المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي الألماني ـ ما سيناريوهات الاستعداد لهجوم روسي محتمل؟
يرى قائد قيادة الدعم الألمانية أن الهجوم الروسي يمثل تهديدًا حقيقيًا، وقد علّق الفريق جيرالد فونكه على السيناريوهات المحتملة. ففي حال شنّت روسيا هجومًا على دول حلف الناتو، ستلعب ألمانيا دورًا حاسمًا. ويعتقد الفريق الألماني جيرالد فونكه أن هذا السيناريو وارد الحدوث خلال عامين أو ثلاثة أعوام. أكد قائد قيادة الدعم في الجيش الألماني إنه قلق بشأن الهجمات الهجينة التي تشنها موسكو، كالتخريب والخلايا النائمة، وحتى الضربات الصاروخية بعيدة المدى. وأضاف: “إن التهديد الهجين بالغ الخطورة”. تتمثل مهمة فونكه في إدارة الخدمات اللوجستية خلف خطوط المواجهة، بدءًا من إجلاء الجنود الجرحى، وصولًا إلى إعادة إمداد القوات بالمواد، بما في ذلك الإمدادات القادمة من الشركات الخاصة.
تلعب ألمانيا دورًا محوريًا في هذا الصدد، إذ تقع في قلب أوروبا، وتُعدّ مركزًا رئيسيًا لعبور الجنود والإمدادات. ويتعين على فونكه وقيادة الدعم الحفاظ على هذه البنية التحتية حتى في حالة الحرب، على الرغم من الخسائر البشرية الفادحة، وانقطاع التيار الكهربائي، وتضرر خطوط السكك الحديدية. وفي حال شنّ بوتين حربًا ضد حلف الناتو، ستحتل قوات فونكه موقعًا محوريًا. وأكد: “من المهم بالنسبة لنا الحفاظ على ألمانيا كمركز لوجستي، وضمان استمرار الإمدادات بسلاسة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعني أنه في حال تعطل أحد المسارات، لدينا خيار التحول إلى مسارات أخرى”.
الاعتماد على المدنيين
يتعين على فونكه ضمان حصول الجنود الجرحى على العلاج. وصرّح قائلًا: “خلال فترة وجودي في أفغانستان، كان لديّ عدد كبير من الجرحى، وإن كان عددًا يمكن السيطرة عليه. أما الآن، فعليّ أن أتعامل مع احتمال إصابة آلاف الجنود يوميًا. كلما تعمقت في الأمر، ازداد تعقيدًا، وصار من الصعب تصوره”. لن تتمكن القوات المسلحة الألمانية وحلفاؤها من إدارة هذا الأمر بمفردهم. تابع فونكه: “يجب التأكيد بوضوح تام على أنه، من دون دعم السكان المدنيين في إطار مفهوم دفاعي شامل، لن نتمكن من الدفاع عن أنفسنا”.
من المفترض أن تقدم شركة السكك الحديدية الألمانية المساعدة. ووصف الجنرال ذو الثلاث نجوم، مستخدمًا مثالًا، التحديات التي تواجه القوات المسلحة الألمانية في حال نشوب صراع خطير على الجناح الشرقي لحلف الناتو. ففي حال انتشار القوات البريطانية عبر ألمانيا، ستصل عبر ميناء مثل إمدن أو بريمرهافن، ومن ثم تُنقل برًا. وفي طريقها، ستحتاج المركبات إلى التزود بالوقود، وسيحتاج الجنود إلى الراحة والطعام، والرعاية الطبية عند الضرورة. ولذلك، تبرز الحاجة إلى منظمات مدنية. وصرّح فونكه: “نعمل على إبرام عقود”. وتشمل هذه العقود شركة السكك الحديدية الألمانية (دويتشه بان). وقبل سقوط جدار برلين، كانت دويتشه بان ملزمة بتوفير قطارات شحن في غضون ثلاثة أيام. وأضاف فونكه: “نحتاج إلى العودة إلى ذلك، ونحن نعمل على هذا الهدف”.
سيتعين على المستشفيات تقديم المساعدة. وتمتلك القوات المسلحة الألمانية 1800 سرير في مرافقها، وقد تمتلئ هذه الأسرة بسرعة. وعندها سيتعين على مؤسسات عامة وخاصة أخرى، وحتى العيادات الطبية، التدخل. بدأت الخدمات الطبية للقوات المسلحة الألمانية في إعادة النظر في نهجها. فبدلًا من تقديم الرعاية لعدد محدود من الجنود خلال عمليات الانتشار في الخارج، أصبح التركيز على العمليات واسعة النطاق داخل ألمانيا. وصرّح الجراح العام للقوات المسلحة الألمانية، رالف هوفمان، في نوفمبر 2025، قائلًا: “نعتزم تنظيم قطارات لنقل الجرحى في غضون ثلاث سنوات”. في أوكرانيا، من الواضح أن القطارات وسيلة نقل حيوية لأعداد كبيرة من المرضى. ووفقًا لهوفمان، فإن القطارات المُعاد تأهيلها لا تُستخدم فقط في زمن الحرب، بل كذلك في حالات الكوارث المحلية الأخرى. ولهذا السبب، يجري تحديث المعدات، على سبيل المثال عبر إضافة مركبات نقل مدرعة مناسبة للاستخدام في الخطوط الأمامية.
تدريبات في بافاريا وبرلين
لكن فونكه لا يريد الانتظار حتى اندلاع الحرب. إذ تجري بالفعل تدريبات على الهجمات الهجينة، مثل مناورة “مارشال باور” في ميونيخ خلال أكتوبر 2025، والتي شارك فيها 500 من أفراد الشرطة العسكرية. وكان الهدف تعزيز قدرات شرطة الجيش الألماني في الدفاع الوطني والتحالفي، ولا سيما تعميق التعاون مع الشركاء المدنيين في خدمات الطوارئ. وفي الفترة من 17 إلى 21 نوفمبر2025، تدربت كتيبة الحرس التابعة لوزارة الدفاع على القتال في المناطق الحضرية والقتال من منزل إلى منزل، إضافة إلى حماية البنية التحتية الدفاعية الحيوية، وذلك خلال مناورة “بولفيرك برلين 3”. وقد جرت أجزاء من المناورة في أماكن عامة، حتى داخل مترو الأنفاق. أصبحت الاضطرابات الناجمة عن الهجمات الهجينة الروسية خلال هذه التدريبات جزءًا من “الواقع اليومي”. d,qp فونكه: “لنأخذ سيناريو محاكاة في ميناء. قد يكون هجومًا بطائرة مُسيّرة، ولكن قد أقول أيضًا: انظروا، لقد تم تعطيل خط السكة الحديد بسبب عمل تخريبي. هذه هي أنواع الأشياء التي يمكن التدرب عليها”.
النتائج
تعكس الهجمات الهجينة إدراكًا متزايدًا داخل أوروبا بأن أي صراع محتمل مع روسيا لن يكون حربًا تقليدية فحسب، بل مواجهة شاملة تستهدف العمق اللوجستي والمجتمعي للدول. فتركيز ألمانيا على حماية البنية التحتية، وتأمين الإمدادات، وإشراك القطاع المدني، يشير إلى تحول في العقيدة الدفاعية من الرد العسكري المباشر إلى الصمود الشامل طويل الأمد.
من المرجح أن تتوسع التدريبات لتشمل سيناريوهات أكثر تعقيدًا، تجمع بين الهجمات السيبرانية، والتخريب الفيزيائي، وتعطيل النقل والطاقة، بما يجعل الجبهة الداخلية جزءًا لا يتجزأ من ساحة المواجهة. كما قد يدفع هذا التوجه الحكومات الأوروبية إلى إعادة صياغة علاقتها بالقطاع الخاص، وتحويل شركات النقل والطاقة والرعاية الصحية إلى عناصر فاعلة في منظومة الدفاع الوطني.
من المتوقع أن تصبح ألمانيا النموذج اللوجستي الرئيسي لحلف الناتو في أوروبا، ما يزيد من ثقلها السياسي والعسكري، لكنه في الوقت نفسه يجعلها هدفًا مركزيًا للهجمات الهجينة. وسيظل نجاح هذا النموذج مرهونًا بقدرة برلين على إقناع المجتمع الألماني بضرورة تحمّل أعباء الدفاع، في ظل تصاعد التهديدات وتقلص هامش الطمأنينة الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114403
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
