بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (25)
شهدت ألمانيا خلال السنوات الأخيرة تزايد النقاشات حول سلوك بعض عناصر الأجهزة الأمنية، سواء الشرطة أو حتى بعض فروع الاستخبارات، في ظل اتهامات بارتكاب عنف مفرط أو تبنّي أفكار متطرفة. ورغم الصورة النمطية التي لطالما ارتبطت بالمهنية والانضباط في هذه المؤسسات، كشفت تقارير إعلامية وتحقيقات برلمانية عن وجود حالات فردية أو شبكات محدودة داخل الأجهزة تحمل ميولًا يمينية متطرفة، أو تتورط في استخدام القوة على نحو غير متناسب، خاصة ضد الأقليات أو المشاركين في احتجاجات.
تزايد معدلات التطرف في أجهزة الأمن الألمانية
أشار تقرير حكومي نشر في مايو 2025 هناك ما يقرب من 200 ضابط شرطة في الأجهزة الأمنية الألمانية مشتبه بهم رسميًا بالتطرف. ووفقًا للتقرير، يواجه ما لا يقل عن 193 ضابط شرطة حكوميًا إجراءات تأديبية أو تحقيقات للاشتباه في تبنيهم آراءً يمينية متطرفة أو أيديولوجية مؤامرة. وأضاف التقرير أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من ذلك، إذ لم تتمكن ولايات شمال الراين – وستفاليا وبرلين وميكلنبورغ – فوربومرن من تقديم أرقام نهائية. وبينما أفادت كلٌّ من ولايتي شمال الراين – وستفاليا وبرلين بوجود حوالي 80 قضية تأديبية قيد المعالجة حاليًا، فقد صرّحتا بعدم قدرتهما على تصنيفها ضمن فئات سياسية مثل “اليمين” أو “اليسار”. وفقًا للبحث، فقد فُتح أو لا يزال يُجرى ما يزيد عن 571 إجراءً تأديبيًا أو تحقيقًا ضد ضباط شرطة في الولايات الاتحادية منذ عام 2020، للاشتباه في تبنيهم آراءً يمينية متطرفة أو أيديولوجية مؤامرة.
حددت السلطات الأمنية الفيدرالية وسلطات الولايات في يوليو 2024 أدلة على أنشطة يمينية متطرفة أو أنشطة أخرى منافية للدستور لدى 364 من موظفيها. وعلى مدار عام ونصف، حقق المكتب الفيدرالي في 739 قضية تتعلق بموظفي أجهزة أمنية، ظهرت فيها مؤشرات على مواقف وأنشطة يمينية متطرفة محتملة. وفي تقريره الحالي عن المتطرفين اليمينيين في أجهزة الأمن، وجد المكتب الفيدرالي لحماية الدستور أدلة فعلية على أنشطة منافية للنظام الأساسي الديمقراطي الحر في كل حالة ثانية تقريبًا (49%). ويغطي التقرير الفترة من 1 يوليو 2021 إلى 31 ديسمبر 2022، ويتناول السلطات الفيدرالية وسلطات الولايات.
وفقًا للمعلومات، كانت أكثر الانتهاكات المُكتشفة شيوعًا هي التصريحات المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي أو المحادثات، والشتائم ذات الدوافع السياسية، والتواصل مع منظمات وأحزاب متطرفة أو الانضمام إليها أو دعمها. ولم تُرصد أعمال عنف إلا في حالات قليلة. مكافحة الإرهاب ـ صعود اليمين المتطرف في ألمانيا وتحديات الأمن القومي
التمييز والعنصرية في عمل الشرطة الألمانية
تكررت النقاشات في السنوات الأخيرة، حول دور العنصرية في عمل الشرطة الألمانية. وتشير دراسات عديدة إلى أن الشرطة في ألمانيا تراقب الأشخاص بناءً على خصائصهم الجسدية. وقد تناولت دراسة حديثة ممارسات الشرطة العنصرية تجاه المواطنين الألمان. وقد صرح مفوض الشرطة الاتحادية ، أولي غروش في يوليو 2025 ، أنه لا تزال هناك مخاطر التمييز في جميع مجالات عمل الشرطة. ويتضح ذلك من عدد من المذكرات التي وصلت إلى مفوض الشرطة العام الماضي 2024 .
وقدمت مفوضية الشرطة الاتحادية أرقامًا ونتائج ملموسة في تقريرها السنوي 2025، مشيرةً أن في المتوسط، يتواصل شخص واحد مع مفوض الشرطة يوميًا، ويأتي ما يقارب ثلث هذه الحالات من ضباط الشرطة وثلثيها من المواطنين. ويشير التقرير إلى أن بلاغات المواطنين ركزت على “مزاعم التمييز العنصري عند المعابر الحدودية، وعند الدخول في المطارات، وفي محطات القطارات، والتي غالبًا ما تقترن باتهامات بالعنصرية، بالإضافة إلى مزاعم بالتمييز بسبب سلوك الشرطة غير المتناسب”.
يذكر التقرير أيضًا أن إفادات ضباط الشرطة غالبًا ما تتناول “شواغل شخصية” مثل الترقيات والتقييمات والمهام اللاحقة وسلوك الرؤساء. وتتعلق نقاط محورية أخرى في التقرير بالوضع وزيادة عبء العمل على الحدود الخارجية لألمانيا، بالإضافة إلى تزايد تعقيد الظواهر الإجرامية والمتطلبات المرتبطة بها على سلطات الشرطة.
أظهرت دراسة أجرتها جامعتا ترير وماينز في 2024، أن 18% من ضباط الشرطة الذين شملهم الاستطلاع يوافقون على التصريحات المعادية للمسلمين ، بينما لا يعارضها 26% بشدة. يرفض غالبية ضباط الشرطة الذين شملهم الاستطلاع (60%) إجراء فحص نقدي للعنصرية ، بينما يعارضها 29% آخرون جزئيًا.
كشفت دراسة أجرتها أكاديمية شرطة ساكسونيا السفلى في 2024، عن ممارسات روتينية في العمل الشرطي اليومي تؤدي إلى التمييز. لتقييم الخطر قبل أي عملية، تأخذ الشرطة، على سبيل المثال، في الاعتبار جنسية الأشخاص المعنيين. على سبيل المثال، يُعتبر الأشخاص الذين تعتبرهم الشرطة روسًا عرضة للعنف. ومن ثم، يميل الضباط إلى إظهار صرامة بناءً على أصولهم فقط.
عنف الشرطة الألمانية
بحلول بداية أغسطس 2025، قُتل 16 شخصًا برصاص الشرطة في ألمانيا. في حين قُتل 22 شخصًا على مستوى البلاد عام 2024 زهو أعلى رقم منذ أكثر من أربعة عقود. ومع ذلك، بالمقارنة مع الولايات المتحدة، تُعتبر هذه الأرقام منخفضة نسبيًا، حيث يموت حوالي 1000 شخص كل عام نتيجة عنف الشرطة.
يحق للشرطة استخدام القوة في حالات معينة. ومع ذلك، فإن صلاحية استخدام القوة تُعدّ أيضًا صلاحية استثنائية. تُعطى الأولوية دائمًا لتدابير أخرى، مثل التواصل وتهدئة الموقف. ولا يُسمح لضباط الشرطة باستخدام القوة إلا عندما يتعذر تطبيق تدابير الشرطة بوسائل أخرى، وفقط طالما كانت متناسبة. إذا تجاوزت الشرطة الحدود التي ينص عليها القانون، فإن ذلك يُعدّ استخدامًا غير قانوني للقوة. ووفقًا لدراسة عام 2023 فإن عنف الشرطة يحدث بشكل رئيسي في الفعاليات الكبرى كالمظاهرات أو مباريات كرة القدم. وتنطوي 20٪ من الحالات على عمليات خارج نطاق الفعاليات الكبرى، كحالات النزاع أو التحقق من الهوية. ووفقًا للدراسة، فإن الشباب هم الأكثر تعرضًا لعنف الشرطة.
انتقد مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا، مايكل أوفلاهيرتي، في يونيو 2025 ، بشدة تصرفات السلطات الألمانية خلال المظاهرات المناهضة لحرب غزة. وفي رسالة إلى وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت انتقد القيود المفروضة على حرية التجمع وحرية التعبير خلال المظاهرات. يستند أوفلاهيرتي في مداخلته إلى تقارير عن ملاحقة بعض الشعارات المؤيدة للفلسطينيين، واستخدام الشرطة “للقوة المفرطة” ضد المتظاهرين، مما أدى إلى إصابات. وأشار أن المشاركين تعرضوا لمراقبة إلكترونية وجسدية مفرطة، بالإضافة إلى عمليات تفتيش تعسفية من قبل الشرطة. ودعا أوفلاهيرتي الحكومة الألمانية إلى الامتناع عن أي إجراءات تمييزية ضد الأشخاص بناءً على آرائهم السياسية أو دينهم أو جنسيتهم أو وضعهم كمهاجرين. ملف اليمين الشعبوي في ألمانيا، تصاعد المخاطر ومساعي الحظر
المسائلة والشفافية
توصلت دراسة أجرتها جامعة بوخوم في يوليو 2025، أن عنف الشرطة غير القانوني أكثر شيوعًا في ألمانيا مما كان يُعتقد سابقًا. ووفقًا للدراسة، يُزعم وقوع ما لا يقل عن 12 ألف اعتداء غير قانوني من قِبل ضباط الشرطة سنويًا، أي خمسة أضعاف ما هو مُبلغ عنه.
حتى الآن، كان من المعروف أن هناك ما لا يقل عن 2000 اعتداء غير قانوني مزعوم من قِبَل ضباط شرطة في ألمانيا سنويًا، وهي حالات قيد التحقيق من قِبَل النيابة العامة. ونادرًا ما تُحال هذه الحالات إلى المحاكم. ووفقًا للبروفيسور توبياس سينجلنشتاين، عالم الجريمة ، فإن أقل من 2% من الحالات تُحال إلى المحاكم، وأقل من 1% منها تُسفر عن إدانة. وغالبًا ما يكون رأي المواطن مخالفًا لرأي الضباط. يقول سينغلنشتاين إن انخفاض معدل البراءة يعود بالأساس إلى عدم رغبة المدعين العامين في توتر علاقتهم بالشرطة. علاوة على ذلك، هناك افتراض سائد لدى المدعين العامين بأن تهم الاعتداء أثناء العمل لا أساس لها من الصحة عمومًا، مما يؤدي إلى ندرة توجيه التهم.
أشارت دراسة مفصلة أجراها باحثون في جامعة جوته فرانكفورت في مايو 2023 أن “الغالبية العظمى من حالات استخدام القوة المفرطة من قبل ضباط الشرطة لا تُسفر عن عواقب جنائية”. وقد لوحظ انخفاض في استعداد الإبلاغ بين المشاركين بالاستطلاع، نتيجةً لذلك، لا تزال نسبة كبيرة من الحالات المشتبه فيها باستخدام الشرطة للقوة بشكل غير قانوني دون إبلاغ. وأفاد 14% فقط من المشاركين في الاستطلاع بوقوع إجراءات جنائية في قضاياهم”. ولكن حتى في حال توجيه اتهامات، تُسقط النيابة العامة أكثر من 90% من القضايا.
في عام 2023، أُغلق أكثر من 4500 تحقيق ضد ضباط شرطة في ألمانيا. ومع ذلك، نادرًا ما أسفرت هذه التحقيقات عن إجراءات جنائية أو حتى إدانات. على سبيل المثال، في العام نفسه، لم تُنجز سوى 80 دعوى جنائية ضد ضباط شرطة في المحاكم الجزئية . ولا تكشف الإحصاءات الرسمية عن عدد مرات صدور أحكام الإدانة في هذه القضايا. علاوة على ذلك، لم يتضمن سوى عدد قليل من هذه الدعاوى جرائم قتل.
ثقة الألمان بأجهزتهم الأمنية
رغم تجاوزات العنف والعنصرية والنزعات اليمينية المتطرفة، يتمتع معظم الألمان بثقة عالية بشرطتهم. كشف استطلاع للرأي أجراه معهد أبحاث السوق والرأي “فورسا” ونشر في يناير 2025، أن الألمان يثقون بمؤسساتهم الأمنية بشكل متزايد ، بنسبة بلغت 81% من الألمان يثقون بالشرطة ثقةً كبيرة، وهو نفس المستوى الذي سُجِّل العام الماضي. فيما تكشف النتائج التفصيلية أن الثقة في مؤسسات الدولة أقل بكثير في شرق ألمانيا: إذ تبلغ نسبة الثقة بالشرطة 73%، أي أقل بعشر نقاط مئوية عن غرب ألمانيا. يقول مفوض الشرطة الاتحادية، أولي غروش ، في مقابلة تلفزيونية برلمانية، إن العلاقة بين المواطنين والشرطة أوثق من أي دولة أخرى تقريبًا.
بالمقابل، أظهر استطلاع نشر في مايو 2025، أن 57% من المواطنين يثقون بجهاز الاستخبارات الألماني بينما 34% عبروا عن عدم أو قلة الثقة. كما أعرب 54%عن ثقتهم في تقييم الجهاز للأحزاب المتطرفة مثل حزب البديل الألماني “AfD” حين تم تصنيفها كـ”يمينية متطرفة” قبل تجميد هذا التصنيف مؤقتاً . رغم ذلك، سبق وأن أظهرت بيانات قديمة لصيف عام 2024 من أن غالبية الألمان ، ما يقارب قارب 48% يرون احتمال أن جهاز الاستخبارات يُستغل لأهداف سياسية، في حين يرى 31% أن هذا الاحتمال غير وارد. اليمين المتطرف ـ لماذا تكثف ألمانيا جهودها ضد التطرف اليميني؟
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ تكشف التقارير والبيانات الإحصائية عن تنامي التطرف والعنف داخل الأجهزة الأمنية الألمانية، حيث تتعايش مؤشرات قوية على اختراقات فكرية يمينية متطرفة، وممارسات عنصرية وعنف مفرط. الأرقام المتعلقة بعدد الضباط المشتبه في تبنيهم أفكارًا متطرفة أو تورطهم في ممارسات عنصرية وعنيفة تعكس مشكلة هيكلية تتجاوز كونها حوادث فردية، خاصة أن التحقيقات والتقارير المستقلة تؤكد محدودية المساءلة وندرة الإدانة في قضايا الانتهاكات.
ـ رغم تأكيد الحكومة الألمانية على أن حالات التجاوز في الشرطة الألمانية لا تمثل الغالبية، فإن تكرارها يثير تساؤلات جدية حول آليات الرقابة الداخلية، ومدى فاعلية البرامج الإصلاحية الرامية إلى ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وسيادة القانون داخل المؤسسات الأمنية.
ـ بالمقابل، تشير استطلاعات الرأي إلى معدلات مرتفعة من الثقة الشعبية بهذه الأجهزة، خصوصًا الشرطة، اللافت أن ارتفاع الثقة الشعبية بالشرطة، بالرغم من هذه التقارير، يشير إلى فجوة إدراكية بين الرأي العام والحقائق التي تكشفها التحقيقات، وربما إلى اعتماد المواطنين على الشرطة كمؤسسة ضامنة للأمن في حياتهم اليومية، مما يقلل من تأثير الانتقادات على صورتها العامة. أما الاستخبارات، فثقتها أضعف نسبيًا وأكثر تأثرًا بالخلفيات السياسية، مع مخاوف من توظيفها لأغراض حزبية.
ـ من المرجح أن يستمر الضغط الداخلي والخارجي على ألمانيا لتعزيز آليات الرقابة والمساءلة على الأجهزة الأمنية، خاصة مع تزايد الاهتمام الأوروبي والدولي بملفات العنصرية والتطرف داخل مؤسسات الدولة. مستقبل هذه الأزمة سيتوقف على عدة عوامل:
- الإصلاح المؤسسي: تطبيق برامج تدريبية إلزامية لمكافحة التطرف والعنصرية، وربط الترقيات بمدى الالتزام بقيم الدستور وحقوق الإنسان.
- تعزيز الشفافية: نشر بيانات دورية حول التحقيقات والانتهاكات، مع توضيح نتائج القضايا للرأي العام.
- الاستجابة للضغط السياسي والمجتمعي: قد تؤدي فضائح مستقبلية أو احتجاجات واسعة إلى دفع الحكومة نحو إصلاحات أعمق، أو إنشاء هيئات رقابة مستقلة أكثر قوة.
- الفجوة بين الثقة والانتهاكات: إذا لم تُعالج الانتهاكات بشكل جدي، فقد تبدأ الثقة المرتفعة، خاصة بالشرطة، في التآكل على المدى المتوسط، خصوصًا في المناطق والشرائح التي تشعر بأنها مستهدفة أو غير محمية.
ـ ألمانيا أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على ثقة مواطنيها بأجهزتها الأمنية، وفي الوقت نفسه ضمان أن هذه الأجهزة لا تنزلق إلى ممارسات تتعارض مع النظام الديمقراطي وقيم الدولة التي يُفترض بها حمايتها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107323
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
Fast 200 Polizisten unter Extremismusverdacht
Rassismus bei deutscher Polizei: ein strukturelles Problem?
Rassismus in der Polizei
Grötsch: Verhältnis zwischen Polizei und Bürgern so eng wie kaum andernorts
