خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
في خطوة تُجسِّد توجهًا استراتيجيًا طموحًا، يعمل الجيش الألماني على تعزيز استقلاليته العسكرية والتقنية، عبر تنفيذ خطة شاملة لتوسيع قدراته في مجال الفضاء. وتتمثل إحدى أبرز ركائز هذه الاستراتيجية في تطوير شبكة وطنية خاصة من الأقمار الصناعية، تمكّنه من تأمين اتصالات مستقلة وآمنة، بعيدًا عن الاعتماد على مزودي الخدمات التجارية، مثل نظام Starlink الشهير التابع لرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى برلين بأهمية امتلاك بنية تحتية سيادية في مجال الاتصالات الفضائية، خاصة في ظل تسارع التطورات الجيوسياسية العالمية، وزيادة التهديدات السيبرانية والعسكرية، وظهور تحديات جديدة في ميدان الحرب الحديثة.
ووفقًا لما كشفه تقرير نشرته مجلة “دير شبيغل”الألمانية، تستند هذه الخطط إلى وثيقة استراتيجية سرّية أعدّها الجيش الألماني، تؤكّد أن إنشاء نظام وطني من الأقمار الصناعية يُعدّ هدفًا مركزيًا في إطار تطوير القدرات العسكرية الألمانية في الفضاء، وذلك لمواكبة التحولات السريعة التي يشهدها ميدان الدفاع والاتصالات.
وقد استخدمت القوات المسلحة الألمانية في السابق نظام SATCOMBw، وهو نظام اتصالات عسكرية يعتمد على عدد محدود من الأقمار الصناعية الثابتة جغرافيًا. وقد خُصص هذا النظام بشكل أساسي لدعم المهام الخارجية للجيش، لاسيما تلك التي جرت في مناطق مثل مالي وأفغانستان.
إلا أن هذه القدرات لم تعد تواكب متطلبات العصر، بحسب ما أكده أحد الجنرالات البارزين في الجيش الألماني، الذي صرّح لمجلة “دير شبيغل” بأن هذه البنية التحتية لم تعد كافية لتلبية احتياجات الدفاع الوطني، ولا توازي متطلبات التزامات ألمانيا ضمن إطار حلف شمال الأطلسي.
ضرورة شبكة عالمية ومستمرة للاتصالات العسكرية
شدد الجنرال على الحاجة الملحّة إلى إنشاء شبكة أقمار صناعية قابلة للنشر عالميًا، تتيح للقوات المسلحة الحفاظ على قدرة اتصالات فورية، ومستمرة، وآمنة، خاصة في أوقات الأزمات والطوارئ. هذا النوع من الشبكات يُعد ضروريًا لضمان جاهزية الجيوش في ساحات القتال الحديثة، حيث تلعب سرعة تدفق المعلومات والدقة الزمنية دورًا محوريًا في اتخاذ القرار الميداني.
شبكة ضخمة من الأقمار الصغيرة، والخطة تمتد حتى 2029
وفي إطار الخطة الموضوعة، من المنتظر إطلاق ما يقرب من 300 قمر صناعي صغير إلى الفضاء خلال السنوات القليلة المقبلة، لتشكل معًا نواة شبكة الاتصالات الفضائية الجديدة. ومن المقرر أن يكتمل إنشاء البنية الأساسية لهذه الشبكة بحلول عام 2029، مع إمكانية تطويرها وتوسيعها بشكل تدريجي لاحقًا، لمواكبة الاحتياجات المستقبلية والتطورات التقنية.
ترى الجهات المختصة أن فرص الحصول على الموافقة السياسية على هذا المشروع واعدة، خاصة في ظل الإجماع المتنامي داخل الأوساط السياسية والعسكرية على ضرورة تعزيز قدرات ألمانيا السيادية في مجالات الأمن والدفاع. كما أن التمويل يُعد مضمونًا إلى حدّ كبير، نظرًا لأن النفقات العسكرية تُستثنى من معظم القيود المتعلقة بالديون العامة، مما يجعل توفير مليارات الدولارات للمشروع أمرًا قابلًا للتنفيذ من الناحية المالية.
المعركة المعلوماتية، ودور الأقمار الصناعية في الحروب الحديثة
وفي تأكيد إضافي على أهمية المشروع، نقلت مجلة “دير شبيغل” عن أحد جنرالات الجيش الألماني قوله: “في المستقبل، سيحتاج كلّ قائد دبابة إلى صور جوية جديدة كلّ بضع ثوانٍ؛ وبدون شبكة أقمار صناعية مخصصة، لن ينجح هذا”. هذا التصريح يُبرز كيف أصبحت السيطرة على المعلومات والاستشعار عن بعد عنصرًا حاسمًا في أي معركة عسكرية حديثة، إذ تزداد الحاجة إلى صور حديثة، وبيانات آنية، واتصالات مؤمّنة في الوقت الفعلي.
تسعى ألمانيا، عبر هذه الخطة، إلى تقليص اعتمادها على الخارج في واحد من أكثر القطاعات حساسية وأهمية في منظومة الأمن القومي، وهو ما يعكس تحوّلًا نوعيًا في العقيدة الدفاعية للبلاد، ويؤشر إلى دخولها مرحلة جديدة في سباق التسلح الفضائي، جنبًا إلى جنب مع دول أخرى تسعى إلى تعزيز وجودها في هذا المجال، مثل فرنسا، الولايات المتحدة، والصين.
قاعدة بوشل الجوية: لماذا التحديث مكلف للغاية؟
تشهد تكاليف قاعدة بوشل الجوية ارتفاعًا كبيرًا؛ إذ يحتاج الوزير بيستوريوس إلى 1.948 مليار يورو لتحديث القاعدة. قاعدة بوشل الجوية في راينلاند بالاتينات هي قاعدة جوية خاصة. ابتداءً من عام 2027، سينشر الجيش الألماني طائرات مقاتلة جديدة من طراز F-35 أمريكية الصنع هناك. ميزتها الخاصة أنها في حالة الطوارئ الدفاعية، يمكنها استيعاب أسلحة نووية أمريكية، مخزنة في قاعدة بوشل . لكن ظهرت أرقام جديدة تُلقي بثقلها على المشروع
ارتفعت التكلفة الإجمالية لتجهيز قاعدة بوشل الجوية لطائرات F-35 الجديدة إلى 1.948 مليار يورو، بعد أن كانت التقديرات الأولية حوالي 700 مليون يورو. كان من المفترض أن تشهد تلك الفترة تغييرات كبيرة بالنسبة للجيش الألماني، بعد إقرار مجلس الوزراء لمشروع قانون تسريع شراء الأسلحة.
كما ذكرت مجلة “شبيغل”، طلب بيستوريوس مبلغًا جديدًا قدره 644 مليون يورو من لجنة الميزانية في البرلمان الألماني، لتمويل “البنية التحتية الخاصة بأنظمة الأسلحة” في بوشل. وتُبرَّر هذه الزيادات في التكاليف، من بين أمور أخرى، بزيادة متطلبات الأفراد و”الخصائص الخاصة لموقع البناء”. وتم الاتفاق على شراء طائرات F-35 المقاتلة الجديدة في عام 2022، لتحلّ محل طائرات تورنادو القديمة التابعة لسلاح الجو، والتي يجري التخلص منها تدريجيًا بسبب قدمها.
يهدف الجيش الألماني إلى تطوير نظام القتال الجوي المستقبلي الجديد FCAS، وهو مشروعٌ مشتركٌ بين ألمانيا وفرنسا وإسبانيا. إلا أن التخطيط للمشروع متعثرٌ بين برلين وباريس. وكانت الطائرة الجديدة إحدى نقاط الخلاف في الاجتماع بين المستشار فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في برلين. كما أن باريس غاضبة لأن الجيش الألماني يفتح السوق الأوروبية أمام المنافسة الأميركية من خلال طلب شراء مقاتلات F-35.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106564
