المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن القومي الألماني ـ كيفية تعزيز استراتيجية الأمن السيبراني؟
تشهد ألمانيا تحولا متسارعًا في استراتيجيتها لمواجهة التهديدات السيبرانية، في ظل تصاعد غير مسبوق للهجمات الإلكترونية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ومع تزايد استهداف البنية التحتية الحيوية والشركات والمؤسسات الحكومية، تتجه برلين إلى تبني مفهوم “الدفاع الإلكتروني النشط”. هذا التوجه يعكس إدراكًا أوروبيًا متناميًا بأن الفضاء الرقمي أصبح ساحة صراع مرتبطة بالأمن القومي والتوازنات الجيوسياسية، خاصة مع تصاعد الاتهامات بضلوع جهات خارجية في تنفيذ هجمات سيبرانية واسعة النطاق.
أهداف البرنامج وهيكل الحوكمة
يقوم برنامج CyberGovSecure على توحيد وتنسيق كافة الجهود والأنشطة المتعلقة بأمن المعلومات داخل المؤسسات الحكومية الاتحادية. ويهدف البرنامج إلى رفع مستوى المرونة الرقمية للقطاع الحكومي وتأطير الاستجابة للهجمات الإلكترونية بأسلوب شفاف، كفء، وقابل للقياس. ويخضع هذا البرنامج للإشراف التشغيلي المباشر لمنسق أو مسؤول الأمن السيبراني الفيدرالي (CISO Bund)، الذي يتولى مهمة وضع هياكل حوكمة واضحة تُسهّل على الوكالات الفيدرالية الوفاء بالتزاماتها الأمنية وتطبيق المعايير المطلوبة بفعالية عالية.
التشريعات والدور الجديد لرئاسة (BSI)
ترتبط انطلاقة هذا البرنامج بدخول قانون تنفيذ نظام أمن المعلومات الوطني (NIS2) حيز التنفيذ، والذي ترتب عليه تكليف رئيسة المكتب الاتحادي لأمن المعلومات، كلوديا بلاتنر، بمهام مسؤول أمن المعلومات في الحكومة الاتحادية (CISO Bund). وبناءً على هذه المسؤولية الجديدة، بدأ المكتب، بالتعاون مع مختلف الوزارات المعنية، التمهيد لبرنامج CyberGovSecure وتدشينه مبدئيًا في مايو من العام 2026. ويأتي قرار مجلس الوزراء الاتحادي الأخير ليمثل الدعم السياسي والتنظيمي الأساسي الذي يمنح هذا التعاون عمقًا أكبر ومظلةً رسميةً تضمن تنفيذ الإجراءات بشكل موحد وهادف بين كافة أجهزة الدولة.
أهمية التكاتف الفيدرالي
أكدت رئيسة المكتب الاتحادي لأمن المعلومات والمسؤولة الفيدرالية عن أمن المعلومات، كلوديا بلاتنر، خلال كلمتها في إطلاق مؤتمر CyberGovSecure ببرلين، أن القرار الوزاري يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار الحماية الرقمية للإدارة الاتحادية. وأوضحت أن البرنامج يوفر أدوات ومساعدات ملموسة لكافة الوزارات والهيئات تتيح لها تطبيق إجراءات الوقاية والحماية بشكل مشترك ومنسق، بما يسهم في تحقيق مستوى عالٍ ومستدام من الأمن السيبراني في أقصر وقت ممكن.
الأولويات الاستراتيجية والمحاور الرئيسية لعام 2026
لضمان تحقيق نتائج سريعة وملموسة مع بداية تفعيل البرنامج، حدد CyberGovSecure أربعة مجالات رئيسية تحظى بالأولوية خلال عام 2026، وهي:
النسخ الاحتياطي الآمن: ضمان استعادة البيانات والأنظمة الحيوية بكفاءة في حالات الطوارئ أو الهجمات البرمجية.
التكوين الآمن وتحصين الأنظمة: رفع مستويات الحماية الافتراضية للأنظمة الرقمية والشبكات لتقليل مساحات الاستهداف.
إدارة الثغرات الأمنية: الاكتشاف المبكر لنقاط الضعف البرمجية ومعالجتها بشكل دوري قبل استغلالها.
التسجيل والكشف: مراقبة الأنشطة الرقمية وتسجيل الأحداث السيبرانية لضمان الاكتشاف المبكر لأي تحركات مشبوهة أو اختراقات.
الاستدامة وآلية المتابعة المستقبلية
أشار البيان إلى أن تحديد أولويات العمل للسنوات اللاحقة لعام 2026 سيتم وفق منهجية ديناميكية تعتمد على تقييم الاحتياجات الفعلية بالتعاون مع مسؤولي أمن المعلومات في مختلف الإدارات والوزارات. وتهدف هذه الاستراتيجية التدريجية إلى مراعاة التباين في البنية التحتية والجاهزية الرقمية بين المؤسسات المختلفة، مع تعزيز التعاون بين الإدارات. كما يُسهم اعتماد نظام إبلاغ وتصريح شفاف في متابعة التقدم المحرز بشكل مستمر، بما يضمن مرونة الدولة واستمرارية خدماتها الرقمية بكفاءة وأمان.
يشهد الأمن السيبراني تحولًا متسارعًا ليصبح أحد الركائز الأساسية لحماية مؤسسات الدولة واستمرارية خدماتها الرقمية. وفي هذا السياق، تسعى ألمانيا إلى تعزيز مرونتها الرقمية عبر برنامج CyberGovSecure، الذي يهدف إلى توحيد معايير الأمن السيبراني ورفع جاهزية الإدارات الاتحادية لمواجهة التهديدات الإلكترونية المتزايدة.
مشروع قانون لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية
أعلنت ألمانيا في 12 مايو 2025 خططًا لتطوير “دفاع إلكتروني نشط” لمواجهة التصاعد الحاد في الهجمات السيبرانية، في ظل تزايد خطورة هذه الهجمات بفعل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد تسجيل مئات الآلاف من جرائم الإنترنت خلال عام 2025. أكد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت إنه سيطرح مشروع قانون جديد على مجلس الوزراء خلال مايو 2026 ، يهدف إلى منح الأجهزة الأمنية صلاحيات الرد على الخوادم المستخدمة في تنفيذ الهجمات الإلكترونية. وأوضح دوبريندت: “أن الهدف من التشريع الجديد يتمثل في “تعطيل وتدمير البنية التحتية للمهاجمين”، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الهجمات انطلق من روسيا.
الجرائم الإلكترونية تشهد ارتفاعًا متواصلًا
وأضاف وزير الداخلية الألماني: “هذا يعني ضمان أن أي شخص يهاجمنا من نظام خادم، على سبيل المثال، لمهاجمة شركة طاقة في ألمانيا من الخارج، لن يتمكن من القيام بذلك مستقبلًا باستخدام تلك البنية التحتية أو ذلك الخادم أو ذلك البرنامج أو تلك المرافق”. وأكدت وزارة الداخلية الألمانية أن الجرائم الإلكترونية الخطيرة والهجمات التي تستهدف الشركات الألمانية والوكالات الحكومية والبنية التحتية الحيوية تشهد ارتفاعًا متواصلًا، متسببةً في خسائر اقتصادية تجاوزت 200 مليار يورو خلال العام 2025.
أشار تقرير الوزارة إلى أن “الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي أصبحت ذات أهمية متزايدة في مجال الجرائم الإلكترونية”، موضحًا أن هذه الأدوات أتاحت للمهاجمين تنفيذ الهجمات “بشكل أسرع وأكثر دقة واحترافية”. ووفقًا للبيانات الرسمية، تم تسجيل نحو 334000 حالة من الجرائم الإلكترونية في ألمانيا خلال عام 2025، جاء ثلثاها من خارج البلاد أو من مواقع مجهولة، في حين يُعتقد أن هناك عددًا كبيرًا من الحالات الأخرى لم يتم الإبلاغ عنها.
ما مصادر التهديدات؟
يقول دوبريندت: “لهذا السبب نريد توسيع قدراتنا في مجال الدفاع السيبراني النشط”. وأضاف أن من أبرز مصادر التهديد عبر الإنترنت “الزيادة الكبيرة في النشاط القادم من روسيا” منذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022. كما أوضحت الوزارة أنه تم الإبلاغ عن أكثر من 1000 هجوم ببرامج الفدية في ألمانيا خلال العام 2025، بزيادة بلغت 10% مقارنة بالعام 2024، حيث تمكن المهاجمون من ابتزاز أكثر من 15 مليون دولار، بما يعادل نحو 12 مليون يورو. وفي السياق ذاته، ارتفع عدد هجمات حجب الخدمة بنسبة 25% ليصل إلى 36706 هجمات.
تنامي الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي
حذر رئيس هيئة الرقابة المالية الألمانية مارك برانسون من تنامي الهجمات الإلكترونية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الهيئة تعمل على تعزيز الرقابة على المخاطر السيبرانية التي تواجه الشركات المالية. وقال برانسون: “يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة تحديد واستغلال العديد من نقاط الضعف في أنظمة تكنولوجيا المعلومات بسرعة ملحوظة”، داعيًا الشركات إلى “معالجة نقاط الضعف هذه بسرعة أكبر بكثير”. وشدد على أن “الأمن السيبراني استثمار عاجل وضروري”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121636
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
