذلك، جرى تعديل قانون الشرطة الاتحادية لأول مرة منذ عام 1994، وأُعلن عن إنشاء مركز لمكافحة الطائرات المسيّرة. وخلال ديسمبر 2025 باتت الشرطة الاتحادية تمتلك وحدة خاصة لمواجهة هذه الطائرات، إلا أن الكثير من المشكلات ما زال قائمًا.
دوبريندت يتعهد، “سريع، دقيق، وبأعلى التكنولوجيا”
أعرب وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت خلال عرض الوحدة الجديدة في موقعها المستقبلي في آهرنسفيلده قرب برلين عن قناعته بأهميتها، قائلاً: “نحقق خطوة مهمة لأمننا”. وأضاف دوبريندت: “سنظهر كيف نواجه التهديدات الهجينة الجديدة بسرعة ودقة وباستخدام تكنولوجيا متقدمة”. تضم الوحدة في البداية 60 عنصرًا من الشرطة الاتحادية، على أن يرتفع العدد إلى 130 قريبًا. وستُكلّف بتأمين المطارات والعاصمة والمنشآت الحساسة في جميع أنحاء البلاد. تقوم منظومة التصدي للطائرات المسيّرة على ثلاثة عناصر: تقنيات ثابتة تُستخدم في المطارات الكبرى ولحماية العاصمة؛ تقنيات أكبر متنقلة لتأمين الفعاليات المخطط لها؛ وفرَق عالية التنقل تنطلق فور الإبلاغ عن رصد طائرات مسيّرة. تعتمد هذه الفرق على وسائل مثل إبعاد الطائرات واعتراضها بشباك، إضافة إلى التشويش على الاتصال اللاسلكي (Jamming). كما ستلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دورًا أساسيًا. أما إسقاط الطائرة فيُعد الخيار الأخير. ويحذر الخبير في البنية التحتية الحساسة مانويل أتوج من أن “شظايا الطائرات قد تهدد حياة الناس، كما قد تتسبب بانفجار محطات الغاز المسال أو خزانات الوقود في المطارات. وقد تكون العواقب وخيمة”.
البنية التحتية الحساسة خارج المنظومة
يبدي أتوج ترحيبه المشروط بالوحدة الجديدة قائلًا: “أنا سعيد وممتن لأن شيئًا ما يحدث أخيرًا. فهذا الملف أُهمل لعقود”، لكنه يؤكد أن مقاربة وزير الداخلية غير كافية. يعتبر الإجراءات “سياسة رمزية لإخفاء حجم المشكلة وتهدئة مخاوف الناس”، مشيرًا إلى أن المجتمع يقلل من خطر الطائرات المسيّرة، بينما تحاول الحكومة التقليل من حجم التهديد لتجنب إثارة الذعر. يعتقد أتوج أن ألمانيا ستواجه سيناريوهات أسوأ بكثير قريبًا، بما في ذلك هجمات تستهدف الحشود أو منشآت الطاقة. يشدد أتوج على ضرورة إشراك منشآت البنى التحتية الحساسة في جهود المواجهة، بحيث تمتلك قدراتها الخاصة لرصد الطائرات والإبلاغ عنها، وربما صدّها بشكل محدود. فهذه البلاغات ضرورية لبناء صورة دقيقة عن حجم التهديد.
لا تتجاوب الشركات والمؤسسات، على حد قوله، بسبب ارتفاع تكاليف المعدات اللازمة. “الجميع يدرك الخطر، لكن لا أحد يريد تكبّد التكاليف”. ولذلك يرى ضرورة إلزامها قانونيًا باتخاذ الإجراءات. أكد المدير العام لاتحاد قطاع الطيران الألماني، يواخيم لانغ، خطورة الوضع الأمني للمطارات بعد عرض الوحدة الجديدة، أعرب في الوقت نفسه عن ارتياحه لعدم اضطرار قطاع الطيران لتحمل التكاليف: “نرحب بأن الحكومة الاتحادية ستتحمل التمويل بالكامل”.
الشرطة ما زالت بحاجة للكثير**
تقرّ الشرطة بدورها بوجود فجوات، إذ يقول أندرياس رويسكوبف، رئيس قطاع الشرطة الاتحادية في نقابة الشرطة (GdP)، إن الملف عومل في الماضي “بإهمال شديد”. ورغم الترحيب بالإجراءات الجديدة، إلا أنه يحذر من الاكتفاء بالوعود السياسية. فالـ130 عنصرًا “ليسوا سوى البداية”. كما يجب تطوير التكنولوجيا باستمرار. ويؤكد رويسكوبف: “أن ذلك يتطلب استثمارات دائمة، ويبدو أن دوبريندت يرصد ميزانية مبدئية من مئات ملايين اليورو، لكن النقابة ترى أنها غير كافية”. يوضح رئيس الشرطة الاتحادية ديتر رومّان خلال تقديم الوحدة: “إن هناك بالفعل مئات مشاهدات لطائرات مسيّرة خلال العام 2025 ضمن نطاق اختصاص الشرطة”. كما حذّر من أن نماذج جديدة تظهر خلال أسابيع أو أشهر، ما يجعل مواكبة التطور ضرورة ملحّة. وتخطط الحكومة لإنشاء مركز أبحاث جديد ودعم الشركات الناشئة في هذا المجال.
الصلاحيات غير واضحة
تبرز تحديات أخرى، من بينها أن الجيش الألماني سيُمنح، وفق تعديل جديد في قانون أمن الطيران، الحق في إسقاط الطائرات المسيّرة داخل البلاد لمنع “حادث بالغ الخطورة”. لكن هذا يثير انتقادات، إذ تُعد الشرطة الاتحادية وشرطة الولايات جهات مختصة. وتتغير المسؤوليات حسب مكان ظهور الطائرة. حذر نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الخضر، كونستانتين فون نوتس، في تصريحات للتلفزيون الألماني من “تشتت المسؤوليات” بين شرطة الولايات والشرطة الاتحادية والجيش. تابع نوتس: “لا يجوز أن نقرر بناء على نداء عاجل من يتولى المسؤولية”. ويصرّ على ضرورة تحديد ذلك مسبقًا، وأن تكون الشرطة الاتحادية هي الجهة المسؤولة. وطالب الحكومة بإصدار القوانين اللازمة بسرعة.
يوافقه رويسكوبف الرأي، محذرًا من “فوضى في الصلاحيات” ما لم تُضبط القواعد بوضوح لضمان قدرة عناصر الشرطة على التصرف بأمان. ويعوّل على مركز مكافحة الطائرات المسيّرة الذي من المفترض أن تنسق فيه الجهات كافة جهودها. خلال مؤتمر وزراء الداخلية في بريمن، وافقت الولايات رسميًا على إنشاء مركز مشترك لمكافحة الطائرات المسيّرة تحت قيادة الحكومة الاتحادية، على أن يبدأ العمل خلال العام 2025. وسيضم جميع أجهزة الأمن، بمن فيها الجيش والاستخبارات. وأوضح وزير داخلية بافاريا يواخيم هيرمان: “أن للولايات مقعدًا على الطاولة”. فيما شدد وزير داخلية هامبورغ، آندي غروته، على ضرورة التوصل إلى صورة وضع آنية. يبدي أتوج شكوكًا، معتبرًا أن “هذا المركز سيكون مجرد جهة أخرى في مشهد تتوزع فيه المسؤوليات بشكل فوضوي”. ولا يختلف اثنان على ضرورة التحرك، لكن معظم الخبراء يرون أن الخطوات الحالية غير كافية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112416
