المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي الألماني ـ هل يصبح الفضاء ساحة الردع الرئيسية؟
ألمانيا تعيد تسليح قواتها، وليس على الأرض فحسب، فقد خصص وزير الدفاع بوريس بيستوريوس حوالي 35 مليار يورو العام 2025 لتحديثات عسكرية فضائية. ويشرح المفتش العام الدكتور توماس داوم لماذا يعد الفضاء ساحة معركة جديدة. مع تغير مشهد التهديدات، لم يعد ينظر إلى الفضاء على أنه مجال بحثي واقتصادي فحسب، بل أصبح ينظر إليه بشكل متزايد على أنه عنصر أساسي في الأمن القومي الألماني والردع العسكري. بحسب نائب الأدميرال الدكتور توماس داوم، مفتش الفضاء السيبراني والمعلوماتي في القوات المسلحة الألمانية، فقد أصبح الفضاء ساحة معركة بحد ذاته. وتشغل القوات المسلحة الألمانية ما بين ثمانية إلى عشرة أقمار صناعية في الفضاء، تستخدم في المقام الأول لأغراض الاستطلاع (مثل SAR-Lupe وSARah) والاتصالات. إلا أن هذا الأسطول من الأقمار الصناعية يعتبر قديما.
أوضح داوم خلال مؤتمر ميونخ للأمن، أن الأقمار الصناعية “ذات أهمية بالغة لوظائف أنظمتنا على الأرض”، وبالتالي فإن استخدامها يتجاوز بكثير التطبيقات العسكرية. وأضاف داوم: “إذا تعطلت الأقمار الصناعية، فلن تتمكن من سحب أموالك من البنك”. هناك خطر من أن “تتعرض أنظمتنا في الفضاء للهجوم”. وبالتالي فإن “يوما بلا فضاء”، أي عطل في أحد الأقمار الصناعية، سيكون “كارثة بكل معنى الكلمة”، وفقا للمفتش. من شأن هذا الهجوم أن يعطل الأقمار الصناعية على وجه التحديد، مع عواقب فورية على الأرض، حيث سيتم تقييد أداء البنى التحتية الرئيسية بشكل كبير.
الردع حتى في الفضاء
تعتزم الحكومة الألمانية الرد على مثل هذا السيناريو، كما هو الحال في المجالات العسكرية الأخرى، بالدرجة الأولى عن طريق الردع. في سبتمبر من العام 2025، كان وزير الدفاع بوريس بيستوريوس قد وعد بالفعل بتقديم حوالي 35 مليار يورو بحلول عام 2030، بما في ذلك الأموال المخصصة لنظام الاستطلاع الفضائي “SPOCK”، والذي أصبح متاحا للجيش الألماني منذ بداية العام 2026. يعتمد النظام الذي طورته شركة Iceye الفنلندية، والتي تتعاون مع شركة الدفاع الألمانية Rheinmetall، على كوكبة من أقمار الرادار الصناعية (SAR) التي توفر باستمرار صورا لسطح الأرض وتمكن القوات المسلحة الألمانية من مراقبة وتقييم التحركات والتغيرات على الأرض في أي طقس وفي أي وقت من اليوم.
بحسب داوم، فإن الردع في الفضاء يعمل بشكل أساسي من خلال المعاملة بالمثل: فمن يشير إلى امتلاكه القدرات المقابلة يظهر أنه قادر على إضعاف أنظمة العدو. يشمل ذلك الوسائل التي يمكن من خلالها منع الخصم من استخدام أنظمته الفضائية بفعالية. فبدلا من الهجوم المباشر على الأقمار الصناعية باستخدام القوة المادية، مثل إطلاق النار، غالبا ما تستخدم تدابير غير حركية. يمكن استهداف الأقمار الصناعية من الأرض عن طريق تعطيلها عمدا، شريطة أن تكون مزودة بمستشعرات بصرية. وتستخدم أقمار الاستطلاع والتجسس العسكرية، على وجه الخصوص، مستشعرات بصرية، كاميرات أو تلسكوبات عالية الدقة، لالتقاط صور للأرض. ويؤدي تعطيل هذه المستشعرات إلى تعطيل الأنظمة، مما يمنعها مؤقتا من رصد أو تسجيل أي شيء.
بحسب داوم، ثمة احتمال آخر يتمثل في إرسال إشارات تشويش، على سبيل المثال ضد أقمار الاتصالات الصناعية. فمن خلال التشويش أو الإبهار، يمكن تعطيل أنظمة العدو دون تدميرها فعليا. “وهذا يؤثر بطبيعة الحال على الأرض، فإذا لم يتمكن قمر الاستطلاع الصناعي من رصد تغير مواقع القوات، فإن ذلك يمنح صاحبه ميزة تكتيكية.”.
الاستدامة في الفضاء
إن تصميم هذه القدرات عمدا لتحقيق تأثيرات غير مدمرة له كذلك دوافع سياسية: ففي عام 2023، انضمت ألمانيا إلى “اتفاقيات أرتميس” التي أطلقتها الولايات المتحدة، والتزمت بذلك بعدم إحداث حطام فضائي. لذا، لا يمكن إسقاط قمر صناعي معاد ببساطة، بل ينصب التركيز على تدخلات قابلة للعكس تحد من استخدامه دون ترك أي حطام في الفضاء. لا يزال الخط السياسي الحالي قائما، ولكن وفقا لداوم، هناك أصوات سياسية تشكك في ما يسمى بقاعدة “صفر حطام”. وأوضح: “حتى لو كانت لدينا القدرة على تدمير نظام ما، فهذا لا يعني أننا نريد ذلك”. وفقا له، فإن ذلك يرسل إشارة إلى الخصم مفادها أن “لدينا نفس قدراته”، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى استراتيجية الردع القائمة على “الردع بالعقاب”. وقال المفتش: “يمكن أن يكون لهذا بالتأكيد تأثير رادع، ولكنه يتطلب في الأساس تكييف استراتيجية أمن الفضاء، وبالتالي فهو قرار سياسي”.
شبكة من آلاف الأقمار الصناعية
إلى جانب الاستطلاع، تعتبر هياكل الاتصالات الموثوقة ذات أهمية مركزية للقوات، سواء في أوقات الأزمات أو في أوقات السلم. تعتمد القوات المسلحة الألمانية على الأقمار الصناعية في اتصالاتها. وللاتصالات بعيدة المدى، تستخدم في المقام الأول أنظمة الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة للأرض، سواء كانت مملوكة لها أو مستأجرة. فعلى سبيل المثال، عندما تنتشر سفينة حربية من أوروبا إلى أفريقيا، تمر الاتصالات عبر هذه البنية التحتية، كما أوضح داوم. يعتبر مشروع “ساتكومب المرحلة الرابعة” أكبر عقد منفرد متعلق بالفضاء في تاريخ القوات المسلحة الألمانية. ويهدف إلى ربط الدبابات والسفن والطائرات والجنود في جميع أنحاء العالم عبر الاتصالات الفضائية، وعلى وجه الخصوص، تأمين العمليات على الجناح الشرقي لحلف الناتو، بما في ذلك اللواء الألماني في ليتوانيا.
يعد نظام “ساتكومبوا المستوى 4” نظام اتصالات فضائية تقليديا، وليس كوكبة من آلاف الأقمار الصناعية الصغيرة، كما هو الحال في نظام ستارلينك على سبيل المثال. فبدلا من الاعتماد على عدد قليل من الأقمار الصناعية الكبيرة، يعتمد ستارلينك على كوكبات من وحدات صغيرة عديدة مترابطة فيما بينها. يستطيع كل قمر صناعي التواصل مع الأقمار الأخرى، مما يتيح نقاط وصول أكثر بكثير ويوسع نطاق إمكانيات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية. كما تبرز الحرب في أوكرانيا الأهمية الاستراتيجية لهذه الأنظمة.
اعتمدت كل من روسيا وأوكرانيا، إلى حد ما، على شبكة الأقمار الصناعية التي توفرها شركة سبيس إكس في السنوات الأخيرة، لا سيما لتشغيل الطائرات المسيرة والتحكم بها. رسميا، لم يكن استخدام هذا النظام مسموحا به في روسيا. ومع ذلك، بدءا من عام 2023، ظهرت أولى محطات ستارلينك على أجهزة روسية، يقال إنها دخلت البلاد عبر دول في آسيا الوسطى. منعت الشركة الأمريكية القوات الروسية خلال فبراير 2026من الوصول إلى محطات ستارلينك التابعة لها. وذكرت مصادر أوكرانية أن الحصار الحالي قد “أعاق بشكل كبير” العمليات الروسية. وتنفي موسكو ذلك، مؤكدة عدم وجود أي تأثير على عمليات الطائرات المسيرة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115336
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
