الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأمن القومي الأميركي، إستراتيجية 2025 وانعكاساتها على أمن أوروبا ـ قراءة استشرافية

us-national security strategy
ديسمبر 06, 2025

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

بون   جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي ECCI

أصدرت إدارة الرئيس ترامب يوم السادس من ديسمبر 2025 وثيقتها الجديدة حول استراتيجية الأمن، وهي وثيقة تمثّل تحولاً جذرياً في رؤية الولايات المتحدة للعالم، وتعكس بوضوح عودة شعار “أميركا أولاً” ليكون الإطار الناظم للسياسة الخارجية الأميركية. لا تقدم هذه الاستراتيجية مجرد إعادة ترتيب لأولويات واشنطن، بل تشكل إعلاناً صريحاً عن تحول جذري في طبيعة الدور الأميركي ذاته، وتحديداً تجاه الحلفاء التقليديين وفي مقدمتهم أوروبا. إذ يرى واضعو الوثيقة أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة لا يمكن فيها الاستمرار بتحمل أعباء “حماية العالم” أو الاستثمار في منظومات دفاعية خارجية لا تخدم ـ من وجهة نظر واشنطن ـ المصالح الأميركية المباشرة.

تتضمن الوثيقة المكونة من 33 صفحة، والتي تعكس رؤية ترامب المعروفة بـ “أميركا أولاً”، تلميحات إلى ما يُعرف بنظرية المؤامرة العنصرية “الاستبدال الكبير”، حيث تقول إن عدة دول قد تصبح “أغلبية غير أوروبية” وأن أوروبا تواجه “احتمالًا حقيقيا وواضحا للاندثار الحضاري”. وأضافت: “إذا استمرت الاتجاهات الحالية، ستكون القارة غير قابلة للتعرف عليها خلال 20 عامًا أو أقل”. لذلك، ترى الوثيقة أن السياسات الأميركية يجب أن تشمل “تنمية المقاومة ضد المسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية”، فضلاً عن تمكين أوروبا من “تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها”، و”فتح الأسواق الأوروبية أمام السلع والخدمات الأميركية”.

الانخراط الأميركي الدولي سيكون مرتكزاً على المكاسب الأميركية

تؤكد الوثيقة أن الانخراط الأميركي الدولي سيكون مشروطاً ومرتكزاً على المكاسب الأميركية المباشرة، وأن الولايات المتحدة تتجه إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية والأمنية بما يتيح التفرغ لمناطق تعتبرها ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها نصف الكرة الغربي وأميركا اللاتينية. وفي المقابل، تتراجع أهمية أوروبا التي كانت لعقود حجر الزاوية في حسابات الأمن القومي الأميركي، ليظهر الخطاب الجديد وكأنه يفكك الركائز التقليدية للتحالف الغربي. أحد أبرز ملامح هذه الاستراتيجية هو التحذير الصريح من اندثار حضاري في أوروبا”، وهو توصيف غير مسبوق في أدبيات الأمن القومي الأميركي. يعكس هذا التوصيف رؤية الإدارة الحالية التي تميل إلى الاعتقاد بأن السياسات الأوروبية ـ خاصة تلك المرتبطة بالهجرة والاندماج ـ تقود القارة نحو تغيرات جذرية تهدد نموذجها الحضاري والاجتماعي. الاتحاد الأوروبي وواشنطن ـ المصالح الإستراتيجية والتحديات

لا يتوقف الأمر عند التحذير، بل تتهم الوثيقة أوروبا بأنها قيّدت حرية التعبير، وأنها قامت بـ”قمع المعارضة السياسية” وتحديداً الأحزاب القومية واليمينية، وهي لهجة تتماهى ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ مع سرديات تيارات اليمين المتطرف داخل أوروبا نفسها. تذهب الوثيقة أبعد من ذلك لتعتبر أن “الهجرة الجماعية” باتت تهديداً عالمياً يجب أن يتوقف، وأن أوروبا ـ تحديداً ـ تمثل نموذجاً للفشل في إدارة التغيير الديمغرافي. وفي الوقت الذي تنتقد فيه الإدارة الأميركية سياسات الاتحاد الأوروبي، تعرب في المقابل عن تفاؤلها بـ”صعود الأحزاب الوطنية” في أوروبا، ما يعكس رغبة واشنطن في تعزيز القوى السياسية التي تتقاطع مع رؤيتها وتعارض سياسات بروكسل التقليدية.

تحول جيوسياسي

على المستوى الجيوسياسي، تكشف استراتيجية 2025 عن تحول واضح في توزيع الموارد العسكرية الأميركية . فبعد عقود من التركيز على أوروبا في سياق الردع ضد روسيا، تشير الوثيقة إلى نية الولايات المتحدة تقليص انخراطها العسكري المباشر في القارة الأوروبية، بل واعتبار أن على الأوروبيين أن يتحملوا مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم. لا يأتي هذا التحول معزولاً، بل هو امتداد لتوجه أوسع يرى أن القوة الأميركية يجب أن تستخدم في تعزيز الهيمنة في أميركا اللاتينية، المنطقة التي تعتبرها واشنطن “الحديقة الخلفية” والتي تسعى الصين وروسيا لتعزيز نفوذهما داخلها.

أما السؤال الجوهري الذي تطرحه الوثيقة : ماذا سيحدث للأمن الأوروبي إذا تراجعت الولايات المتحدة عن دور الضامن الرئيسي؟

فقاً لهذه المقاربة الجديدة، تبدو واضحة: على أوروبا أن تواجه مصيرها بنفسها. هذا التحول يضع القارة الأوروبية أمام واقع استراتيجي جديد.  فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، اعتمدت أوروبا اعتماداً شبه كامل على المظلة النووية الأميركية، وعلى القدرات العسكرية الأميركية غير المتاحة لدى الدول الأوروبية.  وفي السنوات الأخيرة، ورغم تعزيز الوجود العسكري الأميركي في شرق أوروبا، إلا أن استراتيجية 2025 توضح أن هذا الوجود لم يعد مضموناً بالقدر نفسه. بل إن الوثيقة، بشكل ضمني، تعيد تعريف الالتزامات الأميركية داخل الناتو، دون أن تعلن ذلك مباشرة، ولكن عبر الإشارة إلى تقليص القوات وإعادة الانتشار العالمي.

أوروبا تدخل مرحلة “ما بعد اليقين الأمني” :

ـ تراجع الضمانة الأميركية : بغياب الولايات المتحدة جزئياً أو كلياً عن المشهد الدفاعي الأوروبي، تصبح أوروبا مكشوفة أمام تهديدات متعددة، أبرزها روسيا التي كثفت حضورها العسكري والسياسي في السنوات الماضية. ومع أن الاستراتيجية لا تعلن تراجع الالتزام الأميركي تجاه الناتو، إلا أن النبرة العامة للوثيقة توحي بأن الولايات المتحدة لم تعد تُشرك أوروبا في حسابات أمنها القومي بالطريقة التي كانت قائمة لعقود.

ـ تصاعد النفوذ الروسي في الفراغ الناتج : يدرك الكرملين جيداً أن تراجع الدور الأميركي يفتح أمامه مساحة أوسع لإعادة تشكيل معادلة الأمن الأوروبي، سواء عبر النفوذ المباشر في الجوار الأوروبي الشرقي أو من خلال الأدوات السياسية والاقتصادية والطاقة والاختراقات السيبرانية. وفي الوقت الذي تعلن فيه واشنطن نيتها تقليص انخراطها، تجد موسكو فرصة لتعزيز خطابها القائم على أن “أوروبا ضعفت بسبب اعتمادها على الآخرين”، وهو خطاب يلقى صدى لدى بعض الأحزاب الأوروبية ذات التوجه القومي. أمن الاتحاد الأوروبي ـ سياسات وخطط مستقبلية (ملف)

ـ تشتت القرار الأوروبي الداخلي : تأتي الاستراتيجية الأميركية في لحظة يعاني فيها الاتحاد الأوروبي من انقسامات داخلية حادة: صعود اليمين المتطرف، أزمات اقتصادية، خلافات حول الهجرة، وتراجع الثقة في مؤسسات الاتحاد. ما يعني أن أوروبا في وضع سياسي هش لا يساعدها على بناء منظومة دفاع مستقلة في وقت قصير. ومع أن فرنسا وألمانيا تدعوان منذ سنوات إلى بناء “قدرات دفاعية أوروبية”، إلا أن الانقسامات المتزايدة تعرقل أي تقدم فعلي في هذا الاتجاه.

ـ إعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي: إن استراتيجية ترامب تعيد تعريف العلاقة عبر الأطلسي بحيث تتحول من شراكة استراتيجية إلى علاقة قائمة على المصلحة المتبادلة ومبدأ “المنفعة مقابل المنفعة”. ولم يعد بإمكان الأوروبيين افتراض أن الولايات المتحدة ستتدخل تلقائياً في حال تعرضت أوروبا إلى تهديدات أمنية أو عسكرية.

الأثر الأخطر لهذه الاستراتيجية يتمثل في أنها تزعزع الفلسفة التأسيسية للناتو. فإذا كانت واشنطن ترى أن أوروبا لم تعد أولوية، فإن المادة الخامسة من ميثاق الحلف (الدفاع المشترك) تصبح عملياً موضع تساؤل، حتى إن لم يتم التصريح بذلك. وقد ظهرت هذه المخاوف في ردود أفعال عدد من المسؤولين الأوروبيين، بينهم وزير الخارجية الألماني الذي اعتبر أن أوروبا “لا تحتاج إلى نصائح خارجية” بشأن مستقبلها، وهي عبارة تخفي قلقاً عميقاً من المنعطف الاستراتيجي الجديد.الامن القومي ـ ما هي التحديات التي تواجه الأمن والدفاع في أوروبا؟

تضع الاستراتيجية الأوروبية أمام اختبار تاريخي: إما بناء منظومة دفاع مستقلة تعكس مصالح أوروبا أولاً، أو الاستمرار في التعويل على واشنطن رغم تغيّر أولوياتها. في كلا الحالتين، فإن السنوات المقبلة ستكون مرحلة انتقالية حرجة، عنوانها الأساسي: إعادة تشكيل الأمن الأوروبي تحت ضغط التحولات الأميركية وتصاعد الدور الروسي. إن استراتيجية الأمن القومي الأميركية 2025 ليست مجرد وثيقة، بل هي إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من التاريخ الاستراتيجي للعلاقات عبر الأطلسي، وبداية مرحلة جديدة تتطلب من أوروبا إعادة تعريف نفسها، أمنياً وسياسياً واستراتيجياً، قبل أن تفقد القدرة على حماية نموذجها الحضاري ذاته.

مهام أجهزة الاستخبارات الأميركية داخل استراتيجية ترامب و”تغيير الأنظمة” ؟

من النقاط اللافتة في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 أنها لم تتضمن حتى الآن تفاصيل واضحة أو جديدة حول مهام أجهزة الاستخبارات الأميركية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) أو مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI) . هذا التحول في القيادة والأولويات يعني عمليا أن مجتمع الاستخبارات قد يعيد ترتيب أولوياته، مع تقليص التدخلات الخارجية، وربما التركيز بشكل أكبر على مراقبة الهجرة، أمن الحدود، شبكات التهريب، وتأثير القوى الأجنبية داخل الولايات المتحدة. ورغم أن هذا التغيير لم يعلن رسميا على أنه “مهمة جديدة”، إلا أنه يعكس تحولًا عمليا في طبيعة عمل الاستخبارات الأميركية.

إن الوثيقة لم تقدم دليلاً على مهام استخباراتية جديدة، لكنها في الوقت نفسه أطلقت إشارة واضحة إلى تغييرات في الأولويات. فعلى الرغم من عدم الإعلان الرسمي، فإن إعادة ترتيب إدارة الاستخبارات، أولويات الأمن القومي، والسياسة الخارجية العامة، قد تؤدي عمليًا إلى إعادة توجيه طبيعة عمل الاستخبارات، من التركيز على تدخلات متعددة في الخارج إلى التركيز على الأمن الداخلي، الهجرة، الجريمة العابرة للحدود، وتأثير القوى الأجنبية في الولايات المتحدة.

رابط الوثيقة على موقع البيت الأبيض:

https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf?utm_source=chatgpt.com , 2025-National-Security-Strategy.pdf

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

رابط نشر مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112411

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...