الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأمن القومي الألماني ـ كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح السياسة الدفاعية؟

فبراير 01, 2026

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الأمن القومي الألماني ـ كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح السياسة الدفاعية؟

تنفق ألمانيا على الأسلحة والمعدات العسكرية أكثر من أي وقت مضى. وللمرة الأولى، يشمل ذلك الطائرات المسيّرة القتالية. يشهد الجيش الألماني طفرة كبيرة في الإنفاق؛ إذ تتوافر لديه هذا العام أكثر من 108 مليارات يورو (نحو 129 مليار دولار)، وهو مبلغ ضخم وغير مسبوق. ويجري تمويل هذا الإنفاق من الميزانية الاتحادية الرسمية، إضافةً إلى صناديق خاصة تعتمد على الاقتراض الحكومي. يهدف هذا التمويل إلى جعل البوندسفير، الذي خضع لعقود من تقليص الإنفاق، أكثر قوة وحداثة. كما أن عامل الوقت يشكل ضغطًا إضافيًا، إذ يحذّر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من أن روسيا قد تصبح قادرة على مهاجمة أراضي حلف الناتو في وقت مبكر من عام 2029. فما الذي يشتريه البوندسفير بهذه المليارات؟ وإلى أي مدى ينجح مسار إعادة التسلح السريع؟.

أول طائرات مسيّرة قتالية في تاريخ البوندسفير

لطالما تجنّب البوندسفير استخدام الطائرات المسيّرة القتالية، في ظل إجماع سياسي ألماني عام رافض لها. غير أن حرب أوكرانيا، حيث لعبت الطائرات المسيّرة دورًا محوريًا، أدت إلى إعادة تقييم هذا الموقف. وللمرة الأولى في تاريخه، يطلب البوندسفير خلال العام 2026 عدة آلاف من الطائرات المسيّرة القتالية. تقود شركات تكنولوجية حديثة المنافسة بين المورّدين؛ إذ من المتوقع أن تحصل شركة ستارك ديفنس الناشئة في برلين، وشركة هيلسنغ ومقرها ميونيخ، على طلبيات تصل قيمتها إلى 300 مليون يورو لكل منهما. في المقابل، لم تُقنع النماذج الأولية التي قدّمتها شركة راينميتال، الأكثر رسوخًا، مختبري البوندسفير.

تُعرف هذه الطائرات على نطاق أوسع باسم الطائرات الانتحارية أو طائرات الكاميكاز، لأنها تنقض على أهدافها وتنفجر ذاتيًا. ومن المقرر أن تتسلّمها، من بين وحدات أخرى، اللواء الألماني المنتشر في ليتوانيا لحماية الجناح الشرقي لحلف الناتو. في المقابل، لا يزال البوندسفير متأخرًا في مجال الدفاع ضد الطائرات المسيّرة. ومن المقرر سد هذه الفجوات عبر مزيج من أنظمة الدفاع، يتراوح بين أجهزة التشويش، أي مرسلات الإعاقة الإلكترونية، ودبابة الدفاع الجوي “سكاي رينجر 30″، القادرة على التصدي لأسراب المسيّرات. يحظى نظام سكاي رينجر، الذي تنتجه راينميتال، باهتمام خاص، لا سيما مع تزايد تحليق طائرات مسيّرة مشبوهة فوق ألمانيا، بما في ذلك فوق منشآت عسكرية. غير أن تسليمه لن يتم قبل عام 2028. وسيكون هذا النظام السلاح الرئيسي لقوة الدفاع الجوي البرية، التي يجري إعادة تنظيمها، بعدما تم حلّها عام 2012 لعدم اعتبارها ضرورية في ذلك الوقت.

كما يخطط سلاح البحرية الألماني لشراء أسلحة ليزرية حديثة للدفاع ضد المسيّرات. وقد خضع أحد هذه الأنظمة، الذي طورته راينميتال بالتعاون مع شركة إم بي دي إيه، لاختبارات بالفعل، وأُدرج ضمن قائمة مشتريات البوندسفير.

مروحيات ومقاتلات وطائرات دورية بحرية

رغم أن البوندسفير يشتري معظم معداته الجديدة من شركات دفاع ألمانية وأوروبية، فإن بعض الصفقات الكبرى تذهب إلى شركات أمريكية. ومن أبرز الأمثلة مقاتلة الشبح F-35A، التي تُعد من أكثر الطائرات المقاتلة تقدمًا في العالم. وقد طلبت الحكومة الألمانية 35 طائرة من هذا الطراز من شركة لوكهيد مارتن، بتكلفة إجمالية تقل قليلًا عن 10 مليارات يورو، تشمل الأسلحة وقطع الغيار. يعود هذا الاختيار جزئيًا إلى قدرة طائرات F-35 على حمل قنابل نووية أمريكية في حالات الطوارئ، وهو الدور الذي كانت تؤديه سابقًا مقاتلات تورنادو، المقرر إخراجها من الخدمة بسبب تقادمها. وبذلك، تصبح طائرات F-35 الألمانية جزءًا من المظلة النووية لحلف الناتو في أوروبا. كذلك، يشتري البوندسفير 60 مروحية نقل ثقيل من طراز CH-47 شينوك من شركة بوينغ الأمريكية، بتكلفة تقارب 7.3 مليارات يورو. ووفقًا لسلاح الجو الألماني، لا يوجد في أوروبا منتج منافس يوفر القدرات نفسها.

وتنتج بوينغ طائرة الدورية البحرية P-8A بوسايدون، القادرة على مراقبة مساحات شاسعة من البحار وكشف الغواصات بفضل تقنيات استشعار متقدمة. وقد تسلمت البحرية الألمانية أولى هذه الطائرات في العام 2025. ووفقًا لوزير الدفاع بيستوريوس، قد تمثل هذه الطائرات مساهمة ألمانيا في تعزيز مراقبة المياه المحيطة بغرينلاند ضمن مهمة لحلف الناتو.

مشروع أورانوس للذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة

أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا لا غنى عنه في أنظمة التسليح الحديثة. وتبرز أهميته المتزايدة من خلال مشروع “أورانوس كي آي”، الذي يهدف إلى دعم اللواء الألماني في ليتوانيا. فعلى الجناح الشرقي للناتو، تتطلب مساحات واسعة مراقبة دقيقة، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات هائلة من البيانات التي تجمعها مختلف أجهزة الاستشعار، ما قد يسهل، على سبيل المثال، رصد الطائرات المسيّرة المعادية. وتحتفظ وزارة الدفاع بتفاصيل المشروع بسرية لأسباب واضحة.

الفرقاطة F126: من مشروع طموح إلى أزمة كبرى

تُظهر قضية الفرقاطة F126 أن المشاريع الكبرى المكلفة لا تسير دائمًا بسلاسة. فبعدما قوبل تصميم أكبر سفينة قتالية في البحرية بحماس كبير، سرعان ما خيّبت مرحلة البناء الآمال؛ إذ فشل المتعاقد الرئيسي، حوض بناء السفن الهولندي دامِن نافال، في إنجاز المشروع. وتشير تقارير إلى إنفاق نحو 1.8 مليار يورو من دون ظهور أي سفينة، ما أثار مخاوف في صفوف المعارضة من تحوّل المشروع إلى “فيل أبيض بمليارات اليوروهات”. من المقرر أن تتولى شركة السفن البحرية الألمانية لورسن (NVL) العقد لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وبسبب الحاجة الملحّة لدى البحرية إلى فرقاطات جديدة للوفاء بالتزاماتها داخل الناتو، يجري التخطيط لحل مؤقت يتمثل في شراء فرقاطات إضافية من طراز MEKO A-200 من شركة TKMS، أكبر شركة بناء سفن حربية في ألمانيا. وبما أن هذا الطراز بُني سابقًا للتصدير، فإن التصاميم جاهزة، إلا أن هذا الحل المؤقت سيترتب عليه بطبيعة الحال تكاليف إضافية، إذ وافق البوندستاغ العام 2025 على تخصيص 7.8 مليارات يورو إضافية.

زي عسكري جديد

في نهاية العام 2025، وافق البوندستاغ على تخصيص مبلغ كبير لشراء زيّ عسكري ومعدات شخصية جديدة لنحو 460 ألف جندي. وقد شكك منتقدون في مدى معقولية هذا الرقم، خاصة أن عدد الجنود العاملين حاليًا لا يتجاوز 184 ألفًا. غير أن المخطط يقضي بزيادة قوام القوات إلى 460 ألف فرد، بما في ذلك قوات الاحتياط. وقد يستغرق ذلك سنوات، لكن عندها ستكون هناك ملابس قتالية كافية للجميع. ويعلّق بيستوريوس على ذلك قائلًا: “عندما يبدأ الجنود الجدد خدمتهم، لا يمكننا ببساطة إلباسهم بدلات رياضية كحل مؤقت”.

النتائج

تعكس طفرة الإنفاق العسكري في ألمانيا تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا في العقيدة الأمنية الألمانية، وانتقالًا واضحًا من مرحلة ضبط النفس العسكري إلى منطق الاستعداد للصراع طويل الأمد داخل الفضاء الأوروبي. فحجم المخصصات المالية، وتنوع أنظمة التسليح، وتسارع وتيرة التعاقدات، تشير إلى أن برلين لم تعد تنظر إلى التهديدات بوصفها افتراضية، بل باعتبارها سيناريوهات محتملة يجب الاستعداد لها زمنيًا وعملياتيًا.

من المتوقع أن يؤدي إدخال الطائرات المسيّرة القتالية والذكاء الاصطناعي إلى تغيير جوهري في أسلوب عمل البوندسفير، لا سيما على الجناح الشرقي لحلف الناتو. فالتركيز على الدفاع ضد أسراب المسيّرات يعكس دروس الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت الكلفة المنخفضة والانتشار الكثيف عاملين حاسمين. ومن المرجّح أن تتحول ألمانيا إلى مختبر أوروبي لتكامل الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية خلال السنوات المقبلة.

يكشف الاعتماد الكبير على المنظومات الأمريكية، مثل مقاتلات F-35 والمروحيات شينوك، عن معضلة استراتيجية مزدوجة. فمن جهة، يعزز ذلك الارتباط بالولايات المتحدة والمظلة النووية للناتو، ومن جهة أخرى، يحدّ من طموحات الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، ويجعل القدرات الألمانية مرهونة باستمرارية الشراكة السياسية عبر الأطلسي. وفي ظل تقلبات السياسة الأمريكية، قد يدفع هذا الواقع برلين لاحقًا إلى موازنة أوضح بين الموردين الأمريكيين والأوروبيين.

يمكن القول أن زيادة الميزانيات لا تعني بالضرورة سرعة الإنجاز أو الكفاءة الصناعية. وإذا لم تُعالَج اختناقات سلاسل التوريد ونقص الكفاءات الصناعية، فقد تتحول بعض المشاريع إلى أعباء مالية طويلة الأمد. كما تتجه ألمانيا نحو إعادة تموضع عسكري شامل، يجعلها ركيزة أساسية في منظومة الردع الأوروبية. غير أن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرتها على المواءمة بين السرعة والجودة، وبين الاعتماد الأطلسي وبناء قاعدة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا واستدامة.

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=114364

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...